انتخابات جدة بين الشد والجذب

2005-4-16 | انتخابات جدة بين الشد والجذب

أعتقد أن ما حدث في جدة وتحديدا القائمة الانتخابية، قد حمل من الكتاب أكثر مما يحتمل، وأصبح فرصة للنيل من البعض، أو تصفية الحسابات، أو إشغال الرأي العام بقضية بسيطة، قد تكون سبباً في تفريق عوائل المجتمع، وما يؤرق حقا أن تصبح الانتخابات البلدية المحدودة الأثر والتأثير سبباً في إثارة الضغائن فيما بينهم، وإشاعة جو متوتر لقضية لا تستحق كل هذا الشقاق والخلاف. إن مشكلة جدة والتي حاولت مقالات العصر تصويرها وكأنها مشكلة أمة، ومستقبل ومصير، هي نسخة مكررة من أزمات تعيشها تجارب إسلامية هنا وهناك، ومعالجتنا لهذه القضية أو تلك إنما يندرج ضمن معالجتنا لظواهر وأنماط سائدة، ولا يسوغ لمريد الإصلاح أن يغرق في الحسابات الجزئية، والرؤية القبلية أو المناطقية.

لن أدخل في ردود وتجاذبات جزئية حول ظاهرة (القائمة الانتخابية)، وحول السلطوية الجديدة المغلفة بالديمقراطية، لكني أود أن أشير إلى أن الإساءة في التعامل مع الاختلافات الثانوية، قد تحولها إلى اختلافات أساسية. وأما إشاعة أساليب "الحرب الفكرية"، من غلق الحدود الفكرية بين الأطراف المختلفة، ويصبح الحديث المتبادل تراشقا بالأفكار على الجانبين وأقوالا هي أقرب إلى الدعاية، فإنه حينها، ينصرف الجهد لا إلى البحث عن مجالات الالتقاء أو التقارب ولكن إلى وجوه الخلاف والتترس خلفها باعتبارها الحدود الفاصلة، ويتولد أو يترسخ حرص لا إلى الاعتراف بنواحي القوة لدى الطرف الآخر، ولكن حرص في التنقيب عن نقاط الضعف والعمل على توسيعها والنفاذ منها والتشنيع على الخصم بها، لذلك، فإن الجدل أو الحوار ينتقل من صناع الأفكار إلى حراس الحدود الفكرية، وينشط رجال الأمن الفكري الذين يجوسون خلال الديار دعما للمفاصلة الفكرية والقطيعة بين الأطراف المختلفة، ومن ثم تتعمق المجافاة، يحرسها سوء التأويل والشك.

إننا مستهدفون في حقنا في الاختيار، أمريكا تحارب وتهيمن لتفرض علينا نمطا في التفكير والحياة، وتريد أن تنتزع منا الإرادة والقدرة على الاختيار، ولن تستطيع، فهي لم تتمكن من تحقيق هذا على أرضها وفي أوساط النقاد من بني جلدتها، فكيف يتحقق لها ذلك مع شعوب تناضل من أجل استقلالها الثاني، ومن أجل الذود عن حقها في حرية الاختيار بين المشاريع والأنساق. إننا مطالبون بمواجهة أنفسنا، لأن الأمر يتعلق بإنضاج التيار الحضاري الغالب في أمتنا، وما يقتضيه من جهد فكري يجمع الاتجاهات الفكرية الغالبة الشاغلة للساحة الجماهيرية على انتزاع الكرامة والاستقلال الثاني (وأعني به استقلال القرار والإرادة)، ولا يتحقق شيء في هذا الصدد إلا بالحوار بين التيارات الفكرية ذات الغلبة في المجتمع، شريطة ألا يتحول إلى "حرب فكرية"، وإنما يأخذ أسلوب "التفاوض الفكري" غايته التوفيق بين المصالح والأهداف فيما يعزز خيار الصمود في وجه التعويم والأمركة، فهي مبادلة للرأي بغية الوصول إلى تسوية أو اتفاق، وهذا يتطلب استيعابا دائما لوجهات النظر المتباينة، ومحاولة إدراك المنطق الداخلي للرأي الآخر وتجلياته في الحياة الواقعية. لم تنضج تيارات الإصلاح ولم تطور آليات للشراكة في الرأي وطلب الصواب، بل تعتمد أساسا مسلك المناظرة"، والتي تعتمد على الأخذ بمبدأ الاشتراك مع "الغير" في طلب الحق والصواب والعمل به. ذلك لأن الصواب لا يحتكر، كما أنه ليس بمقدور المتصدر للرأي وصناعة الموقف والتأثير —مهما علا قدره- أن يوفق للصواب منفردا في كل حين وآن، خاصة مع تعقيدات الأوضاع وتداخل الأحداث وتسارعها، وما ينطبق على الفرد ينطبق على المجموعة الواحدة —أو الجماعة والتنظيم والمؤسسة- التي ترى برأي واحد ويغلب عليها التماثل والتطابق، لأنه لا يعدو أن يكون حوارا داخليا مع "الأنا.

إن هناك تداخلا بين الحوار كقيمة وآلية وبين الصواب، ويتجلى هذا في الشراكة في طلب الصواب والرأي السديد. والمحاورة ليست فعلا ينفرد به الإنسان، بل تحصل بالمشاركة البناءة المثمرة مع الغير، والصواب الذي نوفق إليه لا يتأتى —غالبا- بالنظر المجرد والتأمل الفردي —وإن كنا أحيانا نوفق إلى الصواب والرأي السديد دون اعتماد مجال التداول ومسلك المشاركة والمحاورة، لكن أثره محدود مقارنة بالصواب الجماعي-، خاصة مع ما نعيشه في عالم اليوم من تداخلات وتناقضات وتعقيدات وتشعبات، إنه لا مناص من إحياء "طريقة أهل المناظرة" ولعل واقع الحيرة والاضطراب الذي نشهده اليوم في أوساط الأمة وتيار الصحوة على وجه الخصوص في أكثر القضايا حضورا وتأثيرا، مرده —في بعض جوانبه- إلى غياب الاشتراك مع "الغير" في طلب الحق والظفر بالصواب والعمل به.

وهذا لا يعني بحال من الأحوال الدعوة إلى وحدة الرأي، فهذا مما يتعذر تحقيقه ولم نطالب به أصلا، وإنما أن تُتداول الآراء، على اختلافها وتعددها وتراكمها، وتخضع للمحاورة والنظر الجماعي. ويعني هذا في الأخير أن يكون الرأي نتاجا لشراكة في التداول والنظر لا أن يصدر من جهد وعمل فردي مجرد، باعتبار أن هناك تداخلا، وليس تلازما، بين الصواب والمحاورة. وبهذا يمكننا، على الأقل، أن نخفف من حدة التضاربات وفوضى الأفكار وكذا مظاهر الحيرة والقلق والاضطراب.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر