آخر الأخبار

الحكومة الأردنية والمعارضة أمام استحقاقات الواقع!

2005-4-15 | محمد سليمان الحكومة الأردنية والمعارضة أمام استحقاقات الواقع!

يبدو واضحا أن الأردن على أعتاب مرحلة "انفراج سياسي" تبدد حالة الاحتقان بين الحكومة والقوى السياسية المختلفة؛ وتؤكد تصريحات رئيس الوزراء الجديد على هذه النتيجة؛ إذ صرّح بأن الحكومة ستراجع قانون النقابات الجديد وستنزع عنه صفة الاستعجال وتعيد النظر بمبدأ الصوت الواحد —الذي أثار جدلا وغضبا واسعا لدى النقابيين- مشيرا إلى أنّ الحكومة والنقابات يقفان في خندق واحد. مما يبشر بمراجعة شبيهة لمشروع قانون الأحزاب السياسية حيث وضعت القوى والشخصيات الوطنية الكثير من الملاحظات الجوهرية عليه.

تصريحات بدران تمثل مؤشرات إيجابية من قبل الحكومة تجاه القوى السياسية المختلفة وفي مقدمتها النقابات والتيارات الإسلامية والقومية التي تسيطر عليها، ويضع الحالة السياسية الأردنية على "أول السطر" مرة أخرى بأن الإصلاح السياسي لا يمكن أن ينجح بلا شراكة وطنية حقيقية تنتشل المناخ السياسي من حالة الجمود. لكن الشراكة المطلوبة تصطدم بمعضلة السياسة الأردنية الكبرى —اليوم- وهي التناقض بين الضرورات التي تفرض على الحكومات المتعاقبة الحركة فيها وتمثل سقفا لأي سياسية "ممكنة" وبين مطالب القوى المعارضة —التي تقود النقابات- وهي بعيدة كل البعد عن الواقع؛ إذ ما زال خطابها السياسي يتكون من لغة أيدلوجية تتصور الأردن وكأنه جزيرة معزولة عن إكراهات الواقع وشروطه الصارمة.

لذلك؛ فالشراكة الوطنية الحقيقة لا بد أن تقوم على توافق بين الطرفين على قراءة الواقع بموضوعية وتغليب لغة العقل وعقد صفقة بين الطرفين تسمح فيها الحكومة بالحريات العامة بشكل كبير،وتصبح مسألة حقوق الإنسان من المحرمات الوطنية التي يجب ألاّ تمس في المقابل تبدي القوى السياسية والنقابات تفهما أكبر لشروط الواقع والضغوطات الكبيرة على الحكومة، بل وتساهم معها في مواجهة هذه المتطلبات التي لا تقع مسؤوليتها عند حدود الحكومة وإنما تصيب كل أفراد الوطن وتشكيلاتهم المدنية والسياسية، وبدون ذلك سيبقى الحديث عن الإصلاح المطلوب والشراكة الوطنية لغة خادعة وستتحول بعد حين إلى خطاب ممجوج لا قيمة واقعية له تبقى قيمته الحقيقية في إطار المساومات والتلاعن السلبي بين الأطراف المختلفة!.

والمعضلة السابقة يمكن أن نلمسها بوضوح من خلال كثير من القضايا، وأسوق هنا مثال رئيسي مرتبط بالبرنامج الحكومي وهو الاستحقاق الاقتصادي القادم ويتمثل بالالتزام بمطالب الإصلاح الهيكلي وضغوط صندوق النقد الدولي لرفع الدعم عن الأسعار وعن أسعار المشتقات النفطية التي تحمل الخزينة مبلغا كبيرا. في حين سترفض القوى السياسية الرئيسة سياسة رفع الدعم وزيادة العبء على كاهل المواطن، في ظل شبح الفقر والبطالة لذي يخيم على البلاد إذ تشير الأرقام إلى نسب مخيفة ومرتفعة في هذا المجال. بالتأكيدهذا الموضوع سيكون مجالا خصبا للمواجهة بين الطرفين، وستكون المحصلة هي التزام الحكومة بما هو مطلوب منها -من المؤسسات المقرضة العالمية- عمليا والتزام المعارضة -في أحسن الأحوال- بمنطق الرفض من خلال البيانات والخطابات، وتبقى المعادلة السياسية الأردنية تقف دوما عند هذه المخرجات!.

بالتأكيد ليس مطلوبا من الحكومة أن ترحل الأزمات الاقتصادية وتهرب من استحقاقاتها، كما أنه ليس مطلوبا من المعارضة أنْ تقبل بمزيد من الأعباء التي تثكل كاهل المواطن، لكن ما هو مطلوب أن يتم الحوار البناء والمجدي بين الطرفين للوصول إلى صيغة يتم فيها الالتزام بالاستحقاقات الاقتصادية مع توفير منافذ للطبقات الفقيرة والمعدمة كي لا تتأثر بشكل مباشر بهذه السياسات.

وهنا نقف أمام قضية رئيسة وهي دور النقابات والقوى المختلفة في التنمية الوطنية؛ فالأردن دولة ناهضة تحتاج إلى المنجزات الواقعية وإلى الجهود العملية في مجال التنمية والإعمار والمساهمة أكثر مما تحتاج إلى لغة الإدانة والشجب ومنطق المعارضة والمناكفة السياسية للحكومة. بالطبع هناك دور النقابات المهنية في رفع الحالة الاقتصادية لعشرات الآلاف من العائلات الأردنية؛ لكن لا بد أن تبادر النقابات إلى المساهمة في مشروعات تنموية تساهم في توفير فرص العمل وبناء مشاريع إنتاجية جديدة ترفد الاقتصاد الوطني وتعززه. كما يمكن أن تؤدي النقابات دورا كبيرا —وهي بيوت للخبرة الوطنية- في طرح نقاشات ودراسات موضوعية ومنهجية في الاقتصاد الوطني ومساراته والسياسات الحكومية، ويتحول النقاش -بذلك- من العموميات وحالة الضبابية و"حوار الطرشان" إلى السياسات العملية والجزئيات والبدائل المقترحة، وهو الأمر الذي يمكن بحق أن يفيد الوطن وأبناءه. والسؤال المطروح أمام القوى السياسية المختلفة هو: هل الهم الاقتصادي هو مسألة مرتبطة بالحكومة فقط أم أنه همٌّ وطني؟!، وإذا كان كذلك فلماذا يغيب الاقتصاد والنهوض به عن جدول أولويات واهتمامات القوى السياسية لصالح القضايا الكبرى والتي من المؤكد أنها لن ترى طريقها إلى الحل قريبا! أو أن مساهمة الأردن فيها ستكون محدودة؟!. بينما يمكن أن تقدم النقابات والقوى الوطنية الكثير في مجال المشروع التنموي وهو "المسكوت عنه" في خطابها وجدول أولوياتها؟!.

في المحصلة: الحكومة والقوى الوطنية الأردنية بحاجة إلى "عقد سياسي" جديد يتم من خلاله تعريف المصالح الوطنية العليا والاعتراف بها قيما حاكمة على الجميع. كما أننا بحاجة إلى الانطلاق من منظومة التنمية الوطنية الشاملة ومفاهيمها لتشكل إطارا يحكم العلاقة بين أطراف المعادلة الداخلية يتم من خلالها تجاوز أدبيات الصراع والاختلاف على الأساسيات وتردم الفجوة التاريخية بين الحكومة والمعارضة بتقديم تنازلات متبادلة وتحقيق صفقة تاريخية وطنية تعلي من لغة العقل ومن الخير العام..


تم غلق التعليقات على هذا الخبر