الروح 'الثورية' تجتاح المناطق الروسية!

2005-4-12 | المحرر الروح 'الثورية' تجتاح المناطق الروسية!

يبدو أن الروح "الثورية" التي أُلهبت بسقوط الحكومات المدعومة من قبل الكرملين خلال مظاهرات شعبية في جورجيا وأوكرانيا وقرغيزستان، بدأت تتشكل داخل روسيا نفسها بتشجيع من الغرب. فالقوى الإقليمية تهيئ نفسها للانقضاض على السلطة في الجمهوريات التأسيسية للاتحاد الروسي. وفي حال نجاحها، فإن هذا يمكن أن يؤشر على بداية نهاية الاتحاد الروسي كدولة وبلد.

وتظهر المظاهرات المنظمة بشكل جيد في "بشكورتوستان" Bashkortostanفي 26 مارس الماضي واحتجاجات مماثلة بصدد التحضير في مكان آخر في روسيا، أن الحركات "الثورية" المدعومة غربيا في الإتحاد السوفيتي السابق تُطبخ على نار هادئة في روسيا. هذا الاتجاه يشير إلى أن "الثورات" الأولى داخل الاتحاد الروسي المتعدد الأعراق ستكون على مستوى إقليمي في المناطق التي تضم السكان الروس من نفس العرق. وربما تحاول المجموعات المتباينة -لبراليون مؤيدون للغرب، وطنيون معادون للروس، نقابات الجريمة وربما إسلاميون- أن تقود هذه "الثورات" وتوظيفها، بينما تشكل تحالفات مؤقتة فيما بينها.

من الناحية الجغرافية السياسية، هذه "الثورات" المحتملة أكثر خطورة على موسكو من الحرب الشيشانية. وما لم يتصرف الكرملين بسرعة وحكمة في تعامله مع هذه الحركات، فإن سلامة الأراضي إقليمية لروسيا ستتعرض للتصدع وربما تبدأ بالانهيار.

وتشير مصادر الأجهزة الأمنية الروسية وقوى المعارضة إلى أن "ثورات" مشابهة لتلك التي شهدتها "بشكورتوستان" -وربما أكبر- يجري الإعداد لها في عدة مناطق روسية أخرى، ولعل منها تلك المجاورة لـ Bashkortostanكتتارستان، وياكوتيا وتوفا في سيبيريا، وكاروليا في المنطقة الشمالية الغربية، وكذا عدة جمهوريات في شمال القوقاز، والعديد من هذه المناطق هامة بشكل إستراتيجي.

لنأخذ على سبيل المثال، تتارستان وياكوتيا، ربما تعد من أهم المناطق الانفصالية فعلا مستقبلا. علما أن تتارستان تعد إحدى المحركات الاقتصادية الرئيسية لكل روسيا -بسبب قطاعها النفطي المتطور وموقعها كمركز للهندسة الميكانيكي- وتقع بين موسكو وUrals، القاعدة الرئيسية للصناعة الثقيلة الروسية. وتسيطر تتارستان مع Bashkortostan، على أطول ممر نقل روسي إستراتيجي يربط حدودها الشرقية بأوربا الغربية. وإذا قطعت تتارستان من روسيا، فإنها ستكون أقرب إلى أوروبا.

والتتار أيضا الأقلية العرقية الأكثر نشاطا وحيوية سياسية والأكثر تأثيرا في روسيا، و23 بالمائة منهم فقط يعيشون بشكل مباشر في تتارستان، بينما الآخرون يقيمون في موسكو ومراكز مهمة أخرى. وكثير منهم موظف في مواقع عليا في الأجهزة السياسة والاقتصادية والأمنية. وتأتي "الأوليغلرشية التتارية" في المرتبة الثانية –وإن كانت المسافة بينهما كبيرة نوعا ما- بعد "الأوليغلرشية اليهودية" في تصنيفات النخبة في روسيا. حيث إن اللوبي التتري في الكرملين ومافيا التتر في موسكو هما من بين أقوى المجموعات في البلاد. وتجدر الإشارة إلى أن امتيازات تتارستان الحالية كجمهورية ضمن الاتحاد الروسي من حيث القدرة والإمكانيات هي الأقرب إلى الاستقلال.

وقد تنامت الروح "الانفصالية"، وربما الإسلامية وإن بشكل أقل لكنه يعتبر مؤشرا مهما، بين التتارِ منذبداية عهد "البروسترويكا"، في حين يصنف الرئيس التتارستانيMintimer Shaimiev على أنه قومي معتدل، ولا يرغب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن يستبدله، على الرغم من كفاح موسكو السياسي لمنع "انسلاخ" تتارستان من روسيا، باعتبار أن هناك قوى في تتارستان أكثر "راديكالية" من الرئيس الحالي، وهي تدفع حاليا للاستقلال التام عن روسيا، وهذا ما يجعل تتارستان تبدو ناضجة لأن تشهد المرحلة الكبيرة القادمة للاحتجاجات ضد الكرملين..

هذا، وتعد "ياكوتيا"، والتي تعرف حاليا بـ"جمهوريةSakha Yakutia "، منطقة روسيا الأكبر، حيث تحتل خمس مساحة روسيا الكلية. والمنطقة بمثابة "منجم ذهب" روسيا وغنية جدا أيضا بالماس. وإذا انفصلت عن روسيا، فإنها ستقطع المنطقة الشمالية الغربية لها، وهي ChukotkaوKamchatka ومناطق أخرى، عن بقية البلاد، تاركة المناطق المعزولة تحت رحمة الولايات المتحدة (حيث تجاور ألاسكا هذه المنطقة عن طريق مضيق Bering).

وقد شهدت منطقة "ياكوتيا" مظاهرات انفصالية معادية لروسيا عنيفة في عهد الرئيس الروسي السابقِ ميخائيل غورباتشوف. ولا تزال الحركة الانفصالية حية هناك، وقد وصلت منظمات غير هيئات حكومية غربية المنطقة، وتحاول بشكل نشيط أن توحد المعارضة. وترددت أصداء المظاهرات في مناطق الاتحاد الروسي ذات الأغلبية العرقية الروسية في الشهور الأخيرة.

وإن لهذه المناطق هامشا من الحكم الذاتي الإقليمي، وستكون خطواتها أقل سرعة وأكثر بطئا بشأن الانفصال من موسكو مقارنة بالمناطق الروسية المتعددة الأعراق، حيث حالة الاستياء من سياسات الكرملين والرغبة في الحكم الذاتي، في تزايد مستمر. كما أن تأثير موسكو بين الجمهوريات غير الروسية عرقيا أضعف من المناطق الروسية في روسيا، لأن السكان المحليين، غالبا، في المناطق غير الروسية تشعر بالتجانس أكثر مع مجموعاتها العرقية والدينية المحلية من موسكو. ومعقول أن "الثورات" تحت راية مؤيدة للغرب تبدأ في المناطق ذات الأقلية الروسية، حيث السيطرة المركزية ضعيفة، خاصة وأن الهدف هو ضرب روسيا في مناطقها الأضعف، وبهذا تتوفر لـ"الثورات" فرصة أفضل للنجاح.

ويبدو بشكل واضح، أن زخما بصدد التشكل لتحريك القوة الإقليمية بعيدا عن الكرملين. والمحتجون مُحفزون بنجاح "الثورات" الشعبية الأخيرة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا. علاوة على ذلك، فإن المحتجين لن يخافوا الأعمال الانتقامية التي من المحتمل أن ترتكب من الحكومة الروسية، لأن رد موسكو على المظاهرات الأخيرة كان خالِ من التوقيفات أو العقوبات القاسية لزعماء المعارضة، أضف إلى ذلك، ما تراه مجموعات المعارضة من الدعم الخارجي الحكومي وغير الحكومي خاصة من الولايات المتحدة. ويلعب المنصرون البروتستانتيون الأمريكيون دورا مهما أيضا في مساعدة المناطق غير روسي العرق للانفصال عن موسكو. وحسب مصادر مطلعة، فإن الذي تحولوا حديثا إلى المذهب البروتستانتي من السكان المحليين أصبحوا من ضمن نشطاء المعارضة في تلك المناطق.

ومن خلال تشجيع "الثورات" في مناطق الأقلية الروسية، فإن إدارة بوش –وأوروبا إلى حد ما- تتبع خطوات كل القوى الأخرى التي حاولت إضعاف روسيا.

و في الوقت الحاضر، يبدو أن قوى ليبرالية مؤيدة للغرب تأخذ مركز الصدارة في حركات روسيا "الثورية". لأن هذه المجموعات تعتقد بأنها يمكن أن تساير الحركات الغربية المشجعة، وعندما تنتهي ثورة، وفي حال تحققت أهدافها، فإنها يمكن أن تتمتع بدعم واشنطن.

المظاهرات لحد الآن ما أدت إلى تغيير كبير في السلطة في الجمهوريات، لكن الإمكانية تنمو بسرعة. ومالم تَتحرّكُ موسكو بسرعة للتعامل مع هذه الاحتجاجات المتزايدة والمدعومة غربيا بشكل منظم وجيد، فإن روسيا قد تفقد أراضيها منطقة منطقة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر