آخر الأخبار

تقرير التنمية الإنسانية.. وثيقة تاريخية في إدانة السياسية العربية

2005-4-10 | محمد سليمان تقرير التنمية الإنسانية.. وثيقة تاريخية في إدانة السياسية العربية

من الظلم الشديد أن يبقى الجدل الثقافي العربي حول تقارير التنمية الإنسانية مترددا حول القبول بمشروعيتها ومصداقيتها، وأن يبقى نفر من المثقفين العرب ممن لم يستطيعوا تجاوز عقدة "المؤامرة" يشككون في وطنية هذه التقارير وأهدافها السامية معتبرين أن أي نقد حضاري للذات هو في خدمة الآخر!.

لقد قيل ما قيل في تقريري التنمية الإنسانية لعام 2 (حول التنمية الإنسانية) و3 (حول مجتمع المعرفة) في العالم العربي، وادعى اتجاه من المثقفين العرب أن هذين التقريرين يستبعدان دور العامل الخارجي، وأنهما يتجنبان الحديث عن دور الولايات المتحدة وإسرائيل في إعاقة عملية النمو في العالم العربي -على الرغم مما في التقريرين من إشارات واضحة للتداعيات السلبية للقوى الخارجية على مسيرة التنمية-. أما الآن فينبغي أن يتوقف الجدل حول مصداقية هذا التقرير ومشروعيته بعد الإصدار الثالث والذي جاء واضحا صريحا في إثبات التهمة والإدانة لكل العوامل والشروط التي تنتج القصور والتعثر في مسار الحرية والوصول إلى حالة الحكم الصالح الذي نبتغيه، وفي مقدمة هذه العوامل دور كل من الاحتلال الأميركي للعراق والإسرائيلي لفلسطين في إعاقة الحرية والتحرر والإضرار بحالة حقوق الإنسان في العالم العربي، الأمر الذي يثبت بحق أن تقرير التنمية الإنسانية العربي هو تقرير موضوعي ينبع من شعور فريق المثقفين العرب -الذين يجهدون في إعداده، ويتحدون كل المعوقات- بالمسؤولية الحضارية والتاريخية.

أما التذرع ببعض الأخطاء والاختلافات في الأرقام وتقويم المعلومات لرفض هذه التقارير والتنكر لأهميتها ووظيفتها، فهو أمر غير موضوعي وغير سليم، كما أن اغتيال هذه التقارير بحجة أن القيم الحاكمة لها هي قيم غربية ومعايير أميركية فهو أيضا مرفوض؛ فالتقرير الأخير مليء بالإشارات والتنبيهات من التراث العربي الإسلامي لعمق ثقافة الحرية ومحورية حقوق الإنسان. وبعد ذلك من الغريب أن يُشكك في غايات من يعدون التقارير وأهدافهم وهم ثلة من المثقفين والكتاب العرب الأعلام من مختلف الدول العربية، فهل نتصور أن يجمع كل هؤلاء على ضلالة!!.

الإصدار الثالث لتقرير التنمية الإنسانية جاء بعنوان "نحو الحرية في الوطن العربي" وهدفه استئناف ما بدأ به التقريران السابقان من دراسة حالة التنمية في العالم العربي والسبيل إليها، وقد كشف التقرير الأول أن هناك نواقص تعيق الوصول إلى التنمية وأجملها في ثلاثة نواقص: المعرفة، والحرية والحكم الصالح، تمكين المرآة، وفي حين عالج التقرير الثاني مسألة المعرفة ومؤشراتها ورسم خارطة الطريق إلى "مجتمع المعرفة"، آتي هذا التقرير ليعالج المشكلة الثانية وهي الحرية والحكم الصالح، تاركا المجال لإصدار السنة القادمة ليناقش المسألة الأخيرة وهي تمكين المرآة.

وعلى خلاف الإصدارين السابقين شهد هذا التقرير ولادة عسيرة، إذ تناول بموضوعية ومنهجية علمية رصينة الأسباب التي تحول دون تحقق حقوق الإنسان وكرامته وحرياته والوصول إلى الحالة السياسية التي تمثل "الحكم الصالح"، فالولايات المتحدة سحبت دعمها للمشروع ودول عربية كثيرة تبرأت منه ورفضت السماح بالإعلان عنه، لماذا؟.. لأنه تقاطع مع مصالح النخب الحاكمة والولايات المتحدة ونقد حجج الدعاية الأميركية، وبالتأكيد فإن أية مبادرات أميركية جديدة للإصلاح ستستثني نتائج هذا التقرير من الإشارة خلافا للتقريرين السابقين اللذين أصبحا "مفتاحا" للدعاوى الأميركية للإصلاح!.

جاء هذا التقرير ليحلل مؤشرات الحرية وحالة حقوق الإنسان ومعايير الحكم الصالح، ولعل شهادة الاستطلاعات العالمية — التي يوردها التقرير- بأن الشعوب العربية هي أشد شعوب العالم توقا للحرية وتقبلا للديمقراطية هي التي تضع أمامنا السؤال الحاكم في هذا التقرير وهو: إذا كانت الشعوب تريد الحرية والديمقراطية وتطوق إلى الحكم الصالح، فلماذا تعبر الحالة العربية عن فقر شديد في الحرية وانتهاكات لحقوق الإنسان وغياب شبه كامل لمفهوم الحكم الصالح؟ والجواب الذي يقدمه التقرير هو أن هناك عاملا خارجيا وبنى سياسية واجتماعية تحول دون تحقق طموح الإنسان العربي.

أما العامل الخارجي؛ فعلى الرغم من الدعاوى والضغوط الأميركية والغربية المنادية بالإصلاح إلا أن هذه الدول تلعب دورا كبيرا في خلق الفضاء المعيق للإصلاح، ومنذ الحادي عشر من سبتمبر اتخذت هذه الدول سياسات وأقرت تشريعات تجاه العرب والمسلمين في كثير منها انتهاك للحريات وحقوق الإنسان وتعارض مع مقتضيات الإصلاح. وبذريعة الحرب على الإرهاب استبيحت المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان واعتدي على كرامة الإنسان وحقوقه، كما حدثت تجاوزات كبيرة في العراق من قبل الاحتلال الأميركي، وتشير معلومات وإحصائيات إلى أن عدد القتلى العراقيين قد بلغ مائة الف، ناهيك عن حالات الانتهاك المخيفة كاغتصاب النساء في السجن والتعذيب وعدم قيام الجيش الأميركي بمسؤوليته كـ "قوة احتلال". أما فلسطين فهدم البيوت والتهاون في قتل المدنيين والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الفلسطيني والاستمرار في بناء الجدار العازل كلها انتهاكات لحرية الإنسان العربي وحقه في الحياة الكريمة، وعرقلة لمسيرة حقوق الإنسان. ولا يقف دور العامل الخارجي — في تقرير التنمية- عند هذا الحد فالنظم العربية تحاول توظيف ما يسمى بـ "الحرب على الإرهاب" لتأجيل مطالب الإصلاح بحجج الأمن، وتمارس انتهاكا لحقوق الإنسان بذات الذرائع؛ في محاولة للتخفيف من أزمة "الشرعية المزمنة" التي باتت تعاني منها تحت وطأة تهلهل أسس الشرعية التاريخية والأبوية والتقليدية التي كانت تستند إليها، وفشلها في تحقيق أبرز الأهداف والشعارات التي رفعتها.

في المقابل هناك الكثير من المؤشرات السلبية لحالة الحرية وحقوق الإنسان ومقتضيات الحكم الصالح: غياب للانتخابات في كثير من الدول العربية، فيما تتسم الممارسة السياسية الشعبية بالشكلية والمحدودية، كما أن هناك غيابا لتداول السلطة وانتهاكا لحياة الإنسان وكرامته من قبل السلطة أو جماعات تمارس العنف، ويوجد إهدار لضمانات المحاكمة العادلة وإحالة القضايا المدنية إلى القضاء العسكري واستخدام إشكال القضاء الاستثنائي، وهناك ممارسات في إقصاء الإنسان خارج دائرة المواطنة من خلال سحب الجنسية بمقتضى قرار إداري، وانتهاك لحقوق جماعات فرعية داخل العديد من الدول العربية. والمرآة تعاني من إقصاء مزدوج. في حين تبين نتائج دراسات أجريت على خمسة عشر بلدا عربيا أن 32 مليون شخص يعانون من نقص التغذية أي 12% من مجموع سكان هذه الدول، وما زال الاعتلال الجسدي ينتاب سنوات حياة الإنسان العربي الذي يعاني من نقص خطير في حقوقه الاقتصادية والاجتماعية.

إذا وضعنا العامل الخارجي جانبا، فنحن أمام العديد من الأسباب التي تفسر المؤشرات السابقة، منها ضعف حضور مطلب الحرية في نضال الحركات الجماهيرية، إذ لم تُدرج التيارات الإسلامية والقومية الحرية على رأس أولوياتها، وعلى الرغم أن التيار الرئيس في الفقه الإسلامي يدعم حقوق الإنسان وكرامته إلا أن هناك قوى سياسية في السلطة والمعارضة تحاول توظيف النص الديني لدعم الاستبداد ومصادرة الحقوق، كما تتذرع الحكومات العربية بالعديد من القضايا لمقاومة ضغوط الإصلاح من ذلك الترهيب من "فخ الانتخاب لمرة واحدة" مستغلة "فوبيا" أن البديل لهذه الحكومات هي القوى الإسلامية بدعوى أنها تستخدم الديمقراطية مطية لتحقيق أهدافها ثم تلغي الانتخابات، ومن الذرائع أيضا الخصوصية والتي تستخدم للتنصل من حقوق الإنسان. وفي الوقت الذي تمنح فيه الدساتير العربية الإنسان العربي حقوقا كثيرة فإن القوانين تأتي لتحد وتضعف وتصادر هذه الحقوق بقيود ومحددات كبيرة؛ فإذا كان تشكيل الجمعيات والأحزاب وحرية التعبير والإعلام هي حقوق ثابتة واضحة في دساتير كثير من الدول العربية، فإن القوانين الصادرة تبدد هذه الحقوق وممارسة السلطة تصادرها. وإذا كانت الدساتير تنص على استقلال القضاء فإن حضور السلطة التنفيذية في تعيين القضاة وامتلاكها لرواتبهم المالية وتحكمها في سلمهم الوظيفي يجعل من استقلال القضاء مسألة شكلية.

ويصك التقرير مصطلح "دولة الثقب الأسود" في إشارة لتغول السلطة التنفيذية على السلطات الأخرى وطبقات المجتمع، إذ تضع السلطة ثقبا أسود يدور المجتمع كله في فلكه ولا يغادر مجاله، وهناك حالة من إفقار السياسة وتفريغ العملية السياسية من كل مضامينها بما في ذلك إضعاف المجتمع المدني بالسيطرة عليه، ولا ينفك مناخ القمع الموجود عن ظاهرة الفساد وانتشاره. وإذا كانت البنية السياسية السابقة عاملا مباشرا في الحالة السياسية، فإن البنية الاجتماعية التي تقوم على "خنق الفرد" والبني الاقتصادية التي تعتمد نمط "الإنتاج الريعي" كلها عوامل سلبية مؤثرة على مصائر حقوق الإنسان العربي وحرياته والتي يحددها التقرير في ثلاثة احتمالات: مسار الخرب الآتي، مسار الإزدهار الإنساني ومسار الإصلاح المدفوع من الخارج.

من هنا فإن التقرير يقرع جرس الإنذار ويحذر من الخطر الوشيك والخراب الأكيد، إذا لم تسر المجتمعات العربية في درب الإصلاح. ويقدم لنا خارطة الطريق إلى الحرية وحقوق الإنسان محللا الأسباب والشروط المعيقة والمظاهر المتناقضة والخطوات التي يجب أن تسير بها الشعوب نحو أهدافها.

يقول محمد جابر الأنصاري —في مناقشته للسياسة العربية ومصادر الخلل!- لو كنت حاكما عربيا لوزعت ملايين النسخ من مقدمة ابن خلدون على الناس. أما أنا فأدعو إلى توزيع ملايين النسخ من ملخص هذا التقرير على الأفراد في مختلف أنحاء العالم العربي، وأن تدرس في المعاهد والمدارس والمراكزز والمصانع والشركة والمعمل والوزارة والجامعة..الخ. هذا التقرير شهادة حية من المثقف العربي على واقعه واستعادة لقيمة الحرية ولحقوق الإنسان وكرامته في مدافعة الواقع العربي، إنه دعوى ودليل إدانة يستطيع أن يرفعها الإنسان العربي ضد الحاكم وضد التسلط والظلم والفساد وهو وثيقة هامة وتاريخية وشهادة للإنسان العربي في حقه -بل واجبه- في التغيير، وشهادة أيضا من الإنسان العربي للمثقف بأنه بدأ يستعيد وجوده العضوي ودوره النضالي ويساهم بحق في معركة التحرر والحرية والإصلاح المنشود.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عمار بن طوبال

يري أنطونيو غرامشي بأن كل البشر مثقفون بمعنى من المعاني ، ولكنهم لا يملكون الوظيفة الاجتماعية للمثقفين، وهو قد أورد هذا الكلام من خلال تنظيره المتميز للمثقفين وتقسيمه إياهم إلى مثقفين عضويين ومثقفين تقليدين.
فأما المثقف التقليدي فهو ذلك الإنسان الذي يمتلك رصيد معرفي هام مدعوم في كثير من الأحيان بترسانة من الشهادات العلمية، ولكنه يعيش في أبراجه العاجية بعيدا عن هموم المجتمع وتطلعاته.وهم في الغالب كانوا مثقفين عضويين لطبقات زائلة أو فاقدة لهيمنتها أو في طريقها للزوال بسبب تطلعات الطبقات الأخرى التي تسعى للانعتاق من هيمنة الأقليات المتفردة بالسلطة والثروة. وبالتالي فهذه الفئة من المثقفين فاقدة لمشروعيتها الاجتماعية لأنها تنصلت من دورها في قيادة وتنوير المجتمع الذي تنتمي إليه.
أما المثقف العضوي فهو روح الطبقات المهيمن عليها والراغبة في الانعتاق والتحرر والحاملة لمشروع دولة ومجتمع يهدف لتحقيق العدالة والحرية والمساواة وكل القيم النبيلة للإنسانية.
ودور المثقف العضوي هو بلورة تلك التطلعات في مشروع فكري يكتسب مشروعيته من تمثيله لفئة أو طبقة معينة، وبالتالي فهو يمثل دور العقل والقائد لهذه الفئات ولسان حالها.
أنطونيو غرامشي قدم تحليلاته، التي ليس هنا مجال التوسع في عرضها، من منظور ماركسي يحتفل كثير بمفهوم الطبقات الاجتماعية المتصارعة، فالمثقف العضوي بالنسبة له يحمل ذلك المشروع التبشيري أو الرسولي، على عكس المثقف التقليدي الذي تجاوزته الأحداث وهمشته في أبراجه العاجية.
ولكن ما هي الضرورة المنهجية للحديث عن المثقف بالمنظور الغرامشي في سياق الحديث عن المثقف العربي، مع العلم أن كل نظرية سياسية أو اجتماعية تفقد الكثير من قابليتها للتطبيق ومن تماسكها عند نقلها من بيئتها الأصلية التي أنتجت لأجلها وفي ظل سياقاتها، على بيئة أخرى لها شروط سوسيوثقافية مغايرة.
الوظيفة الاجتماعية للمثقف هي المبدأ الجوهري الذي يحكم كل المثقفين باختلاف الزمان والمكان الذي وجدوا وسيوجدون فيه.وهذا ما يعطي مبررا لتوظيف المفهوم الغرامشي للمثقف في محاولة اقتراب من دور المثقف العربي.

فهل المثقف العربي مالك لتلك الوظيفة الاجتماعية التي جعلها غرامشي مرادفة لمعنى المثقف؟
بداية النهاية للمثقف العربي:
يؤكد على حرب من خلال نقده للنخبة وأوهامها على نهاية المثقف وهي مقولة عزيزة على فكر ما بعد الحداثة الذي تتبلور ملامحه بالغرب ويلقى بعض الصدى في العالم العربي وان كان لا يزال في مرحلته الجنينية لم يتبلور بعد في مشروع فكري كتلك المشاريع النهضوية التي صاغها المثقفون العرب بداية من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ووصولا إلى الجابري وحسن حنفي ومحمد اركون وغيرهم، فالمثقف العربي يعيش حاليا أزمة وجود يأتم معنى الكلمة لقد، تجاوزته الأحداث وهمشت دوره الطليعي بعد فشل كل تلك المشاريع التي بشر بها، وبعد أن انهارت منظومة المفاهيم التي عول عليها كثيرا في أحداث تغيير جذري بمجتمعه، سواء من خلال عمله الفكري المحض أو من خلال انخراطه في المجال السياسي ومحاولة توظيف السياسة كمطية للتغير المنشود نظرا لاقتناع هذا المثقف بما للسياسة من قدرة فعلية على التغير على عكس الأفكار المجردة التي قد تؤثر في بعض الأفراد ولكنها نادرا ما تتحول إلى " موضة " اجتماعية قادرة على إحداث التغيير.
إذا تحالف المثقف العربي مع رجل السياسة في بعض الحالات وكان في صفوف المعارضة أحيانا أخرى، وفي كلتا الحالتين تلبسته السياسة وأفقدته وعيه الحاد والحذر اتجاه الأشياء والعالم، لقد صار المثقف العربي وهو يتخبط بحثا عن دور منشود في مجتمعه بوقا يسعى لتبرير اختيارات رجل السياسة بسبب انخراطه في ذلك المجال. أو بوقا يعارض بكثير من الهستيريا كل ما يصدر عن رجل السياسة ويسفه مجهداته محاولا إبراز بطلانها، وهو في كلتا الحالتين يفقد روحه المتميزة بالنظر للأشياء بكثير من التعقل، ويفتقد لذلك المبدأ الذي يرهن وجوده كمثقف. فالسياسي يزعم تمثيله لكل الناس أو انتصاره لهذه الفئة أو تلك في حين المثقف يفترض فيه الابتعاد عن تلك الجموع التي يستهويها الصراخ لأجل تمجيد فلان أو تكفير علان كما يفعل اؤلئك الدعاة الذين يحتلون الفضائيات العربية. المثقف هو الحامل للمبادئ التي لا تتوقف كثيرا أمام التفاصيل والجزئيات، بمقدار ما تنحاز للفرد/ الإنسان في مطلقيته، الإنسان الذي يريد ان يعيش حياته كما يراها ويريدها و يحيا الدين والأخلاق والقيم كقناعات فردية لا كإكراهات اجتماعية تفرضا هذه المؤسسة أو تلك
المثقف هو دائما ذلك المنحاز للإنسان، للشيء الجوهري والأساسي في الإنسان وهو كرامته وحريته وحقه في الاختلاف، هكذا كان سقراط وهو يتجرع السم دفاعا عن حقه في التفكير معطيا أروع الأمثلة لشباب أثينا كي يعملوا فكرهم ولا ينصاعوا للأفكار والأقوال الجاهزة. ومثله كان ابن رشد الذي كلفته حريته المنفى وإحراق كبته، أيضا فعل ذلك ايميل زولا في دفاعه عن درايفوس ( الضابط الفرنسي المتهم بالعمالة لألمانيا) في الوقت الذي كانت السلطة وجموع المواطنين المخدوعين بالدعاية السياسية تطالب برأس الضابط الخائن، وفعلها الحلاج ذلك المتصوف النابغة الذي صلب دفاعا عن قناعاته وقد خيرته السلطة( الخليفة المتوكل) بين حياته وقناعاته فاختار الأخيرة لأنها من ستحفظ له كرامته وهي – أي تلك القناعات- من جعلت منه شهيدا ورمزا نذكره الآن بعد مئات السنين من استشهاده.
هذا هو المثقف في الجوهر، هو ليس ملاكا ولا شيطانا أنه إنسان مثل الجميع ميزته هي قدرته على التفكير وصياغة الملاحظات الحياتية في قالب مجرد قادر على تمّثل الحياة بعيدا عن إكراهات السياسة والأيديولوجيا؛ المثقفون لا يقفون ضد السياسة ولا ضد الايديولوجيا، ولكنهم شهداء على المبدأ الأيديولوجي والممارسة السياسية.
والمثقف العربي بانخراطه في الممارسة السياسية سواء في صفوف النظام/ السلطة أو ضمن أحزاب سياسية معارضة أو موالية، فقد مبرر وجوده أو بتعبير انطونيو غرامشي فقد دوره الاجتماعي بالرغم من أن غرامشي دعا لضرورة وجود حزب طليعي يقود التغير الاجتماعي والسياسي المرتقب. إلا أن الوضعية التي يعشها المجتمع العربي ومن خلال التجربة التاريخية التي بينت بان السلطة تكون قادرة من خلال آلياتها المتعددة على تدجين المثقف وإفراغه من محتواه في حالة انضوائه تحت لوائها؛ هذه الوضعية تفرض على المثقف العربي في حالة رغبته في إخلاصه للمبدأ الذي يدافع عنه وفي انحيازه لجوهر الإنسان أن ينأى عن الانخراط في السياسة ويظل شاهدا على الممارسة السياسية قادرا من خلال ما يملكه من قدرة على التحليل والنقد على التنبيه لانحراف هذه الممارسة وعلى الدعوة لعقلنتها وجرها نحو إعطاء المزيد من الحرية والحق في الاختلاف لجموع المواطنين الذين يزعم رجل السياسة انه يمثلهم.


محمد

بالإمكان تنزيل تقارير التنمية العربية لسنوات 2002-2003-2004 من الموقع التالي :
http://www.rbas.undp.org/ahdr.cfm


Dr. Saad Al-Harran

Could you please give me the website address of this interesting report so I can benefit from it.
Thank you & regards