'أسطورة' ضربة إسرائيلية لإيران؟!

2005-4-9 | المحرر 'أسطورة' ضربة إسرائيلية لإيران؟!

هناك كلام كثير هذه الأيام عن ضربة عسكرية إسرائيلية وشيكة ضد تجهيزات إيران النووية، وقد أشار مقال نشر مؤخرا في صحيفة "لندن تايمز" إلى أن البرلمان الإسرائيلي أعطى الإيماءة الأولية للهجوم المخطط، من خلال المطالبة بالاعتناء بما يعرف في أوساط السياسيين الإسرائيليين "تهديد وجودي أكبر" للدولة اليهودية.

وإن فحصا حذرا للوسائل والإمكانات العملية واللوجستيكية المختلفة بالإضافة إلى الأبعاد والنتائج الإقليمية والجغرافية السياسية لهذا السيناريو، يقودنا إلى خاتمة معاكسة، بمعنى الطبيعة الفاشلة وغير العملية لما يسمى بخيار "Osirak”، وقد أُطلق هذا الوصف في أعقاب قصف إسرائيل الناجح الجوي لمفاعل العراق النووي في 1981.

وحتى لا ننسى، فإنه ورغم أن التفاصيل الكاملة لعمليات Osirakلم تكشف لحدّ الآن، فإن المؤكد أن الطائرات المقاتلة الإسرائيلية عبرت على الأقل مجالا جويا واحدا لدول الجوار للوصول إلى العراق لتنفيذ ضربتهم. ف

ولمهاجمة مواقع إيران النووية المتعددة، والمبثوثة في كافة أنحاء البلاد، خصوصا في وسط إيران، يتطلب هذا رحلة طويلة عبر الحدود، وخيار إسرائيل الأفضل سيكون ضربة متشعبة آنية تستعمل طرقا مختلفة، فمثلا قد تتخذ مسلكا عبر الأردن والعراق بالإضافة إلى طريق البحر الأبيض المتوسط من خلال تركيا أو آذربيجان، وبدون الحاجة لذكر "الكابوس" اللوجستيكي للمسافة الطويلة، فإن هذا يستلزم إما تزويدا بالوقود الجوي أو إنزالا في المنتصف.

وفي الوقت الحاضر، فإنه لا خيار متوفر لدى إسرائيل، وليس هناك أي فرصة فورية لتوفرها في المستقبل القريب، حيث إن علاقات إيران الودية مع جيرانها ومخاوفهم من رد فعل إيراني حاد في حال سماحهم باستعمال مجالهم الجوي لشن هجوم إسرائيلي على إيران، تمنع من حصول هذا السيناريو.

تركيا، هي "الشريك الإستراتيجي" لإسرائيل في المنطقة، ولديه علاقات اقتصادية ودبلوماسية ممتازة مع إيران، بينما يستفيد الاثنان كثيرا من تجارة الطاقة الضخمة، وكذا تعاون إقليمي من خلال منظمة التعاون الاقتصادية، وسياسة عامة متقاربة نحو العراق و"القضية الكردية". لذلك، وبصرف النظر عن توجهاتهم السياسية المتباعدة، فإن إيران وتركيا "تنعمان" في الوقت الحاضر بعلاقات ودية مستقرة من غير المحتمل أن تُنسف بهجوم إسرائيلي داخل إيران عبر الأرضي التركية.

بالتأكيد، تبقى تركيا قلقة بشأن طبيعة برامج إيران النووية، ورغم ذلك فإن زعماءه لا يشتركون في جرس إنذار إسرائيل المذعور حول "إيران النووية" في غياب أي معلومات استخبارية موثوقة تثبت هذا الخوف، وقد صرح مؤخرا، الجنرال الإسرائيلي أهارون زايفي، أن: "إيران في الحقيقة ليست قادرة على إغناء اليورانيومِ لبناء قنبلة نووية. . .".

ولكن الاحتمال الراجح بعدم حصول ضربة إسرائيلية ضد إيران عبر تركيا "هرب" من انتباه أجهزة الإعلام الغربية وجيش مثقّفي الأمن والشئون العسكرية الذين يكتبون عن خيار"Osirak”. مثال ذلك، في كتابه الأخير، اللغز الفارسي، أحجم كينيث بولوك عن تقدير موقف تركيا في حال طلب إسرائيل عندما ناقش "خيارOsirik "، وبنفس الطريقة، تعامل المحقق الصحفي سيمور هيرش، في مقالته في مجلة "النيويوركر" حول موضوع مماثل، واعتبر أنه من الطبيعي، بسبب صلات تركيا الوثيقة بكل من إسرائيل والولايات المتّحدة، أن تتحول تركيا إلى منصة إطلاق للهجمات العسكرية ضد تجهيزات إيران النووية!.

وما يؤكد ضعف احتمال هذا السيناريو "تواطؤ تركيا في هجوم إسرائيل ضد المواقع النووية الإيرانية"، النكسة الأخيرة في العلاقات التركية الإسرائيلية بسبب التسريبات الإعلامية التي أشارت إلى أن إسرائيل تدرب مجموعات كردية بشكل نشيط في المنطقة، وقد رفضت تل أبيب التهمة بشكل قاطع عندما واجهتها أنقرة بقسوة منذ عهد قريب. ثم إن علاقات تركيا بالإتحاد الأوربي يمكن أن تتضرر أيضاً، وفرصته للإدراج في عضوية الاتحاد الأوروبي قد تتبخر في حال وضعت تركيا نفسها في خدمة الولايات المتّحدة وإسرائيل في أي عمل عسكري غير مدعوم من قبل أوروبا.

وعليه، فإن "سيناريو" الاستعمال الإسرائيلي لمجال تركيا الجوي ضد إيران، من غير المحتمل أن يتحقق في بيئة ما بعد احتلال العراق

نفس الحجة تنطبق، مع بعض الفوارق، على جيران إيران الآخرين، آذربيجان، التي زار زعيمها الجديد إيران مؤخرا وطمأن طهران بأنه مهما كانت الظروف لن يسمح بهجوم أجنبي ضد إيران عبر آذربيجان. في الحقيقة، ومقارنة مع تركيا، فإن لدى آذربيجان مخاوف أكبر من رد فعل إيراني قاسي حالة هجوم إسرائيلي عبر دول بحر قزوين، كما أنها تتطلع إلى دعم إيران في دعواها لاستعادة الأرض التي فقدتها في حربها مع أرمينيا أثناء التسعينيات.

كما هو الحال مع آذربيجان، تبدو حاليا كل الأبواب الآسيوية القوقازية الأخرى موصدة أمام هجوم إسرائيلي على إيران، مدعومة من الجيش الروسي في المنطقة ومعارضة موسكو المتأصلة لأي خطة إسرائيلية أمريكية لإضعاف حليف "موثوق"، إيران. أما بالنسبة إلى باكستان، مثل تركيا وآذربيجان، له مصلحة شخصية أكثر من اللازم مع إيران، حيث تغطي —إيران- أفغانستان وكذا ميزان القوى الهندي الباكستاني، من بين أمور أخرى، تحول دون السماح لنفسها بأداء دور مساند لضربة إسرائيلية موجهة لإيران. وإن تسربت معلومات بسماح باكستان لقوات أمريكية خاصة بالتدرب في بيشاور استعدادا لأي تدخل ضد إيران، إلا أن هذا التدريبات ليست موجهة ضد إيران بالضرورة، فالاعتبارات الإستراتيجية تتغلب على حالة الشك المتبادل بين طهران وإسلام آباد.

يبقى أمام "خيار Osirik" مسارا واحدا، بأن تعبر الضربة الإسرائيلية المجال الجوي الأردني وبعد ذلك العراق قبل وصولها إلى إيران، ولكنه من غير المحتمل حدوثه في ظل حكومة عراقية ذات الغالبية الشيعية المهينة.

وعلى الرغم من خطابات معادية لإسرائيل في إيران اليوم، فإن الزعماء الإيرانيين وصناع السياسة عموما يعتبرون إسرائيل "خارج المنطقة"، بمعنى أنه لا تشكل مصدر قلق أمني قومي لإيران. وفي الحقيقة، فإنه لا أحد في إيران يأخذ بجدية الدعاية الإسرائيلية حول تهديدات إيران لإسرائيل.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر