انفجار الأزهر في مصر: انتقامي من 'الخارج' أم سياسي إلى 'الداخل'؟

2005-4-8 | محمود سلطان انفجار الأزهر في مصر: انتقامي من 'الخارج' أم سياسي إلى 'الداخل'؟

ثلاثة قتلى وثمانية عشرة قتيلا، هي حصيلة الانفجار "الغامض"، الذي استهدف سياحا، في حي الحسين القريب من الجامع الأزهر وسط العاصمة المصرية القاهرة، ليل الخميس 7/4/25 .

لم يعرف أحد على وجه الدقة، طبيعة الانفجار وما إذا كان عفويا ناجما عن "اسطوانة غاز"، كما أفاد شهود عيان أم قنبلة يدوية ألقاها مجهول أم دراجة بخارية مفخخة، كما ألمحت التقديرات الأولية الرسمية للحادث. فضلا عن غياب أية معلومات تتعلق بالجهة المسئولة عن العملية، وكلها حتى الآن لا تتجاوز التكهنات ومحاولة لفهم أو تفسير ما حدث.

المشهد في مجمله "لا معنى له" إذا شئنا قراءته وفقا للسياق الإقليمي والدولي الراهن، فهو يختلف عن هجوم طابا في أكتوبر 24، الذي أوقع 34 قتيلا أغلبهم من السياح الإسرائيليين، إذ كان "المعنى" واضحا وهو أنه جاء كرد فعل طبيعي للعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين. غير أن حادث الأزهر فضلا عن غموض عناصره الأساسية، فإنه من الصعوبة تفسيره باعتباره عملا يستند إلى قدر ما من "الشرعية النضالية".

حاولت بعض القراءات رده إلى العدوان الأمريكي على العراق، على أساس أن أحد القتلى سائح أمريكي!! والحال أنه من المحتمل أن يكون مصري أو مجموعة منعزلة صغيرة، ارتكبت الحادث كرد فعل على الوجود الأمريكي بالعراق، فكل الاحتمالات في هذا الإطار واردة، إلا أنها احتمالات تحتاج إلى قرائن متواترة، إذ إن منطقة الأزهر يؤمها يوميا مئات السياح الأجانب من كافة بلدان العالم، ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل، فرزهم أو تصنيفهم إلا بالإطلاع على وثائق تثبت هويتهم.

اللافت والمثير هنا أن انفجار الأزهر، جاء في سياق داخلي، بات أكثر إلحاحا على الرأي العام والنخبة في مصر، عن أي سياق خارجي آخر. إذ تشهد مصر احتقانا سياسيا وجدلا واسعا يتسم في معظمه بالتوتر والحدة بشأن الإصلاح السياسي، وخروج المظاهرات المطالبة بالإصلاح إلى الشارع بشكل يكاد يكون يوميا، تجاوز بعضها مثل حركة "كفاية"، سقف الإصلاح المتداول بين النخب السياسية الرسمية أو المعارضة، وباتت مطالبها ماسة مباشرة لفكرة التجديد للرئيس مبارك لفترة رئاسية جديدة، سواء أكانت بالاستفتاء "القديم" أو بالانتخاب "المقترح"، ناهيك عن مطالب أخرى تتعلق بالحد من الصلاحيات التي تعتبرها غير دستورية لعائلة الرئيس، وتحديها بالتصدي لأية محاولة لتوريث الحكم بانتقال السلطة من مبارك الأب إلى مبارك الابن.

عشية انفجار الأزهر نشرت تقارير صحفية، كشفت عن وجود "وساطة" بين من أسمتهم بـ"مقربين من النظام" وعلى رأسهم مكرم محمد أحمد رئيس مجلس إدارة دار الهلال ورئيس تحرير مجلة المصور، وبين مندوبين عن حركة "كفاية"، وطالب الأول الأخيرة "بالكف عن المطالبة بعدم تولي الرئيس مبارك لفترة رئاسية خامسة، وأيضا الكف عن إثارة قضية توريث الحكم" مشددا على "أن نظام الحكم لا يرى أي بديل للرئيس مبارك في الوقت الراهن"، لافتا إلى أن " الأوضاع السياسية في مصر لا تحتمل هذا النوع من المعارضة في ظل تلك الظروف التي تزداد فيها الضغوط على النظام، سيما وأن الحركة "أثارت قلقا في كل بيت مصري على الرغم من قلة عدد أعضائها".

وما عزز من صدقية هذه التقارير الصحفية أن مكرم محمد أحمد كتب في افتتاحية "المصور" الأسبوع الماضي، وفي وقت متزامن كلاما مشابها لهذه المطالب ولتك المبررات.

ويأتي الانفجار عشية الكشف عن وجود "اتصالات سرية" بين رموز من النظام وبين عناصر من حركة "كفاية"، أعربت فيها الأولى عن تضامنها وتأييدها للمطالب الداعية إلى عدم التجديد للرئيس مبارك، وهو ما يفيد بعدم وجود اتفاق بين أجنحة السلطة بشأن التجديد للرئيس مبارك، وأن ثمة صراعا خفيا بين "المستفيدين" من حكم الحالي وبين "المغبونين" والأقل استفادة منه، وهو الصراع الذي يتجه فيما يبدو، إلى إشراك قوى الإصلاح من المعارضة فيه، إما بإضعافها والإساءة إليها وإما بدعمها وتقويتها، كل حسب موقفه من قضية التجديد الرئاسي.

يأتي الانفجار بعد أن حرقت واشنطن "ورقة" الأنظمة العربية و"الفزّاعة" التي ما انفك القادة العرب إشهارها في وجه القوى الغربية الكبرى، وهي تخويف الغرب من أن أية إصلاحات ديمقراطية في العالم العربي، قد تأتي بـ"المتشددين الأصوليين" إلى الحكم، وهم بحسب رأي تلك الأنظمة، يعادون "الغرب المسيحي" بقدر عدائهم لأنظمتهم السياسية العلمانية. وذلك عندما أعلنت الإدارة الأمريكية على لسان وزيرة الخارجية كونداليزا رايس، في أواخر مارس عام 25، أنها "لا تعير اهتماما لمخاوف من انتصار الإسلاميين المتشددين في انتخابات ديمقراطية بالعالم الإسلامي، وحلولهم مكان الأنظمة القمعية"، مشيرة إلى أن "جذور التطرف هي في غياب القنوات البديلة للنشاط السياسي"، وهي الرسالة التي تلقتها حركة الإخوان المسلمين في مصر، وحركت في اليوم التالي لها نحو عشرة آلاف من أتباعها في تظاهرة هي الأكبر والأجرأ للجماعة منذ ما يزيد عن نصف قرن، في ثلاث ميادين كبرى في القاهرة (التحرير، رمسيس والسيدة زينب).

يأتي الانفجار بعيد توصية من الخارجية الأمريكية للبيت الأبيض، بضرورة التحاور مع الإسلاميين في العالم العربي، وأن الأنظمة العربية بالغت في تخويف الغرب من الإسلاميين، حال إجراء انتخابات حرة، وذلك دفاعا عن مصالح وامتيازات النخب السياسية الحاكمة، التي تخشى فقدان مكانتها السياسية والاجتماعية ومكاسبها الاقتصادية، حال إقصائها عبر صناديق الانتخابات، والتي ستأتي حتما بالإسلاميين إذ ما توافرت فيها كل شرط الشفافية.

إن وقوع حادث الأزهر، في هذا السياق المصري الداخلي الملتبس، يثير شكوكا حقيقة حول احتمال ضلوع جهات أخرى لها مصلحة في إفساد هذا الجدل الجاري الآن حول الإصلاح، خاصة إعادة إحياء مخاوف الغرب من الإسلاميين. وإعادة ترتيب أولويات الأجندة الداخلية على أساس، ما كانت عليه ما بين عامي 1991 و1997، بإيلاء "الخيار الأمني" الأولوية على أية اعتبارات أخرى وعلى رأسها "الإصلاح السياسي" وإطلاق يد الأجهزة الأمنية لقمع المعارضة، لتكون المحصلة النهائية للسيناريو، إثبات صحة وجهة النظر التي ترى أن الأوضاع الداخلية غير المستقرة، وتفرض تأجيل التصعيد الذي تمارسه المعارضة يوميا في الشارع.

لا شك في أن كل الاحتمالات واردة في هذا الإطار، ولا يجوز لأحد أن يستبعد أيا من السيناريوهات بما فيها احتمال قيام مواطن أو مواطنين بهذا العمل منعزلين عن أية ارتباطات تنظيمية غير أنه ليس من مصلحة كل أطراف اللعبة في مصر -حكومة ومعارضة- استبعاد هذه المقاربة، خاصة وأن هذه التخمينات لها ما يبررها على الأرض، فلماذا لا تكون قد حيكت من وراء ظهر النظام من قبل قوى «طفيلية" تتطفل عليه وتستفيد من وجوده وتعتقد أن العملية، تفيد في تخفيف الضغوط التي تمارس عليه سواء من الداخل أم من الخارج. سيما أن تجربة العنف السياسي في مصر، أثبتت أن القيادة السياسية المصرية، تعتبر السياحة "خطا أحمر"، وتحيطه بسياج من الحماية الأمنية على مدار الساعة؟ ولا تتسامح مع أية قوى تستهدف الإضرار بقطاع السياحة، الذي يعد واحدا من أهم مصادر الدخل القومي في مصر.

ونعيد ونؤكد في هذا السياق أن المستفيدين من هذه العملية، هم "أعداء الإصلاح"، وليس من مصلحة أحد أن تجري التحقيقات على نسقها التقليدي، بالتركيز فقط على الجماعات التي لها تراث عنفي مع النظام، فيما تتجاهل احتمالات استغلال "قوى أخرى" لهذا التراث العنفي، لتضليل العدالة، والضلوع في عمليات، تبتغي منها تعطيل قاطرة الإصلاح، و الذي بات حلما يراود الجميع في مصر، إلا "قلة" من المستفيدين، من حالة أن تظل مصر تراوح مكانها، بعيدة عن مكانها الطبيعي، في طليعة الدول الحضارية الكبرى في العالم.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر