الحكومة الأردنية الجديدة.. قراءة في دلالات الواقع والمتوقع

2005-4-7 | محمد سليمان الحكومة الأردنية الجديدة.. قراءة في دلالات الواقع والمتوقع

ترافق الإعلان عن تغيير الحكومة الأردنية وتكليف عدنان بدران بتشكيل الحكومة الجديدة بتزايد الجدل الداخلي الأردني في تقييم المعالم الرئيسة المتوقعة للحكومة القادمة؛ فتيار الأقلية من السياسيين والمثقفين يرون في الحكومة الجديدة أنها حكومة ليبرالية ستضم عددا من التكنوقراط، ويتوقعون في هذا السياق أن تحدث الحكومة الجديدة نقلة نوعية في منهجية التعامل مع القضايا السياسية والاقتصادية وتبتعد عن صبغة الحكومات السابقة بشخصنة الخلاقات والخلط بين المصالح الشخصية والعمل الحكومي والارتجال في وضع الخطط وتنفيذ السياسات. أما التيار الآخر وهو تيار الأكثرية فلا يتوقع من هذه الحكومة تغييرا حقيقيا ويرى أنها حلقة في سلسلة مستمرة من الجمود السياسي و"الفشل التنموي" والنزق الداخلي في التعامل مع مسائل الحريات العامة وحقوق الإنسان والتعددية السياسية والضمير الوطني الرافض للتحالف مع الولايات المتحدة والتهافت على التطبيع مع الكيان الصهيوني.

بيد أنّ هناك تيارا ثالثا يخرج في رؤيته عن التيارين السابقين، إذ يرى أن حكومة بدران القادمة تمثل قنطرة للعبور إلى مرحلة سياسية جديدة خطيرة مؤثرة على مستقبل الأردن، وحجج هذا التيار ترتبط بالعديد من الأبعاد: الأول هو السياق الموضوعي الدولي والإقليمي الذي تأتي فيه الحكومة الجديدة والثاني هو الأسماء الموجودة في التشكيل الحكومي الجديد. لكن بعيدا عن هذه الاتجاهات فإن هناك شروطا واقعية تفرض نفسها على أجندة الحكومة القادمة بل وتحدد "السياسة المتوقعة" لها، وأبرز هذه الشروط هي الضغوط الأميركية الأخيرة على الأردن.

فحكومة بدران تأتي في سياق معالم تحول في السياسة الخارجية الأميركية تجاه الأردن، ومن المعروف تاريخيا أن الأردن مثّل حليفا معلنا وغير معلن للولايات المتحدة، وأن علاقة الحكم بالولايات المتحدة كانت دوما متينة، ولم تفتر سوى في بداية التسعينات نتيجة للموقف الأردني من الحرب على العراق، لكنها عادت وتحسنت بشكل كبير مع ولوج الأردن في مفاوضات السلام وتوقيعه معاهدة وادي عربة، و شهدت العلاقة تحسنا أكبر وأعمق مع اندماج الأردن بشكل فاعل ومحوري فيما يسمى بالحرب على الإرهاب، فتحول دور الأردن لدى العديد من الكتاب والخبراء الأميركان بفعل هذا التعاون الكبير مع الولايات المتحدة من مفهوم "الدولة العازلة" إلى "الدولة المحورية" Pivotal state. وانعكس هذا التطور على حالة التعاون بين الدولتين إلى الدرجة التي حاولت الحكومات الأردنية فيها التماهي مع السياسة الأميركية في المنطقة.

إلا أن الفترة الأخيرة شهدت بروز تيار سياسي داخل الإدارة الأميركية ينتقد العلاقة مع الأردن، ويطالب بممارسة الضغوط على الحكم الأردني باتجاه فتح ملف الإصلاح السياسي الداخلي وتحسين شروط الحياة السياسية وحالة حقوق الإنسان، وظهر هذا الاتجاه بشكل واضح من خلال كتابات صحفية وتقارير رسمية وانتقادات من المسئولين الأميركان، إذ فتحت " كونداليزا رايس" في تصريح رسمي لها النار على النظام الأردني متهمة الحكم بأنه لا يمارس ديمقراطية حقيقية، وأن الملك يمسك بمقاليد الأمور ويتحكم في مفاصل الحياة السياسية الداخلية وأن حرية التعبير والحقوق والحريات ما زالت شعارات خالية من أي مضامين، ووجدت تصريحات رايس موطئا كبيرا لها في تقرير وزارة الخارجية الأميركية الأخير حول حالة حقوق الإنسان في الأردن، كما شملت الحملة الإعلامية والسياسية الأميركية العديد من المقالات لخبراء أميركان وأردنيين محسوبين على السفارة الأميركية كلها جاءت في سياق تسجيل نقد لاذع للنظام الأردني والمطالبة بإصلاحات بنيوية أبرزها المضي قدما لتحول الأردن إلى ملكية دستورية وانتخاب رئيس الوزراء من خلال الشعب والتحديث السياسي واللبرلة..الخ، وأبرز هذه المقالات وأخطرها مقال للكاتب الأميركي "جيم هوغلاند" في الواشنطن بوست قارن فيه بين الملك عبد الله وبين الرئيس عرفات واتهم الملك الأردني باللعب على الحبال مع الإدارة الأميركية وبازدواجية السياسية الأردنية، فهو يحاول أن يرضي الولايات المتحدة في جانب ويخادعها في جانب آخر.

بعيدا عن مناقشة النقد الأميركي للحالة السياسية الأردنية، فإن الحملة الأميركية المفاجئة تحمل دلالات واحتمالات يمكن أن تقرأ من خلالها طبيعة المرحلة القادمة ودور الحكومة الجديدة؛ الاحتمال الأول أن هناك تيارات داخل الولايات المتحدة تختلف في تقييم السياسة الأردنية تجاه الشرق الأوسط بما في ذلك الأردن، وأن الحملة الأخيرة هي تعبير عن التيار السياسي المعادي للأردن داخل الإدارة الأميركية، لكن يبدو واضحا من تبني رايس والخارجية والعديد من الكتاب لهذه الحملة أن هناك تحولا في اتجاه السياسة الرسمية وليس فقط تعبير عن أحد التيارات في الخارجية الأميركية. أما الاحتمال الثاني فهو أنّ الأردن الذي حاول تجنب الضغوط الأميركية حول ملف الإصلاح وحقوق الإنسان في الفترة السابقة بذريعة الانخراط في الحرب على الإرهاب، لم يستطع الإفلات هذه المرة من التعقب الأميركي تحت وطأة نشاط جماعة الزرقاوي في العراق، ويبدو أن السياسة الأردنية قد أصابتها ذات اللعنة الأميركية ضد السعودية! باتهامها بتصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج، من خلال نشاط الزرقاوي والتيار الجهادي في العراق، من هنا يمكن فهم الحملة على الأردن في سياق مشابه للحملة على السعودية ومصر. هذا الاحتمال وإن بدا منطقيا إلا أنه لا ينفي الاحتمال الثالث وهو الأخطر أن الحكومة الجديدة تأتي في سياق التحضير للحل النهائي على صعيد القضية الفلسطينية وتسوية قضية اللاجئين ومسألة حق العودة. وهذا يعني أن الملكية الدستورية المطالب بها أميركيا والإصلاحات الاقتصادية كلها تصب باتجاه تغيير المعادلة الداخلية الأردنية وتحقيق مطالب النخب الفلسطينية المرتبطة بالولايات المتحدة من يرفعون شعار "ألحقوق المنقوصة" ويطالبون بإعادة إنتاج دور البيروقراطية والمؤسسة الأمنية والشرطة وكسر حالة حرمان الفلسطينيين من هذه المناصب، وصولا إلى التوطين الكامل والربط مع مخرجات الحل النهائي والمفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية. ومن المتوقع في حال جرت الانتخابات أن يكون رئيس الوزراء المنتخب "من أصل فلسطيني" الأمر الذي يحقق جزءا مهما من مطالب الفلسطينيين في الأردن.

في موازاة الضغوط الأميركية هناك الأزمات الإقليمية المحيطة والتوتر بين الأردن وسوريا وشيعة العراق، وصعود حركات المعارضة العربية مع موجة الضغوط الجديدة على النظم. فإذا وضعنا هذه المتغيرات في جهة وتشكيل الحكومة الجديدة في جهة أخرى، يبرز احتمال كبير بالربط بين بدران وتكوينه العلمي وحياته لفترة طويلة في الولايات المتحدة والقدرة على إعادة ترميم العلاقات معها ومع دول الجوار. لكن ترميم العلاقات لا يمكن أن يمر دون تنفيذ المطالب الأميركية والاستجابة للضغوط بهذا الاتجاه، الأمر الذي يعني أننا أمام استحقاقات داخلية أردنية بالدرجة الأولى؛ ولعل هذا ما يفسر تأكيد كتاب التكليف للحكومة على قضية الإصلاح السياسي..


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

احسان محمود الفقيه

الاردن مولود جديد قابل للاصلاح ولكن الى اي مدى سيتم ذلك وبضغط من اي جهة لا نستطيع التكهن، اما بدران والذي يتسم بليبراليته الخاصة فانه قابل كذلك للتشكيل على يد النظام الاردني القابل هو ايضا للتحول والتبدل حسب مقتضيات الحال، والاهم من كل ذلك ان السنوات القادمة تحضر للاردن نهضة اقتصادية واصلاحية شاملة حيث انها ارض خصبة لأية أطروحات جديدة.