سوريا الحلقة الأضعف في محور الشر الجديد

2005-4-1 | أميمة عبداللطيف سوريا الحلقة الأضعف في محور الشر الجديد

ثمة محاولات حثيثة بات بالإمكان تلمسها في دوائر صنع القرار التي تعج بالمحافظين الجدد، تسعي بشكل جدي إلي إعادة تعريف لـ "محور الشر" ، وهو المصطلح الذي أطلقه الرئيس الأمريكي لتوصيف كل من إيران وكوريا الشمالية والعراق. التعريف الجديد لمحور الشر أخرج العراق الذي بات يدور في الفلك الأمريكي- من هذا المحور، بينما يتم ترويض كوريا الشمالية . المحور الجديد الذي تسعي كتابات إعلامية ، مسرفة في صهيونيتها كارهة لكل شئ عربي، إلى حصره في كل من سوريا وإيران. ويحاول أحد كتاب هذه التيار ريتشارد كروثهايمر في مقالة في الواشنطن بوست اليوم أن يبرر ضرورة إعادة تعريف محور الشر ليشمل سوريا، إذ يسوق ما يعتبره دلائل على محاولات الرئيس بشار الأسد وإيران لإجهاض ما أسماه بالربيع العربي، حيث بحسبه- بدأت تظهر تباشير انتشار الديمقراطية في العراق وأفغانستان ولبنان ومصر، وكل ذلك لم يكن بفضل مبادرات دبلوماسية وإنما بسبب الوجود العسكري القوى الأمريكي بالمنطقة.

وثمة أمر يجب التنبه له، حيث يتم التحضير -من خلال تلك الإتهامات- ربما لسيناريو مشابه للسيناريو العراقي ضد سوريا بشكل يجعل التدخل الأمريكي بأي صورة أمرا حتميا. ويتم تقديم، من خلال التقارير الصحافية المتواترة من هنا وهناك، كل من سوريا وإيران باعتبارهما الدولتين اللتين تسعيان لهز استقرار المنطقة، بل ولإجهاض عمليات التحول الديمقراطي التي تشرف عليها الولايات المتحدة. فالعدو الأخطر الذي يطل برأسه- علي حد تعبير كروثهايمر- ليخمد هذه الفورة الديمقراطية التي تشهدها المنطقة هو "محور جديد للشر يشمل كل من إيران وسوريا والجماعات الإرهابية المحلية مثل حزب الله وحماس والجهاد". ويعتبر أن هذا المحور يسعي جاهدا ليهدد استقرار لبنان والسلطة الفلسطينينة وإسرائيل، ويهدف ضمن ما يهدف إلى "تدمير الاستقلال اللبناني والمصالحة الإسرائيلية الفلسطينية".

ويصبح مفهموما إذن في ظل تلك الكتابات، معنى ومغزى الاتهامات المتوالية ضد سوريا، تارة بأنها تخطط لهز استقرار إسرائيل من خلال الإشارة إلى حادثة القبض على "أحد إرهابي حماس الذي اعترف بأنه تدرب في سوريا"، وأن هذا هو أول تقرير مباشر للتورط السوري في المشهد الفلسطيني. وتارة أخرى بتصوير سوريا وكأنها أشبه بالقوة العظمى التي تعيث في المنطقة فسادا، فهي من ناحية تقوم بتدريب الإرهابيين في العراق ولديها معسكرات تدريبية للفلسطينين، وهي تؤجج الأوضاع في لبنان وتعمل علي بناء حلف مع إيران لتواجه به الضغوط العالمية بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وتعمل علي إسقاط المشروع الأمريكي للإصلاح في المنطقة. أما آخر الاتهامات فتلك التي وردت بالأمس في إحدي الصحف الأمريكية، والتي اتهمت سوريا بالعمل على استبدال الوجود المخابراتي العلني في لبنان بوجود سري، حيث تقوم بإنشاء شبكة مخابراتية سرية لتستخدمها في التأثير على مجريات الأمور بعد الإنسحاب السوري من لبنان. ويبدو وكأن هناك شرقين أوسطين، أحدهما يوافق المشروع والرؤية الأمريكية ويتماهي معها تماما فيما تريد وهو ذلك الذي يؤسس لربيع العرب الديمقراطي، أما الآخر فشرق أوسط يقوض هذه الرؤية ويهددها. وتتناسي هذه الرؤية المفرطة في التبسيط والتي تختزل منطقة الشرق الأوسط أيضا ما بين قوى خيرة مع أمريكا- وقوى شريرة -ضدها- ، أن أغلب الجماعات المعارضة التي تتبنى المطالبة بالإصلاحات السياسية في المنطقة هي بالأساس وفي معظمها من أشد المعارضين للسياسة الأمريكية في المنطقة.

وتمضي التصنيفات في بعض من هذه الكتابات لتصور إيران بأنها "الشريك الأكبر" لهذا المحور، أما سوريا فهي طرف مهم وهي تتوسط لحصول حزب الله علي الأسلحة من طهران، حيث يتم شحنها من سوريا لتصل إلى لبنان. وتصل الإتهامات إلى حد القول بأن عناصر من الحرس الثوري تتمركز في وادي البقاع تحت الحماية السورية. وتعتبر دوائر المحافظين الجدد بأن كلا من سوريا وإيران يمثلان بحق محور شر جديد لأنه بعكس محور الشر الذي ورد في خطاب حالة الإتحاد 22 ، وهما مرتبطان ببعضهما البعض ويخططان معا، في حين أن محور الشر القديم كان يضم أطرافا ليست بالضرورة متصلة ببعضها البعض. المحور القديم كان يضم "نقاطا للشر" وليس محورا. ويرون بأن الهدف المباشر لمحور إيران-سوريا-حزب الله-حماس-الجهاد هو تهديد استقرار جيران سوريا والتي هي بحسبهم : لبنان- العراق-إسرائيل-السلطة الفلسطينية، وتخريب عملية السلام في الشرق الأوسط، وبينما هدفهم الأستراتيجي هو القضاء علي الربيع الديمقراطي. لذلك تطالب تلك الكتابات وتحض الإدارة الأمريكية على ضرورة العمل على وقف وعزل ما أسموه بـ "مراكز الأرهاب والتطرف"

ثم يأتي السؤال المهم: كيف يمكن العمل على هزيمة ذلك المحور؟

يحذر كروثهايمر من كون إيران دولة غنية بالبترول، وأنه لا يجب مواجهتها بشكل مباشر لكنه لا يضع إستراتيجية محددة. أما فيما يتعلق بجماعات "الإرهاب"، فهو يرى بأنها "موجودة في الظل"، أما حين يأتي على ذكر سوريا، فترى بعض الكتابات بأن وضع سوريا مختلف: "فسوريا دولة ولها عنوان"، والمعنى هنا أن هوية وأماكن القيادة السورية معروفة وكذلك المنشأت العسكرية التابعة لها ، وعلى العكس من إيران، لا تتمتع بأي ثروة نفطية وهي دولة فقيرة ونظامها ضعيف ومشهور بالفساد وعدم الكفاءة، وكذلك سيطرة أقلية عليه، حيث إن الأسد وعصابته من الطائفة العلوية.

يخلص كروثهايمر في تحليله إلى أن سوريا "هي الجائزة" ، فهي ضعيفة وهي المركز الجغرافي لمحور الشر الجديد، ومركز شحن الأسلحة والملاذ الأمن للإيرانيين وقوى الإرهاب الإقليمية. وبالتالي فإن معظم هذه الكتابات ترى بأنه إذا كسرت سوريا، فإن ذلك يعني كسر المحور، لأن إيران لن تتمكن من التواصل مع "جماعات الإرهاب المحلية" كما يقولون، وهؤلاء سيكونون أكثر ضعفا من ذي قبل بخسارتهم للراعي السوري والممول الإيراني. تكشف كتابات كروثهايمر وغيره من المحافظين الجدد عن الأسلوب الفاشي والعنصري الذي ينظرون من خلاله للمنطقة . ويختم كروثهايمر بمطالب تفوح منها عنصرية بغيضة، حيث يطالب باستمرار الضغط على سوريا لتخرج من لبنان، وأن هذا الخروج "يجب أن يكون مهينا للسوريين لأقصي درجة" ، وأن هذا الخروج يجب أن تعقبه على الفور ضغوطات سياسية واقتصادية وعسكرية على نظام الأسد حتى ينهار. غير أن هذه العنصرية ليست بالأمر الجديد، وإن ما يثير القلق هو أن تلك الآراء باتت تعكس نهما إمبرياليا لا يشبع ولا يمل من تلفيق التهم ورسم السيناريوهات المبنية على معلومات إستخباراتية ثبت فشلها في أحسن الأحوال وكذبها وتزييفها في أسوئه، كما الحال في العراق. هذا النهم لن يتوان عن المطالبة برأس دولة عربية تلو الأخرى، وهم في خيارتهم يلجأون للحلقة الأضعف، فبالأمس كانت العراق واليوم الحديث عن سوريا وغدا قد يكون تفتيت لبنان لدويلات طائفية ومذهبية أو سلاح حزب الله.

وليس بالضرورة أن هذا السيناريو الأمريكي للمنطقة سينجح بحذافيره، غير أن حالة الضعف والخذلان الحكومي العربي لا تبشر بخير، ذلك أن الحكومات العربية اختارت أن تنحني أمام العاصفة الأمريكية لتؤمن كراسيها بدلا من المواجهة. لا يبدو إذن أن درس العراق قد استوعب جيدا.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر