روسيا وسياسة المحاور في مواجهة الولايات المتحدة 2-2

2005-3-30 | علي حسين باكير روسيا وسياسة المحاور في مواجهة الولايات المتحدة 2-2

أمام هذا الواقع وإثر فشل جميع المحاولات الروسيّة السابقة لتحقيق محور أو تحالف قوي ودائم في وجه الولايات المتحدة لتحقيق كلمة روسيا السحرية "عالم متعدّد الأقطاب"، سعت موسكو هذه المرّة إلى إستراتيجية جديدة تقوم على جذب جميع الدول الناقمة على الولايات المتّحدة والتي لا تجمعها روابط اقتصاديّة قويّة بها ولا مصالح كبيرة(عكس ما كان قائما بالنسبة للدول التي تمّ اقتراحها سابقا لتشكيل المحاور)، وإقامة علاقات وثيقة معها ودعمها في كافّة المجالات على أمل الوصول إلى تحالف معها يحدّ من هيمنة الولايات المتّحدة المنفردة على العالم، حيث عملت موسكو على كسب ود البرازيل والهند وتركيا وإيران وسوريا وكوريا الشمالية وكوبا وفرنسا (إلى حدّ ما) وبعض الدول الأخرى (حسب معطيات المرحلة القائمة) مثل الصين وألمانيا وبعض الدول الإسلامية والأفريقيّة. ومن أبرز مساعي روسيا في هذا السياق:

أولا:أول خطوة روسية في هذا المجال باتّجاه البرازيل (أكبر دولة في أمريكا الجنوبية)، حيث قام الرئيس الروسي بوتين بزيارة تاريخية للبرازيل في شهر نوفمبر 24 على اعتبار أن البرازيل تشكّل رأسا قياديا للدول المهمّة المعارضة للنفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينيّة، ودعم بوتين حق البرازيل في الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن، وتمّ الاتفاق على زيادة التعاون الروسي البرازيلي على الصعيد النووي، واعتبرت روسيا في تصريح لبوتين أن من حق البرازيل تطوير قدراتها النووية السلميّة.

ثانيا:وتلت تلك الزيارة، زيارة أخرى لبوتين إلى الهند (أكبر دولة في جنوب آسيا) ضمن هذه السياسة الجديدة، حيث تمّ اعتماد نفس التوجّه السابق وهو دعم حق الهند في الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن، ويبدو أن روسيا كانت تسعى من خلال هذه الطريقة إلى مواجهة الانفراديّة الأمريكيّة بطريقة شرعية عبر لعبة مجلس الأمن، إذ لا شك أن دخول هكذا دول في مجلس الأمن كأعضاء دائمين سيشل حركة الولايات المتّحدة ودبلوماسيّتها أو يعقدها على أقل تقدير ويعيق هيمنتها الدولية، وطرحت روسيا على الهند زيادة التعاون العسكري خاصّة وأن دلهي تعتبر سوقا كبيرة للسلاح الروسي الذي تعتبره واشنطن مشكلة في وجه الهيمنة الأمريكية، حيث استأثرت روسيا وحدها بحوالي 36% من إجمالي مبيعات العالم من الأسلحة خلال عام 22، لتحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة ولتتقدم بذلك على غيرها من الدول الغربية بعد أن كانت تحتل المرتبة الرابعة عالميا بين مصدّري الأسلحة بعد الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

وقد حظيت الهند والصين بحوالي 85% من الصادرات الروسية من الأسلحة، ولعل هذا يفسر حرص القيادة الروسية على تطوير العلاقات مع هاتين الدولتين.

ثالثا:الخطوة الثالثة في هذا التوجّه كانت صوب تركيا،حيث قام الرئيس الروسي بوتين في 6/12/24 بزيارة أكثر من تاريخيّة إلى تركيا (التي طالما اعتبرت روسيا خطرا عليها وفق النظام الدولي السابق)، هي الأولى على الإطلاق لزعيم روسي منذ أن أقامت موسكو علاقات دبلوماسية رسمية مع الدولةالعثمانية في العام 1492. وقد بدا واضحا أن روسيا تريد أن تظهر لواشنطن أنّ بمقدورها اجتذاب حلفاء سابقين لها ومن ضمنهم الأتراك، الذين لطالما لعبوا دور الجدار الفاصل بين روسيا وحلف شمال الأطلسي على مدى نصف قرن. كما أن هذه الزيارة عمدت إلى تعزيز التعاون في كافة المجالات لا سيما السياسية والاقتصادية مع إمكانية تعاون من أجل بناء محطّات للطاقة النووية في تركيا. وتعتقد روسيا أن هكذا تعاونا مع أهم دولة في المنطقة الواصلة بين آسيا وأوروبا من شأنه إحياء تحالف روسي- إسلامي في مواجهة الغرب (أمريكا)، خاصّة أن مثل هذا التحالف كان قد دعا إليه منذ زمان جمال الدين الأفغاني، الذي كاد أن يقنع السلطان عبد الحميد به، إلا أنه لم يلبث أن دفع حياته ثمنا لذلك.

وقد أثار التحرك الروسي في إطار إقامة تحالفات على الصعيد الدولي والدعوة إلى عالم متعدّد الأقطاب، العديد من التساؤلات حول حقيقة هذا التوجه، وهل يمثل إحياء لدور الخارجية الروسية، وعودة للدور الروسي في الشؤون الدولية والإقليمية، وإلى أي مدى يمكن توظيف ذلك في كسر الأحادية القطبيّة أو الاستفادة منه لخدمة مصالحنا وقضايانا.وفي هذا السياق تعزز دور الفريق الذي يدعو إلى إضافة الخطر الروسي إلى الخطر الإسلامي "الإرهابي" داخل الإدارة الأمريكية، وقد استند إلى أن روسيا تشكّل خطرا على الهيمنة الأمريكية على العالم، خاصة وأنها مازالت تمتلك قوّة عسكرية تقليديّة ونووية تخوّلها تنفيذ سياساتها، ولذلك فإنه يجب تحجيم روسيا وعدم السماح لها بالعودة لاستعادة مجد الاتحاد السوفيتي، وذلك بانتزاع مناطق نفوذها الحاليّة وابتزازها قدر الإمكان. فكان أن ظهرت المشكلة الأوكرانيّة التي كانت بمثابة القشّة التي قسمت ظهر البعير، ففي هذا السياق قال ديفيد فيرم (الكاتب السابق لخطابات بوش وهو إيديولوجي مؤيّد لنزعة المحافظين الجدد ومدافع شرس عن التعزيز الوقائي للإمبراطورية الأمريكيّة): "تشكّل روسيا مع أوكرانيا الإمبراطورية الروسية التي لا يمكن أبدا أن تكون ديمقراطيّة". وقد أثارت الأزمة الأوكرانيّة وقيام المخابرات الأمريكيّة السي أي ايه بدعم المعارضة الأوكرانيّة وزعيمها فيكتور يوشنكو ضد النظام الموالي لموسكو برئاسة فيكتور يانكوفيتش وإسقاطه، موجة غضب عارمة في أوساط الكرملين والدوما الروسي و أيقظ حساسيّة الاتّحاد السوفيتي السابق ازاء أمريكا, و قد ساءت اثر ذلك العلاقات الروسيّة الأمريكيّة كثيرا وشن الطرفين موجة تصريحات عنيفة ضدّ بعضهم البعض.

وركزت الهجمات الأمريكيّة على النظام السياسي لموسكو ووصفته بالتسلطي والاستبدادي والمحتكر لجميع السلطات والصلاحيات والخانق للحرّيات، وندد كولن باول بما سمّاه هيمنة السلطة الروسيّة في اجتماع منظّمة الأمن والتعاون بأوروبا الذي انعقد في العاصمة البلغاريّة صوفيا. في حين اعتبر بوتين أن الغرب يتدخل لتحويل الانتخابات في أوكرانيا ونتائجها بما يخدممصالحها.وكان الرئيس الروسي قد اتهم العالم الغربي والولاياتالمتحدة "بممارسة الديكتاتورية في إدارة شؤون العالم مغلفة بتعبيرات جميلة عنديموقراطية مزعومة." كما هاجم الغرب الذي يعمل على تقسيم أوكرانيا ومعاقبةمعارضيه بالصواريخ والقنابل كما حدث في بلغراد،.واتّهم بوتين الغرب كذلكبالقيام "بمحاولات خطيرة لإعادة تصنيع حضارة متعددة الأوجه خلقها الله، وذلك منأجل تشكيل حضارة معاصرة وفقا لمبادئ عالم أحادي القطب"، وانتقد بوتين الديكتاتورية الأمريكيّة صراحة، بدت هذه التصريحاتوكأنها تعود إلى مرحلة الحرب الباردة، لا إلى مرحلة ما بعد انهيار الاتحادالسوفيتي، ما يعطي انطباعا قويا بأن روسيا أصبحت جاهزة لتفعيل جميع محاولاتها السابقة لتشكيل "عالم متعدّد الأقطاب" في مواجهة الهيمنة الأمريكيّة.

وإزاء مراقبة روسيا لمحاولات الغرب السيطرة على بلدان مثل مولدافيا وجورجيا وأوكرانيا،اعتبرت موسكو أن الغرب يريد محاصرتها من جديد وهو ما لن تسمح به، ممّا دفع بوتين إلى الإعلان عن قرب امتلاك روسيا لأنظمة أسلحة نووية جديدة غير موجودة عالميا، وذلك لتذكير الجميع بأن روسيا قوّة لا يستهان بها ولا يجب إخراج العامل النووي من المعادلة أثناء التعامل معها، وجاء إعلان بوتين هذا بعد أن قدم له وزير الدفاع سيرجي إيفانوف تقريره المعنون "مسائل ملحة بخصوص تطوير القوات المسلحة الروسية".

وفي التقرير المذكور وعد الوزير بعدم التهديد بالحرب، إلا أنه أشار في الوقت نفسه إلى استعداد روسيا للتعامل مع الأسلحة النووية كأسلحة هجومية، ولم يستبعد التقرير إمكان قيام روسيا بضربات وقائية ضد أعدائها المحتملين. كما حذر التقرير حلف شمال الأطلسي من أن موسكو قد تعيد النظر في عقيدتها العسكرية، وخصوصاً في مجال الأسلحة النووية، إذا استمر الحلف في تبنيه للعقيدة الهجومية التي تعود لفترة الحرب الباردة. وقد فهم المراقبون هذا الإعلان على أنه تهديد للولايات المتحدة ودول الناتو كونها هي العدو المحتمل.

وادعى إيفانوف في التقرير أن بلاده تواجه تهديدات جديدة مثل التدخل في شؤونها الداخلية من قبل دول أجنبية، أو منظمات تدعمها دول أجنبية.وفي تصريح خلال اجتماعه مع كبار قادة القوات المسلحة الروسية آنذاك قال بوتين: إن روسيا تمتلك احتياطياً كبيراً من الصواريخ الاستراتيجية القادرة على اختراق أي شبكة دفاع صاروخي (في إشارة إلى سعي واشنطن بناء شبكة دفاع صاروخي وهو خلاف معاهدة الدفاع الصاروخي (إي بي إم) الموقعة مع الاتحاد السوفييتي سابقاً في 26 مايو 1972م، والتي انسحب منها بوش في 14/12/21من جانب واحد). وأضاف بوتين أن هذه الصواريخ ستوضع في الخدمة بدلاً من الصواريخ المنصوبة حالياً. وقال: "إن كل عمليات التحديث ستلبي المصالح القومية الروسية وستتجاوب مع الوضع الدولي العام".

تركت الأزمة الأوكرانيّة تأثيرا بالغا السوء على العلاقات الروسيّة الأمريكيّة، ممّا زاد من إصرار روسيا على الاستمرار في سياستها الأخيرة الساعية إلى جذب الناقمين على الولايات المتّحدة، لذلك راحت موسكو تفتش عن الحلفاء القدامى وتحاول تشكيل جبهة مضادة تتيح لها مجالا للمناورة في مواجهة الاستفزازات الأمريكية التي لا تتوقف عند حدود.ومن حسن حظ سوريا أنها تحولت مؤخّرا الى مركز رئيسي للمحاولات الروسية لإحياء التحالفات القديمة وبعث الحياة في محور دفاعي جديد، إذ علمت الولايات المتّحدة وإسرائيل بصفقة أسلحة روسية لسوريا تتضمّن عددا غير محدد من صواريخ (اس ايه 18) التي تطلق من على الكتف، وصواريخ أرض أرض من طراز(اسكندر ئي)، الأمر الذي أثار سخط الطرفين لما قد تشكّله هذه الصفقة من توازن في ميزان القوى بين سوريا وإسرائيل، وهو ما لن تسمح به أمريكا مطلقا، خاصّة أن مثل هذه الأسلحة كانت سببا في خسارة الاتّحاد السوفيتي في أفغانستان وتوريط أمريكا في المستنقع العراقي.

وأثارت هذه المعلومات أزمة في العلاقة مع إسرائيل ناهيك عن تأزّم الموقف أصلا مع أمريكا. وقد تزامن ذلك مع تعيين كوندوليزا رايس رسميا في وزارة الخارجية، ومن الواضح أن الدبلوماسية الأمريكية بصدد التغيّر والتبدل، ومن المتوقع أن فريق "رايس" الحازم سيواجه روسيا بجرأة، لكن سيكونالشرق الأوسط أكثر المناطق والقضايا الذي سيشهد جانبا جديدا من هذا الصراع، فقد لعبت "رايس" دورا رئيسيا في صناعة السياسة الأمريكية نحو الإتحادالسوفيتي سابقا.والمعروف أن "رايس" اختارت فريقها بشكل واسع، ولعل أبرزهم ممثلالتجارة الأمريكية روبرت زويليك، والسفير الأمريكي في منظمة حلف شمال الأطلسينيقولاس حروق وروبرت جوزيف من مجلس الأمن القومي، وكل هؤلاء اشتغلوا على الملفالروسي، لذلك يبدو أن المواجهة التي حصلت إزاء أوكرانيا ستكون البداية فقط. وكانت رايس هاجمت روسيا في خطابها عندما قالت "الطريق إلى الديمقراطيّة وعر في روسيا"، فردّ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنه ينبغي على الذين يرون في تعزيزسلطة روسيا انحرافا نحو الاستبداد أن يدركوا أن العالم في حاجة إلى روسيا قويةرافضا الانتقادات الأمريكية حول الطريق الديموقراطية "الوعرة" في روسيا.

في نهاية المطاف يبدو أن روسيا من أكثر الدول التي سعت لإقامة نظام متعدد الأقطاب على الرغم من مطالبة الآخرين به أيضا مثل ألمانيا وفرنسا، ولكن يبدو أنّهم يفضّلون رؤية أمريكا تغرق في العراق أولا وتنهزم وتنهار لتنتقل القوّة إليهم بعد ذلك، على أن يحاولوا إقامة محاور لإنشاء عالم متعدّد الأقطاب، كما فعلت روسيا خوفا من عواقب الأمر وتجنّبا لسخط الأمريكيين، فهل ستنجح روسيا بمهمّتها هذه مستقبلا؟


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

salem

وبعد
روسيا فشلت في الحفاض على جسديها الواحد كاروسيا وستبقا كما هي والمستفبل سيكون لدول اخرى غير روسيا وامريكيا
والسلام