'فوضى' السيطرة على أوراسيا!

2005-3-30 | المحرر 'فوضى' السيطرة على أوراسيا!

من الواضح أن الولايات المتحدة بصدد تقوية وجودها العسكري في أفغانستان، وفي نفس الوقت تعمل على تطويق إيران. حيث إن واشنطن ستنشئ تسع قواعد عسكرية جديدة في أفغانستان في محافظات هلمند، هرات، نيمروز، بلخ، خوست وباكتيا.

وتوضح التقارير بأن قرار تأسيس القواعد العسكرية الأمريكية الجديدة أُعلن عنه أثناء زيارة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد إلى كابول في ديسمبر الماضي، ليوافق بعدها الرئيس الأفغاني حامد قرضاي على قرار وزارة الدفاع الأمريكية، حيث لم يكن عنده اختيار أصلا، فالمخابرات الأمريكية في نظره لن تكون قادرة على حماية عرشه بعد يونيو القادم ما لم يتمكن الجيش الأمريكي من تسريع عملية تدريب عدد كبير من الجيش الأفغاني المجند وكذا حماية العاصمة كابول. وحتى اليوم، يُدار فريق حراسة وأمن قرضاي من قبل وزارة الخارجية الأمريكية بالتنسيق مع متعاقدين أمريكيين خاصين.

في الحقيقة، تظل أفغانستان بعيدة عن حالة الاستقرار، حتى بعد أربع سنوات من الحضور الأمريكي. الأمر الذي يعني أن مزيدا من تأسيس القواعد على أراضيها لا يعدو كونه إسرافا. لكن، وطبقا للمراقبين، فإن هذا التوسع يمكن أن يكون جزءا من خطة عسكرية أمريكية عالمية تعتمد على قواعد صغيرة لكنها مرنة، مما يجعل من السهل نقل التجهيزات واستعمالها في الوقت المناسب لتأكيد الحضور العسكري الأمريكي في ما وراء حدود أفغانستان.

* أفغانستان تحت السيطرة؟

في 23 فبراير، وطبقا لمصادر إعلامية، وصل 196 مدربا عسكريا أمريكيا إلى كابول، ومن المتوقع أن يستمر بقاؤهم في أفغانستان حتى نهاية 2006. وهدف الفريق أن يعجل البرامج التدريبية لموظفي الجيش الأفغاني. إذ إن الخطة المعتمدة لحماية قرضاي و"الديمقراطية" الجديدة في أفغانستان تستند لتشكيل جيش وطني أفغاني تعداده 70,000 مدرب بإحكام مع بنهاية سنة 2006. وابتداء من الآن، يساعد 20,000 من أفراد الجيش الأفغاني ما يزيد على 17000 من القوات الأمريكية وبحوالي 5000 من عسكريين تابعين لمنظمة حلف الشمال الأطلسي.

إضافة إلى ذلك، عين قرضاي في 28 فبراير، الجنرال عبد الرشيد دستم، أحد أمراء الحرب الأوزبكي سيئ السمعة، رئيسا لهيئة أركانه العسكرية، في تحرك يستهدف جلب عدد كبير من جنود الجيش الشعبي بسرعة إلى الجيش الوطني الأفغاني. ويبدو أن دستم، رغم جرائمه التي لا تحصى، مهم لقرضاي ووزارة الدفاع الأمريكية.

دوستم عنده على الأقل 30,000 جنديا من الجيش الشعبي. علاوة على ذلك، رجال دوستم ليسوا بحاجة إلى تدريب عسكري (ما يحتاجونه هو فهم واحترام القانون والنظام). العامل المهم الآخر في عملية "الاندماج"، هو الخطة المشتركة بين وزارة الدفاع الأمريكية وقرضاي لمواجهة التجميع العرقي الأفغاني الشمالي الرئيسي الآخر، الأفغان الطاجيك.

ومنذ أن أُجريت الانتخابات الرئاسية في أفغانستان في أكتوبر الماضي، لم تتوقف واشنطن عن الادعاء بأن عناصر القاعدة قد اجتُثت وأن طالبان منقسمة. وكانت هناك معلومات تشير بأن قسما من زعماء طالبان وافق على المشاركة في حكومة كابول.

ومن خلال الزعم بأن عناصر القاعدة اجتثت وأن حركة طالبان انقسمت، فإن هذا يترك انطباعا بأن الوضع الأفغاني تحت السيطرة. لكن كيف يمكن تفسير بأن قنبلة انفجرت في المدينة الجنوبية لقندهار، وخلفت خمسة قتلى في 17 في مارس، وهو اليوم الذي وصلت فيه وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس كابول في أول زيارة لها إلى أفغانستان؟ وما الذي دفع قرضاي لتأخير الانتخابات البرلمانية الأفغانية، والتي كانت مبرمجة في العام 2004، وتم تأجيلها بعد ذلك إلى مايو 2005، والآن إلى سبتمبر 2005؟

والشيء الواحد المؤكد أنه خارج السّيطرة، ويعد مصدرا للعديد من التهديدات في المنطقة، هو إنتاج الأفيون. فأثناء الاحتلال الأمريكي، ازداد إنتاج الأفيون بنسبة أكبر بكثير مما كان عليه الأمر خلال عهد "أعداء" واشنطن وقرضاي. ففي 2003، أنتجت أفغانستان المحتلة أمريكيا 4,200 طن من الأفيون. وفي 2004، أنتجت 4,950 طن!. ومع أن المشكل معروف عالميا، فإن وزارة الدفاع الأمريكية ترفض التعامل معه.

وعودا على القواعد العسكرية، فإن ما يثير العجب، لماذا تنشأ قواعد عسكرية جديدة في أفغانستان، ما دامت القاعدة أصبحت جزءا من الماضي، وبعض زعماء الطالبان انضم إلى حكومة كابول، والجيش الأمريكي غير مهتم بمعالجة انفجار مشكلة الأفيون؟

ربما لأن الأمريكان "التزموا بشراكة إستراتيجية مع أفغانستان، ويتضمن هذا قواعد عسكرية دائمة"، كما عبر أحد أعضاء اللجنة العسكرية التابعة لمجلس الشيوخ.

* الهدف.. إخضاع أوراسيا

لكن هذه مجرد تصريحات استهلاكية. فالتقارير الإعلامية الصادرة من شبه القارة الآسيوية الجنوبية تشير إلى نية أمريكية في تجاوز هدف إخضاع أفغانستان للسيطرة، إلى لعب دور محوري في المنطقة الأوراسيوية الواسعة. في الحقيقة، فإن إنزال القوات الأمريكية في أفغانستان في شتاء 2001 كان وفقا لسياسة مدروسة لتأسيس قواعد أمامية في تقاطع طرق ثلاث مناطق رئيسية: الشرق الأوسط، آسيا الوسطى وجنوب آسيا. ليس فقط لأن المنطقة غنية بالطاقة، لكنها أيضا تشكل نقطة اجتماع ثلاث قوى متصاعدة: الصين والهند وروسيا. وحسب عدد من المحللين، فإن الولايات المتحدة تريد السيطرة على إيران وأوزبكستان والصين باستعمال أفغانستان كقاعدة انطلاق عسكرية.

وترتبط التطورات الحديثة الأخرى مع إستراتيجية القوة الجوية الأمريكية لتوسيع مجالها عبر أفغانستان ومنطقة بحر قزوين باحتياطياته النفطية الحيوية ومصادره الطبيعية، وكذا آسيا الوسطى، إيران، الخليج، مضيق هرمز وبحر العرب الشمالي إلى جزر "سوكوترا" في اليمن. هذا وقد يُزود الأمريكان أيضا بموقع على علاقة بباكستان، الهند والحافات الغربية للصين.

وإن القاعدة العسكرية التي أُنشئت في "Manas" خارج بيشكيك، عاصمة قرغيزستان، حيث يتمركز حوالي 3,000 جنديا أمريكيا، يُنظر إليها باعتبارها جزءا من الكيان العسكري. ويجسد هذا التزاما مهما للإبقاء ليس فقط على العمليات الجوية فوق سماء أفغانستان في المستقبل المنظور، ولكن أيضا وجود عسكري متين في المنطقة بعد الحرب.

وقبل البدء في قاعدة Manas الجوية، دفعت الولايات المتحدة الحكومة الأوزبكية لتأسيس قاعدة جوية في Qarshi Hanabad، والتي يتمركز فيها حوالي 1,500 جنديا أمريكيا، وقد أُبرمت اتفاقيات لاستعمال مطارات طاجيكستان وكازاخستان للعمليات العسكرية، بينما منحت توركمنستان لأمريكا رخصة لعمليات جوية عسكرية. يحدث كل هذا، تحت غطاء المساعدات العسكرية الأمريكية لمساعدة هذه الدول لاستئصال "الإرهاب الإسلامي" الذي يهدد بلدانهم.

وهذه التطورات، خاصة تأسيس قواعد عسكرية في ManasوQarshi Hanabad، لا تعني أنها محاولة لإيجاد إستراتيجية للخروج من أفغانستان، ولكن بالعكس: تأسيس وجود عسكري في المنطقة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر