آخر الأخبار

معضلة التحول في الدور الإقليمي الأردني

2005-3-20 | محمد سليمان معضلة التحول في  الدور الإقليمي الأردني

المقترح الأردني المقدم -بصيغة "تنشيط مبادرة السلام العربية"- إلى القمة العربية في الجزائر لا يمثل حالة استثنائية في السياسة الخارجية الأردنية في السنوات الأخيرة، وإنما تأكيد للتحول في هذه السياسة منذ نهاية التسعينات، فقد كان الحفاظ على وجود النظام الأردني وبقائه هدفا حيويا له منذ نشأته السياسية في عشرينات القرن المنصرم، وكانت علاقته بالغرب (بريطانيا ثم أميركا) الركيزة الأساسية —وفقا لإدراك النظام- لحفظ أمنه واستقراره، بل وإدارة أزماته الداخلية، ومواجهة الشروط الإقليمية القاسية في كثير من الأحيان، بمعنى: أن العلاقة مع الغرب مثلت دوما رصيدا استراتيجيا لاستقرار الحكم الأردني، وهو الأمر الذي لم يراهن عليه في أي لحظة من اللحظات، سوى في حرب الخليج الأولى (1990) عندما امتزج الموقف الرسمي مع الموقف الشعبي في رفض المشاركة في التحالف، الأمر الذي يعتقد الحكم أنه دفع ثمنه كبيرا، وكانت عملية السلام وتوقيع اتفاقية وادي عربة (1994) تمثل البوابة الجديدة للعودة إلى الدور الإقليمي في المنطقة، ولم تنته هواجس الحكم بعد ذلك إذ كانت عينه في النصف الثاني من التسعينات على العلاقة مع الفلسطينيين والتطور في عملية السلام؛ الأمر الذي يشكل أحد المحددات الرئيسة للدور الإقليمي للأردن وللتوازنات الديمغرافية الداخلية.

لكن أحداث أيلول وانتقال السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة من إستراتيجية الاحتواء إلى التغيير أدت إلى تنامي إدراك جديد لدى الحكم الأردني بضرورة إحداث تغيير بنيوي في السياسية الخارجية، وفي تعريف الدور الإقليمي الأردني، وتأسست الرؤية الجديدة على أن استقرار الأردن ومصالحه السياسية مرتبطة بالدرجة الرئيسة بالتوافق التام مع المصالح الحيوية الأميركية في المنطقة، وبالتعاون الاستراتيجي مع الإدارة الأميركية، سواء كان هذا التعاون مباشرا أو غير مباشر، علنيا أو سريا، ولعل أبرز مؤشرات هذا التحول الاندماج الكامل فيما يسمى بالحرب على الإرهاب والتعاون الأمني الوثيق بين البلدين، التطبيع مع إسرائيل والتعاون معها على قاعدة: أن كلا من الأردن وإسرائيل حلفاء للولايات المتحدة في المنطقة، ووفقا لهذه الرؤية فإن إسرائيل لا تمثل "مصدر تهديد" للاستقرار السياسي الأردني، ولكن القاعدة والدول المعادية للولايات المتحدة هي التي تشكل "ندا" أو "إزعاجا" للسياسة الإقليمية الأردنية، بمعنى: أن الدور الإقليمي الأردني الجديد هو استجابة كاملة مطلقة (100%) للمطالب والمصالح الأميركية في المنطقة.

كما مثلت الحرب العراقية الأخيرة نقطة انعطاف جديدة في الدور الإقليمي الأردني، وبعيدا عن مناقشة دعاوى النظام العراقي السابق حول هذا الدور والدعم اللوجستي الذي قدم للأمريكان، فإنه من الواضح أن هناك تحولا في الخطاب السياسي الأردني يقوم على الخروج من كل الاعتبارات السابقة والمحددات التي كانت تحول بين الأردن والكشف عن التناغم الكامل مع السياسة الأميركية، إذ دعت الحكومة الأردنية أكثر من مرة سوريا لضبط الحدود مع العراق، وشارك الأردن في تدريب الشرطة العراقية، وحضر في كل المؤتمرات الدولية والإقليمية التي تدعو لها الولايات المتحدة، ويبدو أن هناك تفاهما حول حدود الديمقراطية ومسارات الإصلاح المطلوب الداخلي، بما لا يؤثر على الدور الإقليمي الأردني المطلوب أميركيا.

المشكلة الحقيقية التي تواجه الحكم الأردني وتشوش —ولو إعلاميا- عليه، هي مشكلة الرأي العام الأردني المعادي للولايات المتحدة، إذ تشير كثير من استطلاعات الرأي أن أكثر من 90% من الشعب الأردني معاد للولايات المتحدة، كما تسيطر على الشارع الأردني الحركة الإسلامية المعادية لمسيرة السلام وللحرب على العراق ولطبيعة الدور الإقليمي الجديد، وإذا كان الحكم يضغط على هذه الحركة ويعمل على تهميشها وضبطها بسقف منخفض جدا، فإنه لا يملك أن يضع حدا حقيقيا للحركة الجهادية التي تسربت من الأردن إلى العراق من خلال "أبو مصعب الزرقاوي" وجماعته وهم يمثلون اليوم قيادات ما يسمى بـ "قاعدة الجهاد ببلاد الرافدين"، وما زالت هذه الحركة نشيطة في الأردن وقادرة على تجنيد الأتباع والمؤيدين على الرغم من الضربات الأمنية والملاحقات والحصار والتشديد، إذ إن الحالة الشعبية الساخطة تمثل :التربة الخصبة" لهذه الحركة، وهي وإن كانت "مصدر استثمار" للأردن من خلال الحرب على الإرهاب، بما في ذلك القدرة على الاختراق الأمني للقاعدة، وتوظيف ذلك في تقديم الخدمات للحليف الأميركي، إلاّ أن هذه الحركة باتت مصدر إزعاج شديد وتشويش على الدور الإقليمي للأردن، خاصة بعد تزايد "نزعة معاداة الأردن" داخل الأوساط الشيعية العراقية، الأمر الذي يؤثر على صوغ العلاقة بين الأردن وبين الحكومة العراقية القادمة، ويعيد الأردن إلى مربع صدام إقليمي خطير، وعلاقات سيئة مع أهم دولتين في الجوار: العراق وسوريا.

وعلى الرغم من هذه المشكلات الإقليمية المحيطة والتي تتطلب مراجعة حقيقية للسياسة الأردنية، فإن وزير الخارجية الجديد "هاني الملقي" زاد بتصريحاته المتهورة وتهافته في تحقيق المطالب الأميركية من الحرج الكبير للسياسة الأردنية الخارجية في المحيط العربي، وكشف جزءا كبيرا من طبيعة الدور الإقليمي الجديد، وهو الأمر الذي انعكس على المزاج الشعبي الأردني بالدرجة الأولى، وأدى إلى حالة من الغليان الشديد غير المعلن بسبب القيود الكبيرة على حرية التعبير.

إن الحرج الشديد الذي شعر به المواطن الأردني من المبادرة الأردنية للتطبيع سيكون له استحقاقاته ليس فقط على علاقات الأردن الإقليمية، بل وعلى الحالة الداخلية والتي ليس من السهولة بمكان تدجينها خاصة في ظل الحركة الشعبية العربية المتصاعدة في هذه اللحظة التاريخية الحرجة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر