آخر الأخبار

الرقص الفرنسي الأمريكي على أنغام 'الدبكة' اللبنانية أو حينما تتقاطع مصالح الكبار

2005-3-18 | فيصل فرحي الرقص الفرنسي الأمريكي على أنغام 'الدبكة' اللبنانية أو حينما تتقاطع مصالح الكبار

يبدو أن حرارة اللهب المنبعث من العبوة الناسفة التي ضربت موكب رئيس الوزراء المغتال فاروق الحريري، والتي كانت أولى تداعياتها تشقق البيت الخزفي الذي بناه الراحل بأنامله طيلة عقدين من الزمن، قد أذابت في الجهة المقابلة من حيث يدري واضعوها أم لا جبال الجليد المتراكمة عبر أجيال بين القارة العجوز والعالم الجديد، بحيث أصبحنا نشاهد وللمرة الأولى على الأقل بعد الحرب على العراق ما يمكن وصفه بالرقص المزدوج على إيقاع "الدبكة" اللبنانية.

رقص اختلطت فيه هتافات المعارضة التي تبحث عن مكان لها وسط هذا الفوران الشعبي، بموسيقى "التاريخ" وشطحات المصالح والمطامع، لكنه وللأسف يبدو أنه على أشلاء القتلى والمفجوعين في هذه الحادثة الأليمة.

هذا التقارب الأوروبي الأمريكي غير المسبوق في منطقة الشرق الأوسط وبخاصة في الملف اللبناني السوري جعل الأمر لا يخلو من علامات استفهام لن تبددها إلا إجابات مقنعة، والتي لن تخرج طبعا عن الثنائية المعروفة: التاريخ والمصلحة.

لا يخلو التاريخ من تقاطعات أمريكية فرنسية بريطانية في المشهد اللبناني السوري، لعل أول ملامحها بدأت تتجلى مع انحصار الدور البريطاني الفرنسي لصالح الحضور الأمريكي في المنطقة الذي ما فتئ يتقوى بعدما بدأ نجم الإمبراطورية البريطانية يأفل بدءا من هزيمتها في حرب السويس عام 1956 أمام المشروع الناصري القومي العروبي، والذي راح يتأكد مرة بعد مرة خلال المراحل التي تلت، خاصة مع التجربة الإيرانية بقيادة الشاه وما تلاها من هيمنة على مراكز صنع القرار لولا ثورة "الملالي" التي أنهت كل طموح أمريكي في البلد.

بعدما انحسرت مطامع "العجوز" بريطانيا لصالح المد الأمريكي في المنطقة والذي بدا أنه "جارف"، أخذ الصراع يأخذ وجهة أخرى ولكن هذه المرة نحو فرنسا، وحل وللمرة الأولى التناقض الأمريكي الفرنسي محل التناغم والانسجام، حينما تمكنت واشنطن من انتزاع لبنان من القبضة الأوروبية الفرنسية على وجه الخصوص مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، بحيث أخذت المسألة اللبنانية منذ هذا التاريخ تخرج من البيت الفرنسي وتصبح مسالة دولية في ظاهرها أمريكية في باطنها، والتي كانت أولى تداعياتها خروج رجل فرنسا في لبنان الجنرال ميشال عون من لبنان واستقراره بالبلد "الأم".

في مرحلة متقدمة عن هذا التاريخ تسببت الحرب الأمريكية على العراق في تعميق الشرخ القائم بين فرنسا وأمريكا، حيث كان للموقف الفرنسي المستقل عن التوجه الأمريكي العدواني، الأثر البالغ في توتر العلاقات واتجاهها في منحى تصعيدي وصل إلى حد تبادل التهم، مما حذا بالطرفين إلى أخذ موقع مناوئ للطرف الآخر يجند من خلاله الأطراف الفاعلة في المجموعة الدولية لصالح موقفه.

تقاطعات التاريخ طبعا لا تخلو من صبغة المصلحة إن لم نقل إن المصلحة هي التي تحدد مجرى التاريخ في اللعبة الدولية، ولعبة المصالح بين البلدين كانت ولا زالت متشعبة قد تلتقي أحيانا لكنها تتعارض في أحايين كثيرة، كيف لا والمنطقة هي الشرق الأوسط والبلد هو لبنان، وإذا كانت تقاطعات التاريخ بين هاذين القطبين محدودة بالأزمات، فتقاطعات المصالح لا تحدها الحدود ولا الأزمنة خاصة إذا تعلق الأمر بغريمين همهما الأول والأخير المصلحة.

وفيما يخص الوضع اللبناني، فأطماع البلدين لا تخفى على أحد، فإن كانت المطامع الفرنسية بحكم الانتداب معروفة، فالمطامع الأمريكية أخذت تظهر وتتجلى في إطار لعبة التوازنات وسياسة الردع والحرب الوقائية، خاصة والقضية اللبنانية "يتورط" فيها أكثر من طرف، حزب الله اليد الإيرانية في البلد من جهة والأجهزة الأمنية السورية في الجهة المقابلة والمعارضة اللبنانية بما تمثله من عرقيات فيها من يتصل روحيا بالأم الحنون فرنسا ومن يمثل الطيف السني والشيعي ومنها أيضا من يمثل العمق الإيديولوجي العقائدي، إضافة طبعا إلى إسرائيل الدولة المحتلة للجنوب اللبناني،

مزارع شبعا، ومن يقف من ورائها كحصانة عسكرية وكغطاء وقائي، وهي تباينات تحدد بوضوح عمق الصراع في هذه المساحة الصغيرة التي اسمها لبنان.

وداخل هذه الفسيفساء المتنوعة الأفكار والعرقيات تجد "العريقتان" فرنسا وأمريكا مجالا خصبا لتحقيق مصالحهما

" المشتركة" بعدما كانتا ولوقت قريب تقفان على وجه نقيض في الحرب على العراق، وبعدما أكد مسار التاريخ أن ما يفرقهما أكثر بكثير ما يجمعهما، وهي مصالح تتأكد بوضوح من خلال ربط مجريات الأحداث ببعضها ربطا منطقيا وكرونولوجيا.

فيما يخص "حزب الله"، فقد أكد شيراك خلال قمة بروكسل الأخيرة رفضه التعاطي معه بصفته "منظمة إرهابية" كما تطرح واشنطن، واعتبر أن هذا الموضوع يجب أن يتمّ التعامل معه بتعقّل وحكمة، لا سيما من منطلق عدم إصابة التوازن الطائفي في لبنان بأي جروح، وبما يتيح للحزب أن يدرس المعطيات الجديدة برويّة، بعدما كان الطرف الفرنسي يتعامل مع هذا الحزب بصفته حركة "مقاومة"، وإن كان لا يبدي ذلك علنا بما يحقق له الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل مع الجانب الإسرائيلي الذي يبقى هو أيضا محور اهتمام، الأمر الذي يطرح تساؤلات كبيرة حول سبب هذا التغير المفاجئ في الموقف الفرنسي، خاصة وأن الحزب يمثل رقما صعبا في المعادلة اللبنانية التي تبحث فرنسا دائما عن حلول فيها بما يحقق مصلحتها.

في هذا الصدد تؤكد المصادر الدبلوماسية المطّلعة أن التوافق الفرنسي الأميركي حول لبنان، لا سيما حول سيادته واستقلاله، وممارسة الضغوط على سوريا ومن ثمة على حزب الله تحت سقف عدم الذهاب إلى هزّ النظام في دمشق، حتى إشعار آخر بالنسبة إلى واشنطن، هو الذي فتح الباب نحو التوافق الفرنسي الأميركي حول العراق، حيث وعد بوش شيراك بالمحافظة على المصالح الفرنسية في بلاد الرافدين مقابل توحيد المواقف تجاه الحليفين – سوريا وحزب الله- خدمة طبعا للمصالح الإسرائيلية في المنطقة.

على الجبهة المقابلة يقف الملف الإيراني في طليعة نقاط الالتقاء بين القطبين الفرنسي والأمريكي، وهو الملف الذي بدأ يأخذ هو أيضا منحا مغايرا للإرادة الأمريكية ، بعدما أكد الطرف الإيراني على لسان "حسين موسيان" مسئول لجنة السياسة الخارجية في المجلس الأعلى للأمن القومي ورئيس فريق التفاوض الإيراني، أن بلاده تعتبر التفاعل مع الأوروبيين والأمريكيين حول الملف الإيراني أمرا غاية في الأهمية، شريطة أن يتم النقاش خارج الإرادة الأمريكية في ربط هذا الملف بقضايا أخرى تحول دون التفاهم، الأمر الذي دعا الولايات المتحدة الأمريكية إلى محاولة الاعتماد على المحور الأوروبي الإيراني الذي تقف في طليعته فرنسا لإيجاد حل سلمي لهذه القضية التي تهدد أمن "المدللة" إسرائيل.

وفي هذا الإطار تؤكد بعض المصادر أن قبول المجموعة الأوروبية بدور الوسيط لم يكن دون مقابل، فقد فرضت فرنسا على "حليفتها" أمريكا التنازل على لبنان مقابل الضغط على إيران للتخلي على برنامجها النووي وتهديدها بإحالة القضية على مستوى مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات، وهو ما تأكده الزيارة السرية التي قام بها الجنرال السابق ميشال عون إلى أمريكا في إطار تحقيق هذه الوساطة وإقناع الطرف الأمريكي بالعرض الفرنسي، وهو الأمر الذي يقودنا إلى طرح الملف الفلسطيني بداهة لما له ارتباط وثيق بلبنان التي تضم بين جنباتها فصائل من المقاومة الفلسطينية، وما لهذا من أثر على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي خاصة إذا وضعنا في الحسبان الدعم الذي كانت تلقاه هذه الفصائل من الطرف الفرنسي المعتدل نوعا ما في مواقفه، والذي عبر عنه مؤخرا قبل "الفاجعة" اللبنانية من خلال مراسيم التشييع الرسمية التي خص بها الراحل ياسر عرفات.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر