آخر الأخبار

حدود القوة الأمريكية -2- مصادر القوة الأمريكيّة

2005-3-19 | حدود القوة الأمريكية -2-  مصادر القوة الأمريكيّة

بدأنا نسمع كثيرا في السنوات الأخيرة عن مدى حجم القوة التي بلغتها الولايات المتحدة، لكن ماذا نعني بالقوة؟ القوة بكل بساطة هي القدرة على التأثير على النتائج لتتفق مع ما تريده. على سبيل المثال، نجحت قوة الناتو (حلف شمال الأطلسي) العسكرية في إيقاف عمليات التطهير العرقي التي قام بها ميلوزوفيتش في كوسوفو، واستطاعت الوعود بتقديم المعونات الاقتصادية إلى صربيا المدمرة أن تساعد حكومة صربيا وتغريها لتسليم ميلوزوفيتش لمحكمة لاهاي.

إن قدرة الحصول على النتائج التي نريدها غالبا ما تكون مربوطة بامتلاكنا لموارد معينة، ومن هنا نستطيع أن نعرّف وبشكل مباشر القوّة بأنّها امتلاك أكبر قدر ممكن من هذه الموارد أو العناصر: كالسكان، أو الموارد الطبيعية، الاقتصاد القوي، القوات العسكرية، الاستقرار السياسي. فالقوّة بهذا المعنى تعني أن تمتلك أعلى الأوراق في لعبة بوكر دولية. وبطبيعة الحال إذا لعبت وأنت تمتلك أوراقا ليست عالية، فمن الممكن أن تخسر أو أن لا تحقق النتيجة التي كنت تصبو إليها على الأقل. على سبيل المثال فالولايات المتّحدة الأمريكية كانت أكبر قوة بعد الحرب العالمية الأولى ومع ذلك فقد فشلت في منع ظهور هتلر أو حدوث بيرل هاربر. لذلك فإن تحويل مصادر القوة الأمريكية إلى قوة حقيقية يتطلب سياسة مخطط لها جيدا وقيادة محترفة وماهرة.

تقليديا، اختبار القوّة العظمى كان "قدرتها على خوض حرب"(18). فالحرب كانت اللعبة القصوى والتي من خلالها يتم استعراض كافة أوراق السياسة الدولية وتأكيد تخمينات القوة النسبية للآخرين.

وعلى العموم فقد تطورت وتغيرت مصادر وعناصر القوة مع مرور القرون والتطور التكنولوجي، ففي المجتمعات الزراعيّة الأوروبية التي سادت في القرن السابع عشر والثامن عشر، كان العنصر السكاني مصدر قوة لأنه كان بمثابة قاعدة لتأمين المال للضرائب وللمتطوعين المشاة (والذين كانوا بمعظمهم من المرتزقة)، فهذه التركيبة أو المعادلة من الرجال والمال أعطت قوة دفع لفرنسا آنذاك. لكن في القرن التاسع عشر، ومع تصاعد أهمّية الصناعة كانت بريطانيا (والتي حكمت الأمواج بقوّة بحرية لم يسبق لها مثيل) أوّل المنتفعين، ثمّ تلتها ألمانيا التي استخدمت الإدارة بكفاءة، حيث استغلّت أيضا سكك الحديد لنقل الجيوش من أجل تحقيق انتصارات سريعة في القارة مع العلم أنّ روسيا حينها كانت الأكثر سكّانا وقوّة عسكريّة. وفي أواسط القرن العشرين، ومع حلول العصر النووي، لم تمتلك الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي القوّة الاقتصاديّة فقط بل أصبحت تمتلك الترسانات النووية والقذائف والصواريخ العابرة للقارّات.

مأسسة القوّة اليوم أصبحت تبتعد شيئا فشيئا عن مفهوم تأكيد القوة بالقوات المسلحة أو الغزو. وللمفارقة فإن الأسلحة النووية كانت واحدة من الأسباب التي دفعت إلى ذلك. فكما نعرف من تاريخ الحرب الباردة فقد أثبتت الأسلحة النووية أنها مرعبة جدا ومدمرة أيضا لدرجة أن استعمالها سيكون مكلفا جدّا وكارثيا، لذلك فإن استعمالها يكون نظريّا وفي الحالات القصوى فقط.(19)

التغيير الثاني المهم الذي حصل هو صعود القوميّات، وهو الأمر الذي عقد مهمة الإمبراطوريات في حكم شعوب يقظة. في القرن التاسع قام بضعة مغامرين مع حفنة من الجنود باحتلال معظم أفريقيا في حين قامت بريطانيا أيضا بحكم الهند بواسطة قوة استعمارية تتألف من عدد صغير من السكان الأصليين، أما اليوم فإن الحكم الاستعماري ليس مدانا بشكل واسع فقط، وإنما مُكلف جدّا أيضا كما اكتشفت القوتين العظمتين خلال الحرب الباردة في فيتنام وأفغانستان، فجاء انهيار الإمبراطورية السوفيتيّة بعد انتهاء الإمبراطوريات الأوروبيّة بعدّة عقود فقط.

السبب الثالث المهم أيضا هو التغير الاجتماعي الحاصل داخل القوى الكبرى. فالمجتمعات (ما بعد الزراعيّة) تركّز على الرفاه والرخاء أكثر من تركيزها على المجد والعظمة، لذلك تراهم يشمئزون من العدد العالي والمرتفع للضحايا، إلا إذا كان حقّهم في النجاة أو البقاء في خطر. و هذا لا يعني انّهم لن يستعملوا القوّة حتى و لو كانوا يتوقعون سقوط عدد كبير و مرتفع من الضحايا, و الشاهد على ذلك حرب الخليج عام 1991 أو ما يحصل في أفغانستان اليوم. لكن غياب مبدأ (خلق) المحارب في الديمقراطيّات الحديثة, يعني أنّ استخدام القوّة يحتاج إلى تبرير أخلاقي متقن و قوي لضمان الحصول على دعم شعبي وموافقة (إلا في الحالات التي يكون فيها حق البقاء في خطر أو مهدد بالضياع). هذا ونستطيع أن نقول (إذا أردنا التحدث بفظاظة) أن هنالك ثلاث أنواع من الدول في العالم اليوم: الدول الفقيرة (الما قبل صناعية) والتي غالبا ما تكون عبارة عن بقايا فوضوية للإمبراطوريات المنهارة, الدول الصناعيّة الحديثة مثل الهند والصين, والمجتمعات (الما بعد صناعية) التي ظهرت في أوروبا وأمريكا الشمالية واليابان. وبناء على هذا التقسيم فالقوة ما زالت أمرا شائعا بالنسبة للدول من النوع الأوّل, في حين أن القوّة مازالت مقبولة بالنسبة للنوع الثاني من الدول, بينما هي أقل إجازة في الدول من النوع الثالث. فكما قال الدبلوماسي البريطاني "روبرت كوبّر": "عدد كبير من أقوى الدول ما عادت ترغب في أن تصارع أو تحارب أو تغزو"(20). الحرب مازالت احتمالا, لكنّها أقل قبولا بكثير ممّا كانت عليه قبل قرن أو نصف قرن من الآن. (21)

أخيرا, نستطيع أن نقول أنّ استعمال القوّة من قبل معظم القوى الكبرى يشكّل خطرا على أهدافهم و تطلّعاتهم الاقتصاديّة. وحتى الدول الغير ديمقراطيّة والتي تشعر بأنّها أقل شعبية و التزاما أخلاقيا فيما يتعلّق باستخدام القوّة فعليها أن تأخذ بعين الاعتبار التأثيرات السلبية لاستعمال القوّة على أهدافها الاقتصاديّة. وكما قال توماس فريدمان, الدول تضبط بـ"قطيع كهربائي" من المستثمرين الذين يسيطرون على وصولهم وحصولهم على رأس المال في اقتصاد معولم.(22) وكما كتب ريتشارد روزينكرانس, "في الماضي, كان من الأرخص أن تقوم بالاستيلاء على أراضي الدول الأخرى بالقوّة بدلا من أن تقوم بتطوير معاييرها الاقتصاديّة و التجاريّة المعقّدة لتستفيد من التبادل التجاري معا فيما بعد"(23). وقد استخدمت الإمبراطورية اليابانيّة هذا المفهوم عندما أنشأت أعظم نطاق مزدهر في شرق آسيا في الثلاثينيّات, لكن يابان ما بعد الحرب العالمية الثانية أثبتت أنّها أكثر نجاحا بكثير من السابق باعتمادها على التبادل التجاري الأمر الذي جعل من اقتصادها الوطني ثاني أكبر اقتصاد في العالم, لذلك فمن الصعب الآن تصوّر سيناريو تحاول اليابان فيه استعمار دول الجوار أو أن تنجح في ذلك.

وكما هو مذكور أعلاه, لا شيء من هذا يقترح أنّ القوّات العسكرية لا تلعب دورا في السياسة الدولية اليوم. فالثورة المعلوماتيّة يجب عليها أن تحوّل معظم العالم...خاصة بعد أن تفشت الحروب الأهليّة في العديد من أجزاء العالم حيث تركت الإمبراطوريات المنهارة فراغا في السلطة. علاوة على ذلك, وإذا استعرضنا التاريخ, فإننا سنلاحظ أن ظهور قوى عظمى جديدة ترافق دائما مع تخوّفات أو حالات قلق شديدة عجّلت في بعض الأحيان باندلاع الأزمات العسكريّة. فعلى سبيل المثال, الحرب "البيلوبونيجية" في اليونان القديمة كان سببها ظهور قوّة أثينا والخوف الذي صنعته في سبارطة(24), الحرب العالمية الأولى تتعلّق كثيرا بصعود ألمانيا القيصر والخوف الذي أثارته في بريطانيا (25) . والبعض في هذا القرن يتنبئون بديناميّة مشابهة تأتي نتيجة لصعود الصين والخوف الذي تخلّفه في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

الجيواقتصاديون لم يستبدلوا بالجيوسياسيين, على الرغم من أنّه وفي بداية القرن الواحد والعشرين كان التشويه في الحدود التقليدية بين الاثنين واضحا. وعلى العموم، فإن تجاهل دور القوّة ومركزية الأمن سيكون أشبه بتجاهل الأوكسجين. ففي الظروف العاديّة يكون الأوكسجين شيئا عاديا ومتوافرا بكثرة وبالكاد ننتبه إلى ذلك وندركه, ولكن حينما تتغير هذه الظروف ونصبح بحاجة إليه فلن يكون باستطاعتنا التركيز على شيء آخر باستثنائه(26). حتى في تلك المناطق حيث التوظيف المباشر للقوّة، فإنّ القوّة تسقط من الاستعمال بين الدول, مثلا (ضمن أوروبا الغربيّة أو بين الولايات المتّحدة واليابان) لكن الفاعلين غير الحكوميين أو التابعيين للدولة مثل الإرهابيين على سبيل المثال يمكن أن يستخدموا القوّة, علاوة على ذلك فانّ القوّة العسكريّة مازال بإمكانها اليوم أن تلعب دورا سياسيا هامّا بين الدول المتقدّمة. فعلى سبيل المثال, معظم الدول في شرق آسيا ترحّب بوجود فرق أمريكية على أراضيها كضمان ضدّ أي من جيرانها غير الجديرين بالثّقة, بالإضافة إلى ذلك فإن ردع التهديدات وضمان الوصول إلى مصادر حاسمة كالنفط في الخليج الفارسي مثلا يزيد من تأثير أمريكا على حلفائها, وفي بعض الأحيان الرابط يكون مباشرا, وغالبا ما يكونون موجودين في مؤخّرة عقول رجال الدولة. وكما تصفها وزارة الدفاع, فانّ واحدة من مهام الفرق الأمريكيّة المتمركزة وراء البحار هي

"تغيير المحيط" أو "إعادة تشكيل المحيط"، يقصد الدول المجاورة أو التي تتمركز الفرق الأمريكيّة فيها.

بناء على ذلك, فالقوّة الاقتصاديّة أصبحت أكثر أهميّة مما كانت عليه سابقا, وذلك لسببين الأول هو الارتفاع النسبي في حدود التكلفة لاستعمال القوّة, وثانيا لأنّ الأهداف الاقتصاديّة تطغى بشكل كبير في قيم المجتمعات ( الما بعد صناعيّة)(27).

ففي عالم العولمة الاقتصاديّة, كل الدول تعتمد إلى حدّ ما تعتمد على قوى السوق بعيدا عن سيطرتهم المباشرة. عندما كان الرئيس كلينتون يصارع من أجل تحقيق التوازن في الميزانيّة الاتّحاديّة عام 1993, صرّح أحد مستشاريه قائلا أنه لو كان ولد مرّة أخرى لاختار أن يعود من جديد كـ "سوق", لأنّه كان من الواضح جدّا أن السوق هو اللاعب الأقوى (28) . لكنّ الأسواق تعيق وتقيّد دولا مختلفة وبدرجات متفاوتة, ولأنّ الولايات المتحدة أنشأت مثل هذا الجزء الكبير من السوق في التبادلات التجاريّة والماليّة فمن الأفضل لها أن ترتّب وتضع شروطها الخاصّة بدلا من الأرجنتين أو تايلاند على سبيل المثال, وإذا كانت البلدان الصغيرة مستعدّة لدفع ثمن الانسحاب من السوق فبإمكانهم عبر هذه الطريقة أن يخفّفوا من تأثير قوّة الدول الأخرى عليهم, لذلك فإن العقوبات الاقتصاديّة الأمريكيّة كان لها تأثير محدود على هذه الدول, على سبيل المثال فيما يخص تحسين سجل حقوق الإنسان في مينمار. إن رغبة صدّام حسين الشديدة في البقاء بدلا من الاهتمام برفاهيّة الشعب العراقي جعل العقوبات الشديدة، ولأكثر من عقد من الزمان، تفشل في إزاحته من السلطة. كما أن العقوبات الاقتصاديّة قد تعرقل ولكن لا تردع الإرهابيين. لكنّ الاستثناءات تثبت القاعدة, فالقوّة العسكريّة تبقى حاسمة في بعض الحالات, لكن سيكون من الخطأ الشديد إذا ركّزنا أو نظرنا من زاوية ضيّقة على الأبعاد العسكريّة للقوّة الأمريكيّة.

القوّة الناعمة ( الليّنة )

من وجهة نظري, فإن الولايات المتّحدة إذا أرادت أن تبقى قويّة, فعلى الأمريكيين أيضا أن ينتبهوا إلى قوّتنا الناعمة (الليّنة). ماذا أعني بالقوّة الناعمة (الليّنة) بالتحديد؟ القوّة العسكريّة والقوّة الاقتصاديّة كلاهما أمثلة على القيادة القاسية والتي يمكن استعمالها لإقناع الآخرين بتغيير مواقفهم ومواقعهم. فالقوّة القاسية يمكنها أن تستند إلى مبدأ "العصا والجزرة", لكن هناك أيضا طريقة أخرى وغير مباشرة لاستخدام وممارسة القوّة. فبإمكان دولة أن تحصل على النتائج التي تريدها في السياسة الدوليّة لأنّ الدول الأخرى تريد اللّحاق بها وإتباعها إعجابا بقيمها أو تقليدا لنموذجها أو تطلّعا للوصول إلى مستوى ازدهارها ورفاهها وانفتاحها. في هذا الاتّجاه, من الأهميّة بمكان أن تضع برنامجا في السياسة الدوليّة يجذب الآخرين إليك, كما أن تجبرهم على التغيير من خلال التهديد أو استعمال القوّة العسكريّة أو الأسلحة الاقتصاديّة. هذا المظهر أو الجانب من القوّة (جعل الآخرين أن يريدوا ما تريد أنت) هو ما أسمّيه أنا بالقوّة الناعمة ( الليّنة )(29), هذه الطريقة تكسب الناس بدلا من إجبارهم.

القوّة الناعمة تستند إلى القدرة على وضع برنامج سياسي يرتّب الأولويّات بالنسبة للآخرين. على المستوى الشخصي, الأبوان الحكيمان يعلمان أنّه إذا قاما بتربية أولادهم على القيم والمفاهيم الصحيحة, فإن قوّتهم ستكون أكبر وستدوم لفترة أطول مما لو كانوا اعتمدوا فقط على الضعف والتوبيخ أو قطع المصروف أو أخذ مفاتيح السيّارة مثلا. كذلك الأمر فيما يتعلّق بالمسئولين السياسيين والمفكّرين مثل أنتونيو جرامشي الذين فهموا طويلا القوّة الناجمة عن وضع جدول أعمال وخطّة عمل بالإضافة إلى تحديد إطار عمل لنقاش معيّن.

إن القدرة على تأسيس الأولويات تميل دائما إلى الارتباط بمصادر القوّة المعنويّة, كأن تكون ثقافة جذّابة أيديولوجيا أو مؤسسات. فإذا استطعت أن أجعلك تريد أن تفعل ما أريد أنا, فعندها لن يكون عليّ إجبارك على أن تقوم بما لا تريد أن تقوم به. فلو أنّ الولايات المتّحدة تمثّل قيما يريد الآخرون إتباعها لكانت الكلفة التي ندفعها للقيادة (قيادة العالم) أقل. أن القوّة الناعمة (الليّنة) ليست تماما كالتأثير, مع أنها مصدر من مصادر التأثير المتعدّدة, في النهاية أنا باستطاعتي أيضا التأثير عليك بالتهديد أو الترغيب. القوّة الناعمة أيضا لا تعني الإقناع, فهي أكثر من الإقناع والبرهنة بالجدال, فهي الإغراء والجذب, والإغراء والجذب غالبا ما تؤدّي إلى الرضوخ والتقليد.

القوّة الناعمة هي جزء من قيمنا, هذه القيم موجودة في ثقافتنا وفي سياساتنا التي نتّبعها داخل دولتنا وفي طريقة فرض نفسنا على الصعيد العالمي. في بعض الأحيان, تجد الحكومة أنه من الصعب السيطرة على القوّة الناعمة وتوظيفها. فالأمر شبيه بالحب, فهو صعب القياس والتحمل وليس شيئا ملموسا لكنّ ذلك لا يلغي أهمّيته. وكما قال هوبير فيدرين: "الأمريكيون أقوياء لهذه الدرجة لأنّ باستطاعتهم استلهام أحلام ورغبات الآخرين, والفضل في ذلك يعود إلى سحر الصور المعولمة التي تبث من خلال الأفلام والتلفاز, ولنفس هذه الأسباب، فإن عددا كبيرا من الطلاّب من دول أخرى يذهبون إلى الولايات المتّحدة لإتمام دراساتهم"(30). لذلك فإن القوّة الناعمة هي حقيقة مهمّة.

لا شك بأنّ القوّة القاسية والقوّة الناعمة ترتبطان ببعضهما البعض وتدعمان بعضهما. فكلاهما مظهر من مظاهر القدرة على انجاز أهدافنا عبر التأثير على طريقة تصرّف الآخرين. هذا وبإمكان بعض مصادر وعناصر القوّة في بعض الأحيان أن تؤثّر على مجمل تصرّفات وسلوك الآخرين من الإجبار إلى الجذب والأغراء (31) . لكن على الأرجح أنّ الدولة التي تعاني من انحطاط وانحدار اقتصادي وعسكري ستفقد قدرتها على صياغة أجندتها الدوليّة كما أنها ستفقد قدرتها على الجاذبية والإغراء. هذا وقد تنجذب بعض الدول إلى دول أخرى عبر القوّة القاسية عن طريق "أسطورة المناعة أو الحتميّة" (بمعنى أن إتباع هذه الدولة أمر حتمي أن لا مناعة لنا في مواجهتها). فقد حاول كل من هتلر وستالين تطوير هكذا أساطير, إذ من الممكن أيضا استعمال القوّة القاسية في تأسيس إمبراطوريات و مؤسّسات تضع أجندة الدول الأخرى الأصغر منها, مثال على ذلك (الهيمنة السوفيتيّة على دول شرق أوروبا). لكن في المقابل لا نستطيع أن نقول إن القوة الناعمة هي بكل بساطة انعكاس للقوّة القاسية (ليست الوجه الآخر). فالفاتيكان لم يخسر قوّته الناعمة عندما خسر الدويلات البابوية في إيطاليا في القرن ال19. و بالعكس فقد فَِقَدَ الاتّحاد السوفيتي كثيرا من قوّته الناعمة عندما اجتاح هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا على الرغم من أن مصادر القوّة الاقتصاديّة والعسكريّة استمرّت آنذاك في النمو. فالسياسات التعسّفيّة التي طبعت القوّة السوفيتيّة القاسية طغت في حقيقة الأمر على قوّته الناعمة. في حين أنّ بعض الدول مثل كندا, هولندا والدول الاسكندنافيّة تمتلك نفوذا سياسيا يفوق بكثير قدرتها وقوّتها الاقتصاديّة والعسكريّة وذلك بسبب تجسيدها لأسباب الإغراء والجاذبية مثل المساعدات الاقتصاديّة أو حفظ السلام, وتأكيدها في مفهومهم للمصلحة الوطنيّة. وهذه دروس يجب أن يتعلّمها الأحاديّو الجانب المؤمنون باستقلالية السياسة الخارجية خلال تعرّضهم وتعرّضنا للخطر.

لقد طوّرت كل من بريطانيا في القرن التاسع عشر, وأمريكا في النصف الثاني من القرن العشرين قوّتهم من خلال إنشاء قواعد ومؤسسات اقتصاديّة ليبرالية دولية منسجمة مع المبادئ والهياكل الليبرالية والديمقراطيّة للرأسماليّة في بريطانيا و أمريكا (التجارة الحرّة ونظام الذهب في حالة بريطانيا, البنك الدولي ومنظمة التجارة العالميّة ومؤسسات أخرى في حالة الولايات المتّحدة).

إذا استطاعت دولة أن تشرع قوتها في عيون الآخرين فأنها ستواجه مقاومة أقل لرغبتها, إذا كانت ثقافتها وأيديولوجيّتها جذّابة فسيرغب الآخرون أكثر في إتباعها, إذا استطاعت أن تؤسس قواعد دوليّة تتماشى مع مجتمعها ستكون رغبتها في التغيير أقل, وإذا كان باستطاعتها أن تساعد دعم المؤسسات التي تشجّع الدول الأخرى على التّحول, أو التي تحدّ من نشاطاتهم بوسائل تفضّلها هي, فعندها من الممكن أن لا تحتاج إلى هذا الكم المكلف من العصي والجزر، (نسبة إلى مبدأ العصا والجزرة).

باختصار, فإن عالمية ثقافة دولة ما, وقدرتها على وضع قواعد مفضلة ومؤسسات تحكم مناطق النشاط الدولي, هي مصادر حاسمة للقوّة, كقيم الديمقراطيّة والحريّة الشخصيّة والتطور السريع والانفتاح – الذي غالبا ما يتمثّل في الثقافة الشعبيّة الأمريكيّة, التعليم العالي, والسياسة الخارجيّة- المتعلّقة بالقوّة الأمريكيّة في مناطق متعدّدة. من وجهة نظر الصحافي الألماني جوزيف جوفي, فإن: "قوة الولايات المتحدة الأمريكية الناعمة تفوق مقدراتها الاقتصادية والعسكريّة. فالثقافة الأمريكيّة سواء أكانت ضعيفة أم رفيعة المستوى تشعّ خارجيّا بشكل لم يحصل له مثيل منذ الإمبراطورية الرومانية. إن تأثير ثقافة كل من الرومان وروسيا السوفيتية توقّفت عند حدودهما العسكرية, بينما استطاعت القوّة الناعمة الأمريكية أن تسيطر على إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس أبدا "(32).

بالطبع, فالقوّة الناعمة الأمريكيّة هي أكثر من مجرد ثقافة القوّة. فقيم الحكومة الأمريكيّة داخل بلادها (الديمقراطيّة على سبيل المثال), في المؤسسات الدولية (الاستماع إلى الآخرين), وفي السياسة الخارجية (دعم السلام وحقوق الإنسان) من شأنه أن يؤثّر أيضا على خيارات الآخرين. أمريكا باستطاعتها أن تجذب (أو تنفّر) الآخرين عبر تأثير نموذجها عليهم. لكن القوّة الناعمة لا ترتبط بالحكومة الأمريكيّة مباشرة بنفس الدرجة التي ترتبط بها القوّة القاسية, إذ إن بعض مظاهر القوّة القاسية (مثل القوّات المسلّحة) ترتبط ارتباطا حاسما وحصريّا بالحكومة, مظاهر أخرى قد تكون حكوميّة بالوراثة (مثل احتياطات ومخزونات النفط والغاز), ومظاهر عديدة أخرى ممكن أن تنقل إلى السيطرة الجماعية (مثل الموجودات الصناعيّة والتي يمكن نقلها في حالة الخطر والضرورة).

في المقابل, العديد من مظاهر القوّة الناعمة لا ترتبط بالحكومة الأمريكية مع أنّها قد تساهم جزئيّا في تحقيق أهدافها. في الحقبة الفيتناميّة على سبيل المثال, عملت كل من سياسة الحكومة الأمريكية والثقافة الشعبية لأهداف مختلفة. اليوم, قامت الجماعات والعناصر غير الحكومية بتطوير القوّة الناعمة الخاصّة بها والتي قد تتطابق أو تتصادم مع أهداف السياسة الخارجية الرسمية, وهذا سبب آخر لدفع الحكومة للتأكّد من أنّ مساعيها تدعم ولا تتصادم مع القوّة اللينة الأمريكيّة. فأهميّة كل مصادر وعناصر القوّة الناعمة آخذة في الازدياد خاصّة في عصر العولمة و المعلوماتيّة لهذا القرن. ولكن وفي نفس الوقت, فإن الغرور وازدراء آراء الآخرين والنظرة الضيّقة لمصالحنا الوطنيّة والتي يدافع عنها الانفراديّون هي طرق مؤكّدة لتقويض القوّة الناعمة الأمريكيّة.

فالقوّة في عصر العولمة والمعلومات أصبحت أقل ظهورا وأقل استخداما للقهر خاصّة بين الدول المتقدّمة, لكن معظم العالم لا ينتمي إلى المجتمعات (الما بعد صناعيّة), وهذا بذاته يحدّ من تحوّل القوّة.

فكثير من دول أفريقيا والشرق الأوسط لا تزال محصورة في تراث المجتمعات (الما قبل صناعيّة), وبمؤسّسات ضعيفة وحكام متسلّطين. دول أخرى مثل الصين, الهند, والبرازيل لديها اقتصاديّات صناعيّة مشابهة في بعض جوانبها لما كان عليه الغرب في منتصف القرن العشرين (33) . في هكذا عالم متنوع, فإن كل عناصر القوّة العسكريّة والاقتصاديّة والناعمة تبقى مترابطة ولكن بدرجات مختلفة وبعلاقات مختلفة. ومع ذلك, فإذا ما استمرّت الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية الحالية, فإن الزعامة أو القيادة في ظل ثورة المعلومات والقوّة الناعمة, ستصبح أكثر أهمّية.

الجدول رقم واحد يزوّدنا بوصف مبسّط عن تطوّر عناصر القوّة خلال القرون القليلة الماضية.

الدول القياديّة ومصادر قوّتها, 1500-2000


فالقوّة في القرن الواحد والعشرين سوف تعتمد على خليط من عناصر القوّة القاسية والناعمة. وليس هناك من دولة على الإطلاق تحقق لها مثلما تحقق للولايات المتحدة الأمريكية في المجالات الثلاث العسكرية ولاقتصادية والقوة الناعمة, لذلك فمن الخطأ الكبير في هكذا عالم أن نسقط في تحليل الزاوية الواحدة, ومن الخطأ أيضا أن نؤمن أن الاستثمار في القوة العسكرية وحدها سيؤمن لنا القوة اللازمة.

18) A. J. Taylor, The Struggle for Mastery in Europe, 1848–1918 (Oxford, UK: Oxford University

Press, 1954), xxix.

(19) Whether this would change with the proliferation of nuclear weapons to more states is hotly debated among theorists. Deterrence should work with most states, but the prospects of accident and

loss of control would increase. For my views, see Joseph S. Nye, Jr., Nuclear Ethics (New York: Free

Press, 1986).

(20) Robert Cooper, The Postmodern State and the World Order (London: Demos, 2000), 22.

(21) John Mueller, Retreat from Doomsday: The Obsolescence of Major War (New York: Basic

Books, 1989).

(22) Thomas Friedman, The Lexus and the Olive Tree: Understanding Globalization (New York: Farrar, Straus and Giroux, 1999), chap. 6.

(23) Richard N. Rosecrance, The Rise of the Trading State (New York: Basic Books, 1986), 16, 160.

(24) Thucydides, History of the Peloponnesian War, trans. Rex Warner (London: Penguin, 1972), book

I, chapter 1.

(25) And in turn, as industrialization progressed and railroads were built, Germany feared the rise

of Russia.

(26) Henry Kissinger portrays four international systems existing side by side: the West (and Western

Hemisphere), marked by democratic peace; Asia, where strategic conflict is possible; the Middle East,

marked by religious conflict; and Africa, where civil wars threaten weak postcolonial states. "America

at the Apex," The National Interest (Summer 2001).

(27) Robert O. Keohane and Joseph S. Nye, Jr., Power and Interdependence, 3rd ed. (New York: Longman, 2000), chap. 1.

(28) James Carville quoted in Bob Woodward, The Agenda: Inside the Clinton White House (New

York: Simon and Schuster, 1994), 302.

(29) For a more detailed discussion, see Joseph S. Nye, Jr., Bound to Lead: The Changing Nature of

American Power (New York: Basic Books, 1990), chap. 2. This builds on what Peter Bachrach and

Morton Baratz called the "second face of power" in "Decisions and Nondecisions: An Analytical

Framework," American Political Science Review (September 1963): 632–42.

(30) Ve´ drine, France in an Age of Globalization, 3

(31)

(32) Josef Joffe, "Who’s Afraid of Mr. Big?" The National Interest (Summer 2001): 43.

(33) See Cooper, Postmodern State ; Bell, The Coming of Post-Industrial Society.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر