آخر الأخبار

هل يعيد حزب البعث الديموقراطية إلى سورية قبل أن تعود بدونه؟

2005-3-17 | الطاهر إبراهيم هل يعيد حزب البعث الديموقراطية إلى سورية قبل أن تعود بدونه؟

كانت صحيفة القدس العربي ومجلة العصر الإلكترونية قد نشرت لي في 17 كانون الثاني الماضي مقالا تحت عنوان "هل تنسحب سورية طوعيا من لبنان؟". وقد كان الوضع على الأرض، في حينها، يوحي بأن النظام السوري ما يزال يعتقد بأن لديه فسحة من الوقت تتيح له المناورة بحيث تتغير الظروف ويُصرف النظر عن تطبيق القرار 1559 . وكانت ككل مرة تأتي قراءة النظام على غير ما يشتهي منذ دخلت أمريكا العراق وأصبحت جارا لسورية.

وكنت كتبت في المقال: "أفضل ألف مرة أن تبادر دمشق إلي سحب الجيش السوري من لبنان من أن يفرض ذلك علي سورية ولبنان من قبل القوى الدولية". ولكن على ما يظهر أن النظام قد أصم أذنيه عن سماع نصائح الجميع ومنها المعارضة السورية. ومع أن الرئيس بشار الأسد أعلن في خطابه الأخير أمام مجلس الشعب السوري أنه سيأمر بسحب الجيش السوري تطبيقا لاتفاق الطائف. ولقد كان اتفاق الطائف حاضرا أمام عيني النظام السوري، ولكنه لم يبصره إلا بعد التهديد الأمريكي بأن على سورية أن تسحب جيشها واستخباراتها تطبيقا للقرار 1559. وبدا واضحا أن إعلان الانسحاب جاء تحت ضغط دولي، وليس تطبيقا لاتفاق الطائف.

ويعتقد المراقبون أن الانسحاب السوري من لبنان لن يتوقف عند منطقة البقاع كما جاء في اتفاق الطائف، وأن دمشق سوف تأمر بالانسحاب إلى ما وراء الحدود السورية مع لبنان قبل الانتخابات النيابية في لبنان في أيار المقبل، ولم يكن مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة "لارسن" ليصرح بأنه أخذ علما بتطبيق القانون 1559، لو لم يكن سمع ذلك من الرئيس السوري، وبناء عليه فإنه سيزور سورية في نيسان (أبريل) المقبل لتسلم "جدولة الانسحاب"..

وإذا كان من الحكمة أن يستفيد الإنسان من أخطاء الماضي، فإن من الحكمة أيضا أن يبادر فورا إلى استخلاص النتائج، وتصحيح المواقف بحيث يتم تجنب المنزلقات الخطيرة. وفي هذا السياق فإن المطلعين الاستراتيجيين يعتقدون أن أمريكا لن تكتفي بالانسحاب السوري من لبنان، وأن الأيام ستظهر صفحات أخرى دوّنها المحافظون الجدد في أجندتهم بحق النظام السوري.

وعلى ما يظهر فإن دمشق لديها، ليس فقط إحساس، بل معلومات تجعلها تشعر بالخوف من أن تقوم إدارة بوش بفتح ملفات جديدة بعد إكمال الجيش السوري انسحابه من لبنان. وهذا التخوف عبر عنه معاون وزير الخارجية السوري "وليد المعلم"عندما قال في مقابلة مع الجزيرة:"الخلاف مع أمريكا ليس على لبنان". ما يعني أن دمشق لديها العلم الكامل بما هو مطلوب منها أمريكيا، ولذلك عملت على تسريع الانسحاب من لبنان حتى تسحب الذرائع من يد أمريكا.

وليت دمشق فعلت ذلك قبل أن يصدر القرار 1559 ، خصوصا لجهة تعديل الدستور اللبناني والتمديد للرئيس "لحود"، حيث بدا التعديل والتمديد وكأنهما صرخة تحدٍ في وجه أمريكا. نقول هذا الكلام لا لخفض الصوت في وجه أمريكا، فقد كنا وما نزال نفضل رفع سقف التحدي أثناء التعامل معها. ولكن لأن هذه الأنظمة عوّدت أمريكا أن يكون صوتها عاليا، في سوقٍ كانت فيه الأنظمة تدفع من كرامة شعوبها في مقابل سكوت أمريكا عما تفعله في شعوبها.

وإذا كان الوجود السوري في لبنان هو الذي فتح الاشتباك مع أمريكا، فإن هناك ما هو أهم من الملف اللبناني لدى "بوش" لتبييض صفحته في المنطقة العربية، خصوصا وإن الإعلام الأمريكي المناوئ (واشنطن بوست ونيويورك تايمز) أشار أكثر من مرة إلى قيام الإدارات الأمريكية المتعاقبة بدعم الأنظمة المستبدة.

فقد كتب "باتريك سيل" في الحياة يوم الجمعة 11 آذار الجاري "ابتلع بوش من دون أي تمييز رأي المحافظين الجدد القائل إن الهجمات الإرهابية على أمريكا لا علاقة لها بالسياسات الأميركية في العالمين العربي والإسلامي وإنما هي نتاج مجتمعات الشرق الأوسط الخاضعة للخوف والاستبداد".وإذا كان التنويه بدعم أمريكا للأنظمة العربية المستبدة "كلمة حق يراد بها باطل"، فإنه مما لا شك فيه أن هذه الأنظمة خسرت تعاطف شعوبها معها، وأصبحت وحيدة في ساحة المواجهة مع أمريكا.

إن هذا يعني بوضوح أن هؤلاء المحافظين الجدد سيعملون على تغيير الأنظمة التي توصف بالاستبداد. ويضع هؤلاء النظام السوري في رأس قائمة الأنظمة التي سيعملون على تغييرها كما صرح بذلك نائب وزير الدفاع الأمريكي "بول وولفويتز" بعد احتلال العراق عندما قال "سورية تدعم الإرهاب لا بد من التغيير".

ونحن في هذا المقال لا نقوم بتسويق نظريات المحافظين الجدد، ولكننا نعتقد أن احتلال العراق قد فتح شهيتهم على المزيد. كما أن الأنظمة المستهدفة تصبح صيدا سهلا في مرمى أمريكا عندما تنسلخ عن مصدر قوتها وهو التصاقها بشعوبها، خصوصا وأن بوش جعل من نشر الديموقراطية في "الشرق الأوسط الكبير" هدفه الجديد يسوّقه أمام الشعب الأمريكي، بعد أن بدا من ، حيث الظاهر، أن انتخابات العراق كانت أكثر من ناجحة في نظر إدارته.

ولن أكون منافقا فأزعم أنني أبيت ليلي مكدرا من خوفي على النظام البعثي في دمشق-واقع الحال أني أبيت ليلي مكدرا مما يصنعه النظام في الشعب السوري-. ولكني أشعر أن أمريكا لا تستهدف هذا النظام لشخصه. فلطالما قدم هذا النظام لها الخدمات، بعضها معروف لكل الشعب السوري، وبعضها ما يزال طي الكتمان ينتظر الوقت المناسب.

وما يثير القلق أن أمريكا استغلت أخطاء النظام السوري في لبنان –وهي التي كانت تملي له- لكي تخلق جوا يزيد من التباعد بين الدولتين والحكومتين والشعبين، ثم تستفرد بسورية. فإذا ما تمكنت منها كما فعلت مع العراق يكون قد اكتمل لها المحور الثلاثي من بغداد ودمشق وبيروت وصولا إلى القاهرة عبر البحر الأبيض المتوسط.

وللأسف فإن عقلية النظام القديمة مازالت هي التي تتحكم بقراره وتحركه. فبدلا من أن يعمل على تأليف قلوب المعارضةالسورية على اختلاف أطيافها،ويعلن عن انفتاح حقيقي على الشعب يعيد بموجبه الحرية للمواطنين، لجأ إلى أسلوب تسيير المظاهرات في شوارع المدن السورية، وكأنه يريد أن يقول، من خلال الحشود، أن الشعب السوري معه ضد أمريكا.

وقد نسي منظرو المظاهرات وكتاب الشعارات أن الجماهير الرومانية التي خرجت عام 1989 تستقبل "رفسجاني" وتصفق له ولرئيسها، لم يمنعها ذلك بعد أقل من يومين، من أن تنقلب على "شاوشيسكو"، فصفق الشعب الروماني وهتف ضد الدكتاتور بعد أن تحرر من استعباده ،كما صفق وهتف له بالأمس عندما كان يخشى مخابراته. ولأنه كان طاغيةً مستبدا، فلم ينتصر له أحد عندما زلّت قدماه فاعتقل وحوكم وأعدم.

ورغم وقوف جماهير الشعب السوري وقوى المعارضة فيه إلى جانب الذين نددوا بالاحتلال الأمريكي للعراق، إلاّ أن أطروحات الإعلام السوري المؤمم لم تستطع أن تجد -عند الشعب السوري- قبولا في هجومها على الانتخابات التي تمت تحت بنادق الاحتلال الأمريكي، لماذا؟ لأن تلك الانتخابات، وإن كان فيها الكثير مما يؤخذ عليها، فإنها أقل سوءا من انتخابات مجالس الشعب السورية التي كانت تعينها القيادة القطرية، رغم مظاهر الانتخابات الكاذبة المفبركة التي كانت تجري أمام عدسات التصوير.

يجب أن تعترف القيادة السورية أنها خسرت معركتها في لبنان، وأنها في طريقها إلى الخسارة على الساحة السورية ما لم تبادر، وفورا، إلى استدعاء قوى الشعب السوري جميعها من خلال الدعوة إلى انتخابات حقيقية من خلال صناديق الاقتراع الشفافة، وبعيدا عن كل مظاهر التسلط المخابراتية، وأن تتم هذه الانتخابات تحت إشراف دولي وفي حراسة قوى الشرطة السورية–ولا أقول القضاء السوري بعد أن هيمن عليه حزب البعث- التي ما تزال بعيدة عن سيطرة حزب البعث، حتى تعود الحرية والديموقراطية إلى سورية تماما كما كانت في أول يوم بعد خروج جيش الاحتلال الفرنسي في 17 نيسان 1946 .

إن هناك فرصة حقيقية أمام حزب البعث السوري لكي يتصرف، ولو لمرة واحدة، بحكمة، وأن يسلك سلوك الحزب المسئول، قبل أن يخرج من المعادلة السورية كما خرج شقيقه حزب البعث العراقي من المعادلة العراقية. فهل يفعلها الرئيس بشار الأسد قبل فوات الأوان؟.

* كاتب سوري يعيش في المنفى - عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

وسيم حمدي

بسم الله
لعل المواطن العادي في هذه الإيام يصيبه الدوار ألف مرة كل يوم لما يسمع ويشاهد من أحداث وأراء لايمكن أن تقوده الى موقف واضح ومحدد اتجاه أي قضية بما في ذلك القضايا المتعلقة بوطنه وربما اسباب ذلك كثيرة منها حسب اعتقادي الكثافة الهائلة لوسائل الإعلام (فضائيات -انترنيت -صحافة ....)وسعيها الى ضخ الأفكار والمواقف المحتلفة وبشتى الوسائل مما يجعل الإنسان العادي ينام وهو متبني لموقف معين بناء على خبر سمعه ليستيقظ على خبر آخر مقدم بأسلوب أكثر إقناعا تجعله يغير موقفه فلا يعود الى نومه مرة أخرى إلا ويكون قد بدل موقفه ألف مرة وهذا يعود في رأي الىافتقار هؤلاء الكتاب وأصحاب المواقف المضحوحة عبر وسائل الإعلام الى الحجة والمنطق والنزاهة التي تتطلب النظر بعينين سليمتين فمثلا الكاتب الظاهر يتحدث غن النظام في سوريا وكأنه بعبع بنظر الشعب فهل الأمر الى هذا الحد بالغ السوء أليس هناك إيجابية واحدة يمكن ذكرها لتبين على الأقل رغبة معينة في النزاهةونقل الصورة كاملة , فماذا تقول عن التعليم المجاني وماذا تقول المشافي المجانية والمرافق العمرانية التي نمتد الى حد ما في سائر انحاء سوريا وماذا تقول عن بعض المواقف التي تبناها النظام ضد اسرائيل ومشاريعها التوسعية في المنطقة ودعمه لحركات المقاومة في فلسطين ولبنان باعتراف هذه الحركات نفسها ووقوفه لوحده ضد العدوان الإخير على العراق كل هذا نعم يسبب ضغوط كبيرة عليه وعلى الشعب ولكن اليس هذا أحفظ لما تبقى لنا من كرامة بفضل الإشقاء العرب .... أنا شخصيا عشت في أكثر من بلد مجاور بكل صدق الحال في سوريا رغم الكثير من المشاكل الإقصادية والثغرات في مؤسساتنا والضغوط الخارجية الهائلة أفضل وأعز وأشرف ....


هيثم بدرخان

ل يعيد حزب البعث الديموقراطية إلى سورية قبل أن تعود بدونه؟
17-3-2005

يجب أن تعترف القيادة السورية أنها خسرت معركتها في لبنان، وأنها في طريقها إلى الخسارة على الساحة السورية ما لم تبادر، وفورا، إلى استدعاء قوى الشعب السوري جميعها من خلال الدعوة إلى انتخابات حقيقية من خلال صناديق الاقتراع الشفافة، وبعيدا عن كل مظاهر التسلط المخابراتية، وأن تتم هذه الانتخابات تحت إشراف دولي وفي حراسة قوى الشرطة السورية
بقلم الطاهر إبراهيم

كانت صحيفة القدس العربي ومجلة العصر الإلكترونية قد نشرت لي في 17 كانون الثاني الماضي مقالا تحت عنوان "هل تنسحب سورية طوعيا من لبنان؟". وقد كان الوضع على الأرض، في حينها، يوحي بأن النظام السوري ما يزال يعتقد بأن لديه فسحة من الوقت تتيح له المناورة بحيث تتغير الظروف ويُصرف النظر عن تطبيق القرار 1559 . وكانت ككل مرة تأتي قراءة النظام على غير ما يشتهي منذ دخلت أمريكا العراق وأصبحت جارا لسورية.


وكنت كتبت في المقال: "أفضل ألف مرة أن تبادر دمشق إلي سحب الجيش السوري من لبنان من أن يفرض ذلك علي سورية ولبنان من قبل القوى الدولية". ولكن على ما يظهر أن النظام قد أصم أذنيه عن سماع نصائح الجميع ومنها المعارضة السورية. ومع أن الرئيس بشار الأسد أعلن في خطابه الأخير أمام مجلس الشعب السوري أنه سيأمر بسحب الجيش السوري تطبيقا لاتفاق الطائف. ولقد كان اتفاق الطائف حاضرا أمام عيني النظام السوري، ولكنه لم يبصره إلا بعد التهديد الأمريكي بأن على سورية أن تسحب جيشها واستخباراتها تطبيقا للقرار 1559. وبدا واضحا أن إعلان الانسحاب جاء تحت ضغط دولي، وليس تطبيقا لاتفاق الطائف.


ويعتقد المراقبون أن الانسحاب السوري من لبنان لن يتوقف عند منطقة البقاع كما جاء في اتفاق الطائف، وأن دمشق سوف تأمر بالانسحاب إلى ما وراء الحدود السورية مع لبنان قبل الانتخابات النيابية في لبنان في أيار المقبل، ولم يكن مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة "لارسن" ليصرح بأنه أخذ علما بتطبيق القانون 1559، لو لم يكن سمع ذلك من الرئيس السوري، وبناء عليه فإنه سيزور سورية في نيسان (أبريل) المقبل لتسلم "جدولة الانسحاب"..


وإذا كان من الحكمة أن يستفيد الإنسان من أخطاء الماضي، فإن من الحكمة أيضا أن يبادر فورا إلى استخلاص النتائج، وتصحيح المواقف بحيث يتم تجنب المنزلقات الخطيرة. وفي هذا السياق فإن المطلعين الاستراتيجيين يعتقدون أن أمريكا لن تكتفي بالانسحاب السوري من لبنان، وأن الأيام ستظهر صفحات أخرى دوّنها المحافظون الجدد في أجندتهم بحق النظام السوري.


وعلى ما يظهر فإن دمشق لديها، ليس فقط إحساس، بل معلومات تجعلها تشعر بالخوف من أن تقوم إدارة بوش بفتح ملفات جديدة بعد إكمال الجيش السوري انسحابه من لبنان. وهذا التخوف عبر عنه معاون وزير الخارجية السوري "وليد المعلم"عندما قال في مقابلة مع الجزيرة:"الخلاف مع أمريكا ليس على لبنان". ما يعني أن دمشق لديها العلم الكامل بما هو مطلوب منها أمريكيا، ولذلك عملت على تسريع الانسحاب من لبنان حتى تسحب الذرائع من يد أمريكا.


وليت دمشق فعلت ذلك قبل أن يصدر القرار 1559 ، خصوصا لجهة تعديل الدستور اللبناني والتمديد للرئيس "لحود"، حيث بدا التعديل والتمديد وكأنهما صرخة تحدٍ في وجه أمريكا. نقول هذا الكلام لا لخفض الصوت في وجه أمريكا، فقد كنا وما نزال نفضل رفع سقف التحدي أثناء التعامل معها. ولكن لأن هذه الأنظمة عوّدت أمريكا أن يكون صوتها عاليا، في سوقٍ كانت فيه الأنظمة تدفع من كرامة شعوبها في مقابل سكوت أمريكا عما تفعله في شعوبها.


وإذا كان الوجود السوري في لبنان هو الذي فتح الاشتباك مع أمريكا، فإن هناك ما هو أهم من الملف اللبناني لدى "بوش" لتبييض صفحته في المنطقة العربية، خصوصا وإن الإعلام الأمريكي المناوئ (واشنطن بوست ونيويورك تايمز) أشار أكثر من مرة إلى قيام الإدارات الأمريكية المتعاقبة بدعم الأنظمة المستبدة.


فقد كتب "باتريك سيل" في الحياة يوم الجمعة 11 آذار الجاري "ابتلع بوش من دون أي تمييز رأي المحافظين الجدد القائل إن الهجمات الإرهابية على أمريكا لا علاقة لها بالسياسات الأميركية في العالمين العربي والإسلامي وإنما هي نتاج مجتمعات الشرق الأوسط الخاضعة للخوف والاستبداد".وإذا كان التنويه بدعم أمريكا للأنظمة العربية المستبدة "كلمة حق يراد بها باطل"، فإنه مما لا شك فيه أن هذه الأنظمة خسرت تعاطف شعوبها معها، وأصبحت وحيدة في ساحة المواجهة مع أمريكا.


إن هذا يعني بوضوح أن هؤلاء المحافظين الجدد سيعملون على تغيير الأنظمة التي توصف بالاستبداد. ويضع هؤلاء النظام السوري في رأس قائمة الأنظمة التي سيعملون على تغييرها كما صرح بذلك نائب وزير الدفاع الأمريكي "بول وولفويتز" بعد احتلال العراق عندما قال "سورية تدعم الإرهاب لا بد من التغيير".


ونحن في هذا المقال لا نقوم بتسويق نظريات المحافظين الجدد، ولكننا نعتقد أن احتلال العراق قد فتح شهيتهم على المزيد. كما أن الأنظمة المستهدفة تصبح صيدا سهلا في مرمى أمريكا عندما تنسلخ عن مصدر قوتها وهو التصاقها بشعوبها، خصوصا وأن بوش جعل من نشر الديموقراطية في "الشرق الأوسط الكبير" هدفه الجديد يسوّقه أمام الشعب الأمريكي، بعد أن بدا من ، حيث الظاهر، أن انتخابات العراق كانت أكثر من ناجحة في نظر إدارته.


ولن أكون منافقا فأزعم أنني أبيت ليلي مكدرا من خوفي على النظام البعثي في دمشق-واقع الحال أني أبيت ليلي مكدرا مما يصنعه النظام في الشعب السوري-. ولكني أشعر أن أمريكا لا تستهدف هذا النظام لشخصه. فلطالما قدم هذا النظام لها الخدمات، بعضها معروف لكل الشعب السوري، وبعضها ما يزال طي الكتمان ينتظر الوقت المناسب.


وما يثير القلق أن أمريكا استغلت أخطاء النظام السوري في لبنان –وهي التي كانت تملي له- لكي تخلق جوا يزيد من التباعد بين الدولتين والحكومتين والشعبين، ثم تستفرد بسورية. فإذا ما تمكنت منها كما فعلت مع العراق يكون قد اكتمل لها المحور الثلاثي من بغداد ودمشق وبيروت وصولا إلى القاهرة عبر البحر الأبيض المتوسط.


وللأسف فإن عقلية النظام القديمة مازالت هي التي تتحكم بقراره وتحركه. فبدلا من أن يعمل على تأليف قلوب المعارضةالسورية على اختلاف أطيافها،ويعلن عن انفتاح حقيقي على الشعب يعيد بموجبه الحرية للمواطنين، لجأ إلى أسلوب تسيير المظاهرات في شوارع المدن السورية، وكأنه يريد أن يقول، من خلال الحشود، أن الشعب السوري معه ضد أمريكا.


وقد نسي منظرو المظاهرات وكتاب الشعارات أن الجماهير الرومانية التي خرجت عام 1989 تستقبل "رفسجاني" وتصفق له ولرئيسها، لم يمنعها ذلك بعد أقل من يومين، من أن تنقلب على "شاوشيسكو"، فصفق الشعب الروماني وهتف ضد الدكتاتور بعد أن تحرر من استعباده ،كما صفق وهتف له بالأمس عندما كان يخشى مخابراته. ولأنه كان طاغيةً مستبدا، فلم ينتصر له أحد عندما زلّت قدماه فاعتقل وحوكم وأعدم.


ورغم وقوف جماهير الشعب السوري وقوى المعارضة فيه إلى جانب الذين نددوا بالاحتلال الأمريكي للعراق، إلاّ أن أطروحات الإعلام السوري المؤمم لم تستطع أن تجد -عند الشعب السوري- قبولا في هجومها على الانتخابات التي تمت تحت بنادق الاحتلال الأمريكي، لماذا؟ لأن تلك الانتخابات، وإن كان فيها الكثير مما يؤخذ عليها، فإنها أقل سوءا من انتخابات مجالس الشعب السورية التي كانت تعينها القيادة القطرية، رغم مظاهر الانتخابات الكاذبة المفبركة التي كانت تجري أمام عدسات التصوير.


يجب أن تعترف القيادة السورية أنها خسرت معركتها في لبنان، وأنها في طريقها إلى الخسارة على الساحة السورية ما لم تبادر، وفورا، إلى استدعاء قوى الشعب السوري جميعها من خلال الدعوة إلى انتخابات حقيقية من خلال صناديق الاقتراع الشفافة، وبعيدا عن كل مظاهر التسلط المخابراتية، وأن تتم هذه الانتخابات تحت إشراف دولي وفي حراسة قوى الشرطة السورية–ولا أقول القضاء السوري بعد أن هيمن عليه حزب البعث- التي ما تزال بعيدة عن سيطرة حزب البعث، حتى تعود الحرية والديموقراطية إلى سورية تماما كما كانت في أول يوم بعد خروج جيش الاحتلال الفرنسي في 17 نيسان 1946 .


إن هناك فرصة حقيقية أمام حزب البعث السوري لكي يتصرف، ولو لمرة واحدة، بحكمة، وأن يسلك سلوك الحزب المسئول، قبل أن يخرج من المعادلة السورية كما خرج شقيقه حزب البعث العراقي من المعادلة العراقية. فهل يفعلها الرئيس بشار الأسد قبل فوات الأوان؟.


* كاتب سوري يعيش في المنفى - عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام





1 تعليق حتى الآن ( اضف تعليقك على المادّة فوراً )

--------------------------------------------------------------------------------
رد على الكاتب الظاهر ابراهيم | وسيم حمدي يقول...
بسم الله
لعل المواطن العادي في هذه الإيام يصيبه الدوار ألف مرة كل يوم لما يسمع ويشاهد من أحداث وأراء لايمكن أن تقوده الى موقف واضح ومحدد اتجاه أي قضية بما في ذلك القضايا المتعلقة بوطنه وربما اسباب ذلك كثيرة منها حسب اعتقادي الكثافة الهائلة لوسائل الإعلام (فضائيات -انترنيت -صحافة ....)وسعيها الى ضخ الأفكار والمواقف المحتلفة وبشتى الوسائل مما يجعل الإنسان العادي ينام وهو متبني لموقف معين بناء على خبر سمعه ليستيقظ على خبر آخر مقدم بأسلوب أكثر إقناعا تجعله يغير موقفه فلا يعود الى نومه مرة أخرى إلا ويكون قد بدل موقفه ألف مرة وهذا يعود في رأي الىافتقار هؤلاء الكتاب وأصحاب المواقف المضحوحة عبر وسائل الإعلام الى الحجة والمنطق والنزاهة التي تتطلب النظر بعينين سليمتين فمثلا الكاتب الظاهر يتحدث غن النظام في سوريا وكأنه بعبع بنظر الشعب فهل الأمر الى هذا الحد بالغ السوء أليس هناك إيجابية واحدة يمكن ذكرها لتبين على الأقل رغبة معينة في النزاهةونقل الصورة كاملة , فماذا تقول عن التعليم المجاني وماذا تقول المشافي المجانية والمرافق العمرانية التي نمتد الى حد ما في سائر انحاء سوريا وماذا تقول عن بعض المواقف التي تبناها النظام ضد اسرائيل ومشاريعها التوسعية في المنطقة ودعمه لحركات المقاومة في فلسطين ولبنان باعتراف هذه الحركات نفسها ووقوفه لوحده ضد العدوان الإخير على العراق كل هذا نعم يسبب ضغوط كبيرة عليه وعلى الشعب ولكن اليس هذا أحفظ لما تبقى لنا من كرامة بفضل الإشقاء العرب .... أنا شخصيا عشت في أكثر من بلد مجاور بكل صدق الحال في سوريا رغم الكثير من المشاكل الإقصادية والثغرات في مؤسساتنا والضغوط الخارجية الهائلة أفضل وأعز وأشرف ....




اضف مشاركتك هنا



--------------------------------------------------------------------------------


الإسم (ضروري)


البريد الإلكتروني(ضروري)


عنوان المشاركة (ضروري)


مشاركتك (ضروري)
الكثيرون في المنفىوهذا ليس فخراً لأي نطام سياسي وقرأت مرة إن إقالة صدام سيفتح المجال للقوى الإسلامية ونرى اليوم النتائج في العراق فهل هذا مانريده لسوريا؟نعم نحن مع الإنتخابات الشفافةورأينا ماجرى في روسيابعدالتحولات ونرى كيف الصين تتطور اليوم عندما حافظت على مؤسسات الدولة والإنتقال الهادئ وهناك تغيرات لابأس بها في سوريا.فإذا نظرنا إلى الأمر من كل جوانبيه فليس هناك موقف مشرف بالنسبة للسياسة الخارجية مثل مواقف سوريا بين البلدان العربيةمن معارك أيلول الأسودوحرب 1973 ودخول قوات الردع العربية ووقف الحرب الأهلية في لبنان وحرب 1982 وتضحيات الجندي السوري على طريق دمشق بيروت.إن عدم زيارة أمريكا من قبل الرئيس السوري ومواقفهاالوطنية والقوميةوالتي لم تنفرد بالصلح مع اسرائيل قيل حل منطقي للقضية الفلسطينية أظن هذا ماقصده نائب وزير الخارجية وليد المعلم وليس كما يريد الكتاب تفسيره .سوريا تعرف ماتريده أمريكا وماتريده اسرائيل ومايبغيه الأخرون .نحن نعيش قي الغربة ولنا مواقفنا الوطنية نحن لسنا بعثيون ولم نستفيد من السلك المخابراتي إلا الحب للديموقراطية لكن نحن أيضاًلسنا الشلبي أو فريدالغادري.نحن مع الإعتمادعلى قوى الشعب لكن لسنامع تبديل البدلة العسكرية من أجل التبديل وتبديل السجون ممن المزة إلى أبوغريب وكما يقول الرئيس الأمريكي من ليس معتا فهو ضدنا ونحن نقول اليوم من ليس مع سوريا هو مع دول محور الشر امريكاواسرائيل
مع المحافظون الجددمع انكلوساكسون والتيارات الخليطة من البروتستانتية واليهودية.نأمل العمق في تناول المواضيع ونشكر مجلة العصر المحترمة التي تتحيح المجال للتعبير عن الرأي ومستوى الأقلآم الرفيعة على صفحاتها. لجنة التضامن مع سوريا /روسيا






حقوق النشر محفوظة