آخر الأخبار

روسيا وسياسة المحاور في مواجهة الولايات المتحدة 1-2

2005-3-16 | علي حسين باكير روسيا وسياسة المحاور في مواجهة الولايات المتحدة 1-2

بعد سقوط جدار برلين في 9/11/1989، انهار الاتحاد السوفيتي الذي كان يشكل القطب الثاني مع الولايات المتّحدة في النظام الدولي القائم على الثنائية القطبية. وتقلصت رقعة الاتحاد السوفيتي إلى روسيا الاتحادية مع ما رافق ذلك من انهيار اقتصادي وضعف سياسي وفوضى كبيرة في الفترة الانتقالية التي عاشتها روسيا الاتحادية خلال تحولها من الشيوعية إلى الليبرالية. وكان عليها طيلة هذه الفترة مراعاة التحولات الجغرافية السياسية الإقليمية والدولية، وأن تتجنب قدر الإمكان أي مواجهات خارجية تعيق وقوفها على قدميها وترسخ سلطتها المركزيّة التي ستؤمّن لها فيما بعد قوة سياسية واقتصادية مهمة، فكانت السياسة الخارجية الروسية وخاصة في عهد يلتسن متوافقة تماما مع المطالب الأمريكية والدولية، حيث كان الازدراء الأمريكي والغربي لروسيا واضحا لا سيما عندما كانت روسيا تستجدي المساعدات المالية الغربية إثر الفقر الذي ألم بها وبشعبها في تلك الفترة.

وفقدت روسيا في هذه المرحلة قوتها السياسية الدولية ونفوذها الإقليمي والدولي، وقد بدا ذلك واضحا إثر وقوفها مكتوفة الأيدي تنظر إلى حليفها ميلوزوفيتش وهو يزاح من السلطة في الحرب الأمريكية على يوغوسلافيا عام 1997. لكن الوضع اختلف في عهد بوتين، حيث بدأت روسيا تستعيد مجد الاتحاد السوفيتي الضائع محاولة تحقيق توازن بين المعارضة التدريجية اللينة إزاء التوسع الظاهر لحلف شمال الأطلسي في مناطق نفوذها السابقة وبين المحافظة على علاقتها الحسنة بالولايات المتحدة وكل من ألمانيا وفرنسا.

وقد توافقت في تلك الفترة سياسة بوتين الهادفة إلى تحديث الجيش وخفض نفقاته عبر التخلّص من الأسلحة النووية المكلفة ومن الصواريخ البالستيّة، مع توجهات الإدارة الأمريكية لتجريد روسيا من قوتها النووية التي تعتبر خطرا من المنظور الأمريكي سواء بقيت في خدمة الروس أم انتقلت إلى أيدي منظمات ودول أخرى نتيجة لتدهور الوضع الاقتصادي وحاجة روسيا الماسة إلى المال.

ففي هذا الإطار وقعت روسيا والولايات المتحدة معاهدة تخفيض الأسلحة الإستراتيجية الهجومية في موسكو في 24 مايو 22، الأمر الذي حدَ من الترسانة النووية للبلدين، لتصل كحد أقصى إلى ما بين 17 و22 رأسا نوويا لدى كل طرف حتى العام 212، ولم تكن روسيا قادرة على إتلاف عدد كبير من الرؤوس دون المساعدة الماليّة الأمريكية، مما اضطرها للمحافظة على علاقة جيدة بالولايات المتحدة، تتوجت في نهاية المطاف بالتحالف الدولي ضد "الإرهاب" في أعقاب أحداث 11 أيلول، حيث وقفت روسيا جنبا إلى جنب مع أمريكا وقدمت جميع المساعدات اللازمة لها في إطار مكافحة الإرهاب والقضاء على نظام طالبان في أفغانستان.

واستمرت العلاقة الجيدة بين روسيا والغرب إلى أن جاءت الحرب الأمريكية على العراق، والتي شقت صف المجتمع الدولي، حيث عارضت روسيا هذه الحرب بشدة لدرجة أنها هددت بداية باستخدام الفيتو في مجلس الأمن إذا لجأت أمريكا إلى الأمم المتحدة لشن الحرب على العراق. وبدا في تلك الفترة أن روسيا أصبحت تتمتّع بقدر أكبر من الاستقلاليّة على الصعيد الإقليمي والدولي، وقد ترافق ذلك مع بروز سياسة روسيّة خارجيّة واضحة المعالم تقوم على تفعيل دور روسيا على الصعيد الإقليمي والدولي بحيث لا تخضع لأي هيمنة أو ابتزاز، وتدعو إلى عالم متعدّد الأقطاب يسمح بجانب من المناورة والتأثير على مجريات الأحداث الدوليّة ويرفض سيطرة الولايات المتحدة المنفردة على النظام العالمي، فحاولت تشكيل العديد من المحاور والتحالفات لكسر هذه الهيمنة، فكان من محاولاتها:

أولا:لقد حاولت روسيا جاهدة صد التحرّكات الأمريكية تجاه العراق، ففعلت دبلوماسيتها الخارجية باتجاه الأوروبيين، وقد أدى النشاط الروسي في هذا المجال إلى قيام محور روسي- فرنسي- ألماني معارض للحرب على العراق، تأكد في توقيع الإعلان الثلاثي الروسي، الفرنسي، الألماني ضد الحرب في 1/2/23. إلا أن هذا الحلف لم يستطع وقف زحف أمريكا تجاه العراق، وما لبث أن تبدد اثر إعادة كل من فرنسا و ألمانيا لحساباتهما في التعامل مع روسيا وعدم الانجرار إلى خطوات غير محسوبة النتائج في وجه الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة أن فرنسا قد تعرضت لحرب شعواء على كافّة الصعد السياسية والاقتصادية من قبل الأمريكيين نتيجة لموقفهم هذا، فما كان من الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلا أن تمنى "نصرا سريعا للأمريكيين في العراق"، فيما تعهدت ألمانيا بتقديم ما بوسعها لمساعدة الأمريكيين لانجاز مهمّتهم في العراق.

انفردت حينها الولايات المتّحدة بروسيا، فحاولت تأديبها وابتزازها إثر تسريب الأمريكيين لأخبار مفادها أن روسيا كانت ما تزال تساعد الجيش العراقي وتمده بمعدات لوجستية ومناظير وأسلحة متطورة، وأنها ساعدت في تهريب الرئيس العراقي عبر سفارتها في بغداد إلى الخارج.

ثانيا: شنّت أمريكا حملة انتقادات واسعة وشديدة على روسيا، فما كان منها إلا أن سعت إلى تشكيل تحالف من نوع آخر مع العالم الإسلامي، وذلك لضمان ما تبقى من مصالحها ونفوذها في محاولة لإعادة فرز وتشكيل القوى والتحالفات، خاصة في ظل مشروع الشرق الأوسط الكبير. فأعلنت روسيا عن رغبتها بالانضمام إلى منظّمة المؤتمر الإسلامي بصفة مراقب في آب من العام 23 خلال زيارة بوتين لماليزيا، تلا ذلك زيارة تاريخيّة لولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز إلى روسيا، حيث كانت الأخيرة تحاول إقناع السعوديين بعدم الاعتماد كلّيا على التسلح الأمريكي على الصعيد العسكري وذلك لمواجهة التحديات المقبلة خاصة في ظل الحملات الأمريكية الإعلامية الشديدة على السعودية، كما تم الاتفاق بين الطرفين على موضوع النفط بشكل موحّد.

كما رفضت روسيا في تلك الفترة طلبا أمريكا يقضي بإيقاف تعاونها النووي مع إيران، واعتبر بوتين في اتجاه تعزيز هذا التحالف مع العالم الإسلامي أن حصار الرئيس الفلسطيني عرفات خطأ يجب التراجع عنه، وأكد على ضرورة حل القضية الفلسطينيّة بشكل عادل وعلى جعل خارطة الطريق قرارا دوليا صادرا عن مجلس الأمن، في محاولة من روسيا لكسر التفرّد الأمريكي بالقضيّة والتخفيف من الدعم الأمريكي لإسرائيل في هذا المجال.

ثالثا:هذا النوع من التحالف كان هشا، فحاولت روسيا تشكيل مثلّث استراتيجي روسي- صيني- هندي اثر فشل المحور الأوروبي، وكانت روسيا تعتقد أن هكذا مثلثا يضم ثلاث بلدان نووية وأكثر من 2،5 مليار نسمة لا شكّ بأنه سيكون قادرا على موازنة القوة الأمريكية في السنوات القادمة وكسر تفردها بالنظام الدولي. و كانت فكرة تشكيل "مثلث استراتيجي" اقترحها لأول مرة رئيس الوزراء الروسي السابق ايفيني بريماكوف عام 1998. وعلى العموم لم تنجح مساعي بوتين لتثبيت هذا المثلث، إذ إن بكين رفضت الفكرة على اعتبار أن هكذا مثلثا سيضعها مباشرة في مواجهة أمريكا في وقت ليست مستعدة فيه لمثل هذه المواجهة، فيما بقي موقف نيودلهي غامضا وغير واضح. أضف إلى هذا أن الهند والصين ليستا على اتّفاق ولديهما الكثير من المشاكل الحدودية والعسكرية والاقتصادية تجاه بعضهما البعض.

وخلال كل هذه المحاولات الروسية لإقامة محاور وتحالفات متعددة، كانت العلاقة بينها وبين أمريكا متوتّرة ويشوبها الشك في التعامل والترصد. فقد كان هناك فريق داخل الإدارة الأمريكية لا يزال يعتبر أن روسيا تشكل خطرا على أمريكا ومصالحها، وعليه قاموا بتقسيم أوروبا من الناحية السياسية إلى ثلاثة تصنيفات وهي: الخصوم، والدول التي يمكن التغلب عليها والحلفاء. وقالوا إنّه ومن الطبيعي، أن تعد روسيا العدو الأول للولايات المتحدة الأمريكية في أوروبا، حيث تعتبرها العائق الأكبر أمام محاولاتها للسيطرة على الشؤون الأوروبية لفترة طويلة من الزمن. وتعتقد الولايات المتحدة أنه إذا استطاعت دولة أوروبية -يوما ما- إظهار التحدي للهيمنة الأمريكية، فستكون هذه الدولة هي روسيا بما تمتلكه من قدرات مادية وبشرية.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

فادي

اللهم انصر روسيا على امريكيا