خفايا الانقلاب في الموقف الفرنسي من سوريا

2005-3-13 | علي حسين باكير خفايا الانقلاب في الموقف الفرنسي من سوريا

يثير الموقف الفرنسي من التطورات الحاصلة في المنطقة مؤخرا تساؤلات عديدة ويطرح شكوكا مشروعة حول طبيعة هذا الموقف، خاصة في شقّه المتوافق جدّا مع توجهات الولايات المتحدة الأمريكية، سيما أنّ فرنسا كانت وحتى وقت قريب جدا تقود المحور الروسي-الفرنسي-الألماني في مواجهة أمريكا ومخططاتها، فماذا جرى حتى تتبدّل الموازين وتنقلب المواقف؟، وهل الموقف الفرنسي الراهن هو موقف آني أم إستراتيجية حسم أمرها بعد الفشل في مواجهة التعنت الأمريكي ونجاح بوش في ولاية ثانية؟

في الحقيقة تبرز في هذا الإطار قراءتان مختلفتان للموضوع:

القراءة الأولى: ترى أنّ فرنسا كانت تتوقع من حلفائها التاريخيين في المنطقة وفي مقدّمتهم سوريا تنسيقا وتعاونا أكبر في مواجهة الموقف الأمريكي، وفي هذا السياق تفاجأت فرنسا من التحركات الدبلوماسية السورية بعد الحرب على العراق مباشرة والتي كانت حسب وجهة نظرها تقربا من واشنطن على حساب فرنسا، خاصة إثر تسرب معلومات مؤكدة إليها عن اجتماعات سورية أمريكية على مستويات مختلفة عسكرية واقتصادية وسياسية مما يخالف الاتّفاق الضمني بين باريس ودمشق. وجاءت عملية اختطاف الرهينتين الفرنسيتين (الصحفيين) آنذاك لتؤكد وجود خلاف كبير بين سوريا وفرنسا، ولجأت فرنسا في إطار المساعي لإطلاق سراحهما إلى كل من مصر والأردن وقطر، فيما أهملت سوريا على الرغم من معرفتها بقدرة السوريين على تقديم المساعدة بشكل أكبر في هذا الملف. أكثر من ذلك فقد اتهمت جهات داخل فرنسا سوريا بالقيام بالعملية لكبح التقارب الفرنسي الأمريكي، وفي هذا الإطار حاول شيراك إفشال مهمات وسطاء فرنسيين توجّهوا لسوريا للترتيب لعملية الإفراج عن المعتقلين مع الجهات السورية، وهو ما اعتبرته القيادة السورية إشارة سلبية جدا من السلطة الفرنسية.

وبالتالي رأت فرنسا أنه إذا كان حلفاؤها في المنطقة يتواصلون مع أمريكا مباشرة، فما مصلحتها في استبقاء العداء مع واشنطن، خاصة أن الأخيرة كانت قد شنت هجمات لاذعة ضدها سياسيا واقتصاديا وإعلاميا لعزلها وإدانتها وعقابها على موقفها إبان الحرب على العراق، ولهذا فالأفضل التفاهم مع الأمريكيين والتحاور معهم والتفتيش عن المصالح المشتركة، وفي هذا الإطار لا بدّ أن تلقّن فرنسا سوريا درسا لتنازلها عنها مسبقا.

لكنّنا نتحفّظ كثيرا على هذه القراءة ونراها منقوصة وتضليليّة كما أنها إن صحت يمكننا تفهم الموقف السوري فيها في التعامل و التعاون مع الأمريكيين خاصّة أنّ مفاتيح اللعبة أصبحت مع الولايات المتّحدة في الملف الفلسطيني والملف العراقي بعد أن أصبحت أمريكا جارة لسوريا وعلى حدودها، وبالتالي لا ضير في أن تقوم سوريا بفتح حوار في ذلك الوقت مع أمريكا بدلا من انعزالها. وهنا لا يمكننا تبرير الموقف الفرنسي لأن فرنسا ليست دولة صغيرة كسوريا وبالتالي ليس عليها المناورة بهذا الشكل وعندها المقومات التي تدعم صمود موقفها من أمريكا، وإلا فإننا سنعتبر تصرفها انتهازية وديماغوجية وحماية لمصالحها الخاصّة فقط.

القراءة الثانية: تقول إن فرنسا شيراك تأثّرت بالأوضاع الداخلية التي شهدت تناميا للوبي الصهيوني الموالي لإسرائيل والمعادي لسوريا داخل حزبه، وسمَت بعض المصادر اسم "سيرج داسو" واللوبي الاقتصادي الإعلامي الذي كان أحد عناصر الضغط في تحوّل الموقف الفرنسي من سوريا، أضف إلى ذلك أنّ فرنسا أعادت مراجعة حساباتها بعد الغزو الأمريكي للعراق فوجدت خسرت وبكل المقاييس.

ففي موضوع العراق، خسرت فرنسا معركة العراق مع أمريكا فقد كانت فرنسا للعراق الشريك التجاري الأوّل، كما أن الديون العراقيّة لفرنسا كانت كبيرة جدّا ناهيك عن الشركات الفرنسية العاملة في العراق، وهذا يعني أنّ الهجوم الأمريكي على العراق أدى إلى فقدان فرنسا لنفوذها في هذه المنطقة، إضافة إلى أموالها ومصالحها. وأدركت فرنسا أنّ سيطرة أمريكا على منابع النفط بشكل مباشر - والتي كان العراق خارج إطارها إلى ما قبل الاحتلال- سيعني قدرة الولايات المتّحدة على التحكّم باقتصاديّات الدول الأوروبيّة و نموّها خاصّة و أنّها تستهلك نسبة كبيرة من نفط المنطقة.

حتى بالنسبة لحلفاء فرنسا في المحور الفرنسي الألماني الروسي، فقد كانت فرنسا الخاسر الوحيد بينهم، فروسيا أصبحت محور استقطاب لحلفائها القدامى وآخرين جدد في المنطقة كسوريا وإيران وتركيا واستفادت من صفقات عسكرية وتجارية واقتصادية، وبالتالي عزّزت موقعها في المنطقة في حين لم تتلق ألمانيا ضغوطا كبيرة كونها أقل تأثيرا في المنطقة، في حين كان نصيب فرنسا خسارة مواقعها القديمة (العراق) و(سوريا ولبنان) وتوترت علاقاتها مع تركيا وصبّت أمريكا جام غضبها عليها وحرمت شركاتها من الاستثمار وقاطعتها اقتصاديا وإن بشكل داخلي و شنّت حربا سياسية وإعلامية ضدّها.

لقد رأت فرنسا أنّ المعادلة وضعتها مباشرة في وجه أمريكا، كما أنّ أطرافا أخرى، كتركيا مثلا، استفادت من الموقف وأخذت تستغل الهجوم الأمريكي على فرنسا وتجييره لصالحها في أي محادثات معها فيما يتعلّق بانضمامهم للاتّحاد الأوروبي، خاصة في قمة حلف شمالي الأطلسي التي عقدت في اسطنبول، والتي اعتبرت فرنسا فيها وعبر شيراك حديث بوش بضرورة انضمام تركيا لأوروبا، بأنّه تدخّل سافر في شؤونها الداخلية.

أضف إلى ذلك أنّ الولايات المتّحدة استطاعت أن تستقطب دولا من داخل أوروبا، وهو ما أدى إلى انشقاق في الاتّحاد الأوروبي وإلى إضعافه وإثارة الخلاف بين أعضائه، وأفقد فرنسا الكثير من سطوتها وفعاليتها كقائدة للاتّحاد الأوروبي.

وبناء على هذه القراءة ترى فرنسا أنّ أولويتها هي استعادة العلاقات الحسنة مع الولايات المتحدة، خاصة وأن عليها التعامل مع حقيقة أن جورج بوش قد تم انتخابه لولاية ثانية في محاولة منها لإنقاذ ما تبقى من مصالحها في المنطقة والاستفادة من المكاسب الأمريكيّة، وبالتالي يجب التضحية بأحد الأوراق الفرنسية لتثبت صدق توجهها الجديد لأمريكا فكانت سوريا ولبنان على أمل أن تكسب فرنسا إيران، ولا تضحي بها في هذا الإطار.

وتبدو هذه القراءة أوضح خاصّة أنّ التقارب الفرنسي بدا كأنّه إستراتيجية مدروسة وليس تكتيكا آنيا، وذلك عبر رصدنا للخطوات التدريجيّة التي قامت بها فرنسا على الشكل التالي:

أولا: صنفت فرنسا ومعها الاتحاد الأوروبي حركات المقاومة الفلسطينيّة، وتحديدا حماس والجهاد بأنّها حركات إرهابية مع ما يترتب على هذا التصنيف من نتائج على كافّة الأصعدة، وجاء ذلك لإرضاء أمريكا وتجنّبا لسخطها في إطار ما يسمى الحرب على الإرهاب، فهل اختلفت فرنسا في خطوتها هذه عن أمريكا وإسرائيل؟.

ثانيا: فقد حضرت فرنسا في قمّة الثماني الكبار (G8)، التي عقدت في 9/6/24 في سي ايلاند بولاية جورجيا الأمريكيّة، حيث شاركت في صفقة غير أخلاقية اقتضت بأن تقوم الولايات المتّحدة بتعديل مشروع الشرق الأوسط الكبير بما يتناسب مع مصالح ووجهات النظر الأوروبية مقابل أن توافق فرنسا على تمرير مشروع القرار الأمريكي الذي طرح على مجلس الأمن آنذاك، قرار 1546، والذي ينص على انتهاء الاحتلال الأمريكي للعراق، مع العلم أن فرنسا كانت تدرك جيّدا أن الاحتلال لم ينته وأن أمريكا لازالت موجودة، وقد أدّت هذه الصفقة في حينه إلى ازدياد شعبية بوش نتيجة وخروج عناوين الأخبار بـ"بوش ينجح في الحصول على موافقة الدول الثماني الكبرى على مشروع الشرق الأوسط الكبير المعدّل، و ينجح في الحصول على قرار مجلس الأمن بانتهاء الاحتلال".

ثالثا: في 2 سبتمبر/ أيلول، 24 وبعد مناقشات سرية، توصلت الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا مجتمعتين إلى بلورة صيغة القرار 1559 في مجلس الأمن الدولي، بمعنى أنّ فرنسا شاركت بتمرير القرار ضدّ سوريا ولبنان "الصديق التقليدي لفرنسا!!"، وهو يهدف إلى ابتزاز السوريين للموافقة على كافة الشروط الأمريكية فيما يتعلّق بالعراق والحرب على الإرهاب وبإستراتيجية أمريكا للدفاع عن إسرائيل مهما كلّف الثمن، كما يهدف القرار إلى كسر شوكة اللبنانيين وتحجيم انتصارهم في تحرير أرضهم، وأخذ حقّهم وتطبيق قرارات الشرعيّة الدوليّة بالقوّة، فهل كانت فرنسا تجهل كل ذلك؟! هل نسي شيراك ما قال في آخر كلمة له أمام البرلمان اللبناني منذ عدّة أشهر: "إن خطوات إعادة الانتشار وفقا لاتفاق الطائف ومرجعيته الدولية تعني أن الانسحاب العسكري السوري غير ممكن بأي صورة قبل تحقيق السلام الشامل في المنطقة"!!!

فما الذي تغيّر منذ ذلك الوقت وحتى الآن؟، أهي مصلحة لبنان وسوريا التي تغيّرت أم أنها مصلحة فرنسا التي تغيّرت؟


تم غلق التعليقات على هذا الخبر