مستقبل لبنان بين حزب الله والمعارضة اللبنانية: من يفرض خياراته؟

2005-3-11 | أميبمة عبد اللطيف مستقبل لبنان بين حزب الله والمعارضة اللبنانية: من يفرض خياراته؟

بعد أيام قلائل من اغتيال الرئيس رفيق الحريري خطب الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في اللبنانيين بمناسبة عاشوراء. وقال محذرا من استخدام الشارع اللبناني كأداة لتحقيق أغراض سياسية. فلكل جماعة في لبنان شارعها الذي يمكنها أن تحركه. غير أنه ولمدة ثلاثة أسابيع لم تصغ المعارضة السمع، فكان أن ترك الشارع اللبناني ساحة اختطفتها المعارضة اللبنانية لتسوق لأجندة ومشروع قد لا يشاركها معظم اللبنانيين فيه. فوجد الأمين العام نفسه مضطرا للعودة لذات الشارع الذي طلب إخراجه من لعبة الفرز السياسي الحاصل في لبنان في مرحلة ما بعد الانسحاب السوري. لذا كانت دعوته التي استجاب لها مئات الألوف والتي تجلت في أضخم تظاهرة يشهدها لبنان في تاريخه بحسب ما وصفتها الصحف اللبنانية، أو "تظاهرة حزب الله" بحسب ما وصفتها صحيفة النهار لسان حال المعارضة اللبنانية.

وقد كانت العناوين الرئيسية للتظاهرة بحسب نصر الله هي توجيه الشكر لسوريا والاحتجاج على التدخل الدولي في الشئون اللبنانية. وتنفي مصادر حزب الله تماما أن تكون المظاهرة "استعراض عضلات" للحزب في الشارع، والرغبة في الإظهار للمعارضة بمدى قوة ونفوذ الحزب في الشارع، وهو أمر لم تجرؤ المعارضة لأن تجاهر بالتشكيك فيه أصلا. الغرض من التظاهرة هو إرسال رسالة للخارج بأن تظاهرات المعارضة اللبنانية المناهضة للوجود السوري في لبنان، والتي استخدمت فيها شعارات تنضح بعنصرية بغيضة ضد كل ما هو سوري والتي احتفت بها وسائل الإعلام الغربية بشكل مبالغ فيه حتى اعتبرتها تدشينا لربيع الديمقراطية في الوطن العربي، ليست هي كل لبنان. وبحسب مصادر في الحزب، فإن التظاهرة أرادت بالأساس القول بأن هناك لبنان آخر يحتاج لأن يسمع صوته للعالم، وهو لبنان عربي ومقاوم.

غير أن ثمة عناوين أخرى غير مقروءة من وراء تلك التظاهرة، فبعض الأقطاب في المعارضة اللبنانية، ممن عملوا على تحييد حزب الله من السجال الدائر بين فريقي المعارضة والموالاة، رأوا بأن الحزب قد ألقي بثقله وراء فريق الموالاة، حتى إن بعضهم ذهب مع التحليلات الغربية التي أجمعت معظمها على أن الحزب يفعل ذلك من باب الدفاع عن نفسه لأنه سيكون الخاسر الأكبر من الانسحاب السوري، حيث كان يؤمن له غطاء سياسيا ودعما معنويا كبيرا في الداخل.

وقد كان الحزب قبل ذلك منخرط أكثر في لعبة التوازانات الإقليمية، وكان الهم الداخلي اللبناني يأتي دائما في مرتبة تالية في سلم أولويات الحزب. أما الآن فقد أراد الحزب أن يبرهن على مدى القوة التي يمتلكها في الداخل اللبناني. لهذا السبب كان العدد مهما، فهو يدل ليس فقط على من لديه القدرة على تحريك الشارع وبأي عدد، ولكنه مهم أيضا لجهة باعتباره دالا على من يمتلك "الجيش الأكبر عددا وعدة". وهذا مهم لأنه يؤشر على أنه حين تهدأ عاصفة السجال السياسي التي تجتاح لبنان منذ مقتل الحريري، وحين يجلس الفرقاء على طاولة التفاوض حول ما هو المشروع الوطني الذي يريدونه للبنان، سيكون للطرفين الشيعيين

-حزب الله وحركة أمل- بحكم العدد والعتاد والنفوذ القول الفصل، هذا إذا ظلت اللعبة السياسية لبنانية-لبنانية ولم يتم استقواء المعارضة بالقوى الخارجية لعمل انقلاب أبيض. على الأقل الكلام الصادر عن الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بعد لقائه بمنسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي يقول بذلك، حين صرح اليوم بأن سقف المعارضة هو اتفاق الطائف وليس 1559، بسبب موقف الأخير من حزب الله. هذا هو الكلام المعلن على الأقل حتى الآن.

يرى مراقبون بأن طبيعة العلاقة بين الحزب والمعارضة اللبنانية هو الأمر الوحيد الذي من شأنه أن يؤثر علي مستقبل لبنان. رغم أن دمشق ستظل لفترة ما هي من يضع أجندة الموضوعات للنقاشات السياسية في بيروت. ولكن هناك موضوعين أشار إليهما بشار الأسد بشكل مختصر وإن متعمد في خطاب الانسحاب الشهير في مطلع الأسبوع حيث تحدث عن حماية المقاومة وحذر من اتفاق 17 أيار يلوح في الأفق وهو الاتفاق الذي كان الرئيس اللبناني السابق بشير الجميل بصدد التوقيع عليه مع إسرائيل في مايو 1983 وحال اغتياله دون ذلك. والأسد حين تحدث عن 17 آيار جديد كان بطبيعة الحال يعني محاولة توقيع معاهدة صلح منفرد بين لبنان وإسرائيل. لذا لم يكن مفاجئا أن يطالب نصر الله المعارضة بتقديم إجابات على أسئلة محددة تتعلق بمدى صحة ما ذكرته الصحافة الإسرائيلية من حدوث اتصالات بين بعض عناصر من المعارضة اللبنانية وإسرائيل، وأن تلك العناصر طالبت إسرائيل بمواصلة الضغط علي أمريكا لتواصل ضغطها علي سوريا. وقد ذكر لي محمد فينيش عضو البرلمان لكتلة الوفاء للمقاومة، وهي كتلة الحزب بالبرلمان اللبناني بأن مخاوف الحزب من أن ثمة اتصالات جرت بين بعض من أقطاب المعارضة وإسرائيل هي مخاوف مشروعة "لأن بعض من هذه العناصر لديها سجل سابق في عمل اتصالات مع إسرائيل، وهو بالنسبة لنا خط أحمر ونريد منهم أن ينفوا الأمر كلية".

حتى الآن ليس ثمة نفي قاطع من المعارضة اللبنانية، وإنما عبارات عائمة من قبيل أن المعارضة اللبنانية لا تسعى لأن تتصل بأحد في الخارج فما بالك إسرائيل"، ولكن هذه العبارات تظل غير ذات معني بالنسبة للحزب في ظل الأوضاع الحالية، مثلما هو الحال بالنسبة للعبارات التي تطلق روتينيا حول "ضرورة الدفاع عن المقاومة"، وهي أيضا غير ذات معنى حينما يقوم أقطاب من المعارضة اللبنانية برئاسة وليد جنبلاط بزيارات لدول غربية، بل ويستقبل من قبل كبار الساسة الغربيين، والذين هم بفعلتهم تلك كأنهم يعلنون بشكل غير مباشر عن دعمهم لهذا الفريق من اللبنانيين وللأطروحات التي يقدمونها دون بقية اللبنانيين الذين أثبتوا أنهم غالبية ترفض العواصم الغربية أن تعيرهم اهتماما، لأن طروحات المعارضة يتصادف وأنها تتفق مع ما يريده الغرب الآن للمنطقة وللبنان في هذا الوقت بالذات. وتتصرف المعارضة وكأنها الوحيدة المعنية باستقلال وسيادة لبنان وكأنها الوحيدة المعنية بكشف حقيقة مقتل الحريري.

ربما من الضروري، وقد حقق الحزب هذا الزخم الشعبي على الأرض، وقد أثبت أنه رقم ليس هينا في المعادلة الداخلية ونظرا للأصوات المتناقضة أحيانا الآتية من صفوف المعارضة اللبنانية ما بين يمين متطرف ضد حزب الله تماما وبين أصوات عاقلة تتحدث عن ضرورة حماية المقاومة، ربما والحال كذلك، أن يسعى الحزب لأن يحصل على ما هو أشبه بـ"خطاب ضمان" تلتزم به قوى المعارضة فيما يخص الموقف من المقاومة والعلاقة أو الاتصالات مع إسرائيل. على المعارضة أن تعترف بأن المقاومة ليست ميلشيا، وبالتالي تكون غير معنية بالقرار 1559، ولكن يجب أن يكون هناك إجماع وطني لبناني حيال هذا الأمر، وأن يتم التصدي لمحاولات بعض المعارضين الذي يسعون لكسر هذا الإجماع الوطني الذي تشكل خلال سنين ما بعد الطائف حول ما تعنيه المقاومة بالنسبة للبنان والعرب عموما، وبالتالي إضعاف حزب الله داخليا وكسر شوكته. ولكن يبقي السؤال الأهم الذي يطرح نفسه على الساحة اللبنانية: هل المعارضة اللبنانية هي التي استخدمت الولايات المتحدة لاستعادة سيادة لبنان واستقلاله، كما يزعم بعض زعماء الطوائف؟ أم أن الولايات المتحدة هي التي تستخدم اللاعبين المحليين —بوعيهم أو بدونه— من أجل تنفيذ خطة كانت في حاجة إلى حادثة من نوع "بيرل هاربور" جديد لتنطلق على شاكلة اغتيال الحريري.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر