آخر الأخبار

حدود القوّة الأمريكية -1-

2005-3-11 | حدود القوّة الأمريكية -1-

لم تستطع أمة أن تفرض سيطرتها وتهيمن على الآخرين كلّيا منذ أن فعل الرّومان ذلك باستثناء الولايات المتّحدة، وكما قالت -الايكونوميست- "فإنّ الولايات المتحدة تعيد تركيب العالم كما تريد، فهي تسيطر على قطاع الأعمال والتجارة والاتصالات واقتصادها من أنجح الاقتصاديات في العالم وهي الأقوى والأفضل عالميا من حيث القوّة العسكريّة"(1).

هذا وقد ذكر وزير الخارجيّة الفرنسيّة "هوبير فيدرين" في عام 1999 أن الولايات المتّحدة قد تخطّت مرحلة القوّة العظمى في القرن العشرين إلى أكثر من ذلك "فالهيمنة الأمريكيّة امتدّت إلى كافّة النواحي الاقتصاديّة والماليّة والعسكريّة العالميّة لتطال طرق الحياة واللغة والنتاج الفكري والثقافي للآخرين، لتعيد تشكيل الأفكار وتسحر حتّى أعداءها"(2)."فالنظام الدولي اليوم لم يعد يقوم على توازن القوى كما كان عليه الأمر سابقا و إنما أصبح نظام القطب الواحد والهيمنة الأمريكية"(3)، حيث زاد الاعتماد العالمي عليها ممّا دفع بالكثيرين للقول إن العولمة في هذا العصر ما هي إلا امبرياليّة أمريكيّة متنكّرة بأشكال عديدة، فالعولمة بحسب المجلّة الألمانية "داشبيغل" ترتدي ملصق "صنع في الولايات المتّحدة الأمريكيّة"(4).

لا شكّ بأن الولايات المتّحدة اليوم هي القوة رقم واحد في العالم، لكن إلى متى تستطيع الاستمرار في ذلك والحفاظ على مرتبتها وقوّتها؟ ماذا يجب علينا أن نفعل بهذه القوّة؟

يقول بعض المثقّفين والباحثين إن هذه الأحادية القطبية والقوة الأمريكية والهيمنة الواسعة ما هي في حقيقة الأمر إلا نتيجة سقوط الاتحاد السوفيتي السابق، وعليه فإن "مرحلة الأحادية القطبيّة" ستكون مؤقتة وقصيرة(5)، ولذلك فإن على الولايات المتّحدة أن تستخدم القوّة والهيمنة على العالم بشكل انتقائي. هذا بينما يرى آخرون أن الولايات المتّحدة تمتلك من القوّة ما يمكّنها من الهيمنة والسيطرة على العالم لعدّة عقود مقبلة، والأحادية القطبيّة ستمتد من فترة مؤقّتة إلى عصر أو حقبة كاملة (6) . فقد ذكر تشارلز كروثامير في بداية 2001 أنه وبعد مرور عقد على انهيار الاتّحاد السوفيتي، يجب على الولايات المتّحدة أن تدشّن الحقبة الحقيقة في سياستها الخارجية لما بعد الحرب الباردة، بحيث يجب على الإدارة أن تعيد أولا تأكيد مفهوم الحرّية الأمريكي وأن ترفض لعب دور المواطن الدولي السلس في ظل التفرّد الدولي والأحادية القطبيّة (7).

هذا وقد كان كل من المحافظين والليبراليين حتى قبل أيلول من عام 2001 يعتقدون أنهم واقعيون وأن قانون الطبيعة في السياسة الدوليّة يفترض، وفي حال أصبحت أمة قوية جدّا دفع الآخرين إلى التكتل والتوحد ضدها لإعادة التوازن في القوى، و"بنظرهم، فالتفوق الأمريكي الحالي هو تفوق عابر"(8) ، وهو الأمر الذي قد يدفع البعض للقيام بتحالفات إستراتيجية مستقبلية مثل محور روسيا، الصين والهند في محاولة للتخفيف مما يبدو أنه عالم الأحادية القطبية الخطيرة(9)، والأمر نفسه دفع الرئيس الفنزولي هوجو شافيز وخلال مؤتمر للدول المنتجة للنفط إلى القول: "إن العالم في القرن الواحد والعشرين يجب أن يكون عالما متعدد الأقطاب"، وأضاف: "على جميع الدول العمل من أجل الوصول إلى ذلك "(10).

وحتى المصادر الصديقة كمجلة "الايكونوميست" توافق على أن "عالم القوّة الخارقة الواحدة لن يدوم، وأن الصين (مليار ونصف نسمة) خلال العقدين القادمين ستكون صاحبة اقتصاد قوي ومتطور وتتمتع بنظام سياسي وسلطة مستقرّة، وبالتالي ستسعى للاهتمام بمصالحها الخاصة، وستحاول روسيا -يلستن- السابقة عاجلا أم آجلا لملمة نفسها لتعود إلى التأثير في الساحة الدولية من جديد"(11) .

ومن وجهة نظري، وعلى الرغم من تصاعد الإرهاب إلا أن التفوق الأمريكي سيدوم إلى نهاية القرن الحالي، لكن فقط إذا عرفت الولايات المتّحدة كيف تستعمل القوة بحكمة. وعلى الرغم من أن توقّع نهوض وسقوط الأمم هو أمر في غاية الصعوبة، إلا أن الناشر الكبير هنري لوس ادعى وبجرأة في عام 1941 أن القرن هو القرن الأمريكي. وفي الثمانينات أثناء التباطؤ الاقتصادي والانكماش الحاصل اعتقد الكثير من المحللين أن رؤية هنري قد تحققت، عندها تساءل الاقتصادي ليستر ثورو في عام 1985 "لماذا صمدت روما 1000 سنة كجمهورية وإمبراطورية، بينما بدأنا نحن بالانحدار بعد 50 عاما فقط"(12). "لقد أظهرت الاستفتاءات أنّ نصف الجمهور وافق على أنّ الأمّة كانت تنكمش في القوّة والسمعة"(13)..

في القرن الثامن عشر وعندما فقدت بريطانيا مستعمراتها الأمريكية رثا هوراس والبول بريطايا آنذاك واصفا إياها بأنّها أصبحت مجرّد جزيرة صغيرة بائسة ليس لها أهمية كسردينيا والدنمارك(14)، ونلاحظ هنا أن توقع هوراس كان مصطبغا بالتجارة الاستعمارية والمستعمرات، ففشل في أن يرى أنّ الثورة الصناعيّة التي جاءت بعد ذلك قد منحت بريطانيا موقعا أسمى. وهذا هو وجه التشابه مع أولئك الذين شككوا بقول هنري، فقد فشلوا في أن يروا حينها أن الولايات المتّحدة أصبحت قائدة للثورة المعلوماتية العالمية.(15)

لكن من جهة أخرى، نستطيع القول أن لا شيء يدوم إلى الأبد في عالم السياسة. منذ قرن خلى، كانت العولمة الاقتصادية تقوم على بعض المعايير نفسها التي تقوم عليها اليوم، والنظام المالي العالمي وقتها كان يستند إلى الذهب، و لهجرة كانت في مستويات مرتفعة والتجارة كانت تتصاعد وبريطانيا حينها كانت الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عنها، ولا بد أن الباحثين السياسيين والاقتصاديين في عام 1900 كانوا بلا شك يصفون ويرون القرن العشرين بأنّه استمرار للتنافس الإمبراطوري في ظل الهيمنة الأوروبية على العالم مع استمرار سيطرة الأوروبيين على مستعمراتهم في آسيا وأفريقيا ونشوء حكومات دستورية صلبة ومستقرة في أوروبا، ولا شكّ أنهم كانوا يرون أيضا ازدهارا متناميا وتطوّرا علميا ومعرفيا نافعا للبشريّة ....الخ.

لكن كلهم كانوا على خطأ(16)، فما حصل لاحقا كان عكس ذلك، فقد اندلعت حربان عالميّتان وانتشر الاستبداد الفاشي والشيوعي وانتهت الإمبراطوريات الأوروبيّة وانتهت أوروبا حينها كمصدر للقوّة العالمية وتراجعت العولمة الاقتصاديّة كثيرا لدرجة أنها انتظرت عقد السبعينيات للوصول إلى ما كانت عليه في عام 1914. وهذا ما يمكن أن يحدث مرّة أخرى في المستقبل.

هل بإمكاننا أن نقوم بأداء أفضل عند دخولنا القرن الواحد و لعشرين؟

إن ممارسة اليوغا المشكوك فيها، تحذرنا دائما بأن لا نتنبأ، خاصة فيما يتعلق بالمستقبل، ومع ذلك فلا خيار أمامنا، فتوقّع المستقبل شرط ضروري من أجل تنظيم أعمالنا. فعلى الصعيد الوطني، نحن بحاجة إلى مثل هذه التوقّعات أو الصور الذهنيّة وذلك من أجل توجيهنا على الصعيد السياسي وإخبارنا بطريقة استخدام قوّتنا التي لم يسبق لها مثيل. طبعا ليس هناك من مستقبل واحد، فهناك العديد من الصور المستقبلية المتعددة، لذلك فنوعية سياستنا الخارجية المتبعة بإمكانها أن ترسم بعض الصور المستقبلية المحتملة أكثر من غيرها. فعندما تتورط الأنظمة في مشاكل وردود معقدة، من الممكن حينها أن تحدث الأسباب الصغيرة تأثيرات كبيرة، وعندما يتدخل الناس فإن ردة فعل الإنسان على التوقع نفسه، من الممكن أن تجعله يفشل في أن يتحقق، وبالتالي فإن التوقع لن يصبح حقيقيا أبدا.في هذا السياق نحن كبشر لا يمكننا أن نأمل بتوقع المستقبل، ولكن يمكننا أن نرسم صورنا الخاصّة به بدقّة لنتجنّب بعض الأخطاء الشائعة التي مررنا بها.(17) فلو كان قد تمّ تقديم تحليل حذر للقوّة الأمريكيّة من عشر سنوات خلت، لأنقذنا ذلك من التصورات الخاطئة عن الانحدار الأمريكي. وعلى الرغم من وجود توقّعات أكثر دقّة حول كوارث الإرهاب مؤخّرا، إلا أن ذلك فشل في تجنيبنا مأساة دفعت البعض من جديد للتنبؤ بانهيارنا، لذلك من المهم جدّا أن نتفادى أخطاء الانتصار والانحدار أو الانحطاط. فالانحدار أو الانحطاط يميل إلى إنتاج وتوليد سلوك حذر جدّا قد يؤدّي إلى الإحباط من تحقيق انتصار جديد، ويؤدي بالتالي غالى فقدان خطير لضبط النفس بالإضافة إلى إظهار الغرور والعجرفة. لذلك، فالتحليل الأكثر حذرا يساعد الولايات المتّحدة على اتّخاذا قرارات أفضل لحماية مواطنيها وإعلاء قيمهم وقيادة العالم لمستقبل أفضل خلال العقود القليلة القادمة.

لذلك سأبدأ تحليلي هذا باستعراض وفحص مصادر القوّة الأمريكيّة. يتبع.

*جوزيف ناي: عميد في جامعة هارفرد، رئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي ومساعد وزير الدفاع في عهد إدارة كلينتون، له العديد من الكتابات في أشهر الصحف مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست والوول ستريت، وله العديد أيضا من الكتب والمؤلّفات أبرزها كتاب "الطبيعة المتغيّرة للقوّة الأمريكيّة"، وهذه الدراسة مأخوذة من جزء من كتابه بعنوان: "تناقض القوّة الأمريكيّة".

(1) “America’s World,” The Economist, 23 October 1999.

(2) Lara Marlowe, “French Minister Urges Greater UN Role to Counter US Hyperpower,” The Irish

Times, 4 November 1999. In 1998, Ve´drine coined the term “hyperpower” to describe the United States because “the word ‘superpower’ seems to me too closely linked to the cold war and military issues.”Hubert Ve´drine with Dominique Moisi, France in an Age of Globalization (Washington, DC: Brookings Institution Press, 2001), 2

(3) Robert Kagan and William Kristol, “The Present Danger,” The National Interest (Spring 2000).

(4) William Drozdiak, “Even Allies Resent U.S. Dominance,” Washington Post, 4 November 1997.

(5) See Charles Krauthammer, “The Unipolar Moment,” Foreign Affairs (Winter 1990—1991): 23—33;

Christopher Lane, “The Unipolar Illusion: Why New Great Powers Will Arise,” International Security

(Spring 1993): 5—51; Charles Kupchan, “After Pax Americana: Benign Power, Regional Integration

and the Sources of Stable Multipolarity,” International Security (Fall 1998).

(6) William Wohlforth, “The Stability of a Unipolar World” in Michael Brown et al., America’s Strategic Choices, rev. ed. (Cambridge, MA: MIT Press, 2000), 305, 309; also from a liberal perspective, G.John Ikenberry, “Institutions, Strategic Restraint, and the Persistence of American Postwar Order,”International Security (Winter 1998—99): 43—78.

(7) Charles Krauthammer, “The New Unilateralism,” Washington Post, 8 June 2001.

(8) Kenneth Waltz, “Globalization and Governance,” Political Science and Politics (December 1999): 700.

(9) Sunanda K. Datta-Ray, “Will Dream Partnership Become Reality?” The Straits Times (Singapore),

25 December 1998.

(10) Hugo Chavez quoted in Larry Rohter, “A Man with Big Ideas, a Small Country . . . and Oil,”

New York Times, 24 September 2000.

(11) “When the Snarling’s Over,” The Economist, 13 March 1999.

(12) Paul Kennedy, The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict

from 1500—2000 (New York: Random House, 1987); Lester Thurow, The Zero Sum Solution (New

York: Simon and Schuster, 1985).

(13) Martilla and Kiley, Inc. (Boston, MA), Americans Talk Security, no. 6, May 1988, and no. 8, August 1988.

(14) Quoted in Barbara Tuchman, The March of Folly: From Troy to Vietnam (New York: Knopf,

1984), 221.

(15) Daniel Bell, The Coming of Post-Industrial Society: A Venture in Social Forecasting (New York:

Basic Books, 1999 [1973]), new introduction.

(16) William Pfaff, Barbarian Sentiments: America in the New Century, rev. ed. (New York: Hill and

Wang, 2000), 280.

(17) On the complexities of projections, see Joseph S. Nye, Jr., “Peering into the Future,” Foreign

Affairs (July-August 1994); see also Robert Jervis, “The Future of World Politics: Will It Resemble

the Past?” International Security (Winter 1991—1992).


تم غلق التعليقات على هذا الخبر