البراغماتية في خطاب الأسد!

2005-3-8 | طارق ديلواني البراغماتية في خطاب الأسد!

الجميع كان بانتظار خطاب الرئيس السوري بشار الأسد.. السوريون واللبنانيون من جهة .. والأمريكيون والعرب والإسرائيليون من جهة أخرى.

غير أن أبرز ما في خطاب الأسد لم يكن قرار الانسحاب من لبنان، فهو أمر متوقع ومنطقي بالنظر إلى حجم الضغوطات العربية والأمريكية ..حلفاء دمشق العرب ونقصد مصر والسعودية تخلوا عنها ..أما حلفاء دمشق اللبنانيين فلا حول ولا قوة لهم. الأسد فاجأ الجميع بتناول خفايا القرار 1559 وآلياته ..وتناول موضوع التوطين.. كما طلب من اللبنانيين أن يستعدوا لمواجهة 17 أيار جديد و 17 أيار هو اتفاق بين الدولة اللبنانية في عهد أمين الجميل والكيان الصهيوني أحبطته القوى الوطنية اللبنانية وسوريا من وراءها.

الرئيس السوري إذن وضع الأمور في نصابها وجعل الكرة في المرمى اللبناني محذرا من خروج القوات السورية من لبنان في هذا الوقت تحديدا ومشددا على خطورة ما تطالب به بعض قوى المعارضة اللبنانية.

واقعية ومرونة ومسؤولية تحلى بها الأسد في خطابه ومعادلة الممكن والمأمول طغت على حديثه المليء باستشراف المستقبل في المنطقة.

الأسد حاول بخطابه أن يعيد الأمريكيين والإسرائيليين إلى المربع الأول فيما يخص الموقف السوري من السلام مع إسرائيل، فتحدث عن استئناف المفاوضات بالمفهوم السوري لا بالمفهوم الإسرائيلي الذي هو إطلاق عملية مفاوضات أبدية، لها بداية ولكن ليس لها نهاية.

وهو كذلك جدد التأكيد على مواقف سوريا فيما يتعلق بقضايا الساحة كالقضية العراقية والعلاقات تجاه تركيا وإيران..وحاول أن يبدأ خطابه بالحديث عن الموضوع العراقي ربما كإشارة أو تنبيه إلى ترتيب الأولويات الأمريكية من جهة ولتمييع القضية الأساس "الانسحاب من لبنان" والإيهام بعدم أهميتها من جهة أخرى.

الأسد أيضا حذر من أن أولى أهداف تداعي الجميع لانسحاب سوري سريع من لبنان هو تفكيك المقاومة ممثلة بحزب الله.

وفي موضوع التوطين لم يوفر الأسد جهدا في التلويح بشبح هذا الهم اللبناني في وجه خصومه من اللبنانيين، وكأنه يقول إن انسحاب سوريا يعني توطين الفلسطينيين في لبنان، لأن تطبيق بنود 1559 تضمن شق التوطين، وفي هذا إثارة مخاوف للموارنة والدروز والمسلمين الشيعة، لأن التوطين يعني تقوية الطائفة السنية على حساب باقي الطوائف.

وقد خرق الأسد هذه المرة كل محظور في توجيه الانتقاد لحلفائه السابقين "جنبلاط والجميل" وغيرهم، فوجه إليهم سيلا من النقد اللاذع، وتحدث عن تجارة المواقف السياسية ووصفها بأنها كتجارة الرقيق منبوذة.

ومثلما وجه جل خطابه لمعارضين تحدث أيضا إلى الموالين ليوضح أن سوريا ليست وحدها في هذا التكالب العربي الدولي الإسرائيلي وأن لسورية رجالها في لبنان.

لكن الأسد وضع يده فوق الجرح تماما، وقالها بكلمات معبرة عن حقيقة الوضع: "إنها ليست سيادة اللبنانيين على لبنان، وإنما سيادة أية دولة أخرى غير سورية على لبنان، هذه هي المشكلة بيننا وبينهم".

وزاد على ذلك بالتلميح إلى توقعه لهجوم وشيك على بلاده وإلى متابعة الوضع الداخلي لبلاده والوعد بالمزيد من جرعات الإصلاح السياسي لتمتين الجبهة الداخلية للبلاد.

ورغم ذلك كله أعتقد أن بشار الأسد ما زال يمسك بزمام الأمور في سوريا، بينما يتأمل خسارة لبنان وعزلة بلاده المتفاقمة على الصعيد الدولي.

الأسد يمر في وضع دقيق لا يحسد عليه لكن، استبداله لمدير المخابرات العسكرية في الأسبوع الماضي بصهره يشي بأنه يمسك تماماً بزمام الأمور ويدرك تماماً لطبيعة ما يجري.

إن ما ترمي إليه كل من أميركا وإسرائيل في نهاية المطاف هو عزل سورية وإجبارها على تسوية ما، وحيثما سنحت الفرصة لحشر سورية في الزاوية فإنهما تستغلانها. ومثل والده، فإن بشار ربما يلجأ إلى لعبة الانتظار التي هي بمثابة العلامة التجارية لسورية.

يظل لبنان يتمتع بأهمية بالغة لسورية التي لن تتخلى ببساطة عن مصالحها هناك. ثمة مصالح مالية وتجارية وسياسية ذات صلة بأمن سورية ونفوذها الإقليمي من خلال محور حزب الله-إيران.

وثمة هم سوري آخر فيما يتعلق بلبنان، وهو منع قيام سلام منفصل بين لبنان وإسرائيل، لكن السوريين يتقنون تماما لعبة الوقت، ورغم أن الأسد قد وافق على انسحاب لقواته، فإن الحديث عن برنامج زمني وانسحابات جزئية ومرحلية تدخل في لعبة الوقت على أمل تغيرات مفاجئة ما.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر