حزب الله والتحديات الداخلية والخارجية بعد اغتيال الحريري

2005-3-9 | علي حسين باكير حزب الله والتحديات الداخلية والخارجية بعد اغتيال الحريري

لا شكّ أنّ شظايا عملية اغتيال الحريري قد أصابت أيضا حزب الله اللبناني،الذي كان أمينه العام قد كشف مؤخّرا عن لقاءاتدوريّة كان يلتقي خلالها مع رفيق الحريري الذي حاول الإلقاء بثقله الدبلوماسي والشخصي لإقناع فرنسا بعدم إدراج حزب الله ضمن لائحة "الإرهاب"الأوروبيّة. هذا وقد أدخلت تداعيات عملية اغتيال الحريري وما نجم عنها حزب الله في مرحلة جديدة تتّسم بتعقيدات داخلية وإقليمية ودولية.

فعلى الصعيد الداخلي:

قامت جميع القوى المعارضة لسوريا باستغلال عملية اغتيال الحريري بطريقة مذهلة لتوظيفها في مطالبها لجهة خروج القوّات السورية من لبنان, وحاولت هذه المعارضة حشد جميع الأطراف المستقلّة وغير لصالحها, وقدحرصت المعارضة على عدم استفزاز حزب الله لما له من ثقل شعبي في أوساط الشيعة بشكل خاص ولدى اللبنانيين بشكل عام على أمل تحييده إن لم يستطيعوا كسبه في المعركة الدائرة مع السلطة والأحزاب الموالية لها. وفي هذا الإطار جاءت دعوة زعيم المعارضة وليد جنبلاط السيد حسن نصر الله وحزب الله بانضمامه إلى صفوف المعارضة للمطالبة باستقلال لبنان استكمالا لدوره التاريخي في تحرير أرضه.

وفي هذه الأثناء وطيلة 14 يوما من اغتيال الحريري،بدا حزب الله متردّدا في حسم أمره لدقّة المرحلة ولعدم وضوح دعوات الجهات المختلفة وسقف مطالب المعارضة. فحزب الله لم يكن يريد خسارة سوريا (وهي غطاؤه الإقليمي إلى جانب إيران) مقابل كسب بعض المعارضين غير واضحي التوجه مستقبلا سواء إزاءحزب الله أو سوريا أو إسرائيل من جهة, كما أنه لم يكن يريد خسارة القوى الشعبية(غطاؤه الداخلي إلى جانب الدولة اللبنانيّة) خاصّة بعد انضمام العديد من القوى إلى المعارضة في إطار المطالبة بخروج القوات السورية في الوقت الذي أصبح خروجها أمرا واقعا لا محال و عبئا على الحزب وسوريا نفسها وعلى لبنان من جهة أخرى.

هذا ولم يستبعد البعض إمكانية أن يظل حزب الله حياديّا بشروط تجاه المعارضة لجهة الحفاظ على وضعه الداخلي وتجاه سوريا،خاصّة أنّ الحزب يحرص دائما على البروزبمظهر المدافع عن الشعوب العربية من أجل كسب الجماهير وترسيخ وجوده على المستوى الإقليمي العربي والإسلامي،وهذا ما بدا واضحا إثر التحضير للهجوم الأمريكي على العراق،حيث طرح الحزب مبادرة للتصالح بين النظام العراقي السابق والمعارضة في محاولة منه لكسب جماهير عربية داعمة له،خاصّة بعد أن تدنّت شعبيّته إثر خفوتدوره في جبهة إسرائيل وانخراط شيعة العراق في المشروع الأمريكي.

وعلى العموم،وللبقاء خارج الانقسام الشعبي اللبناني،طالب الحزب بداية باتجاه ثالث بين المعارضة والموالاة, لكنّ انزلاق الأمور وتدهورها دفعته للتفكير بشكل آخر،خاصّة بعد أن أنقذت استقالة الحكومة برئاسة عمر كرامي وجه الحزب الذي كان مضطرّا للتصويت للمرّة الأولى في تاريخ عمله السياسي لصالح الحكومة وأعطته مزيدا من الوقت في حسم خياراته.

فبعد خطاب الرئيس السوري الأسد, حسم حزب الله أمره ودعا إلى اجتماع لقوى وأحزاب الموالاة خاصّة بعد أن تسّرت أخبار عن أن جزءا من المعارضة قام باتّصالات مختلفة مع إسرائيل لإقامة علاقات معها،وهو الأمر الذي ألغى أي إمكانية لانضمام الحزب إلى تيار المعارضة أو بقائه على حياد.

وقد استوعبت جميع القوى الموالية للسلطة بمافيها حزب الله صدمة اغتيال الحريري والهجمة الشرسة للمعارضة،وبدا أنّ القوى الموالية للسلطة ولسوريا ستستخدم نفس تكتيك المعارضة من استعمال لوسائل الإعلام وللشارع والجماهير والدعاية...الخ، مستفيدة بخبرةالقوى الشيعيةوعلى رأسها حركة أمل وحزب الله في هذا المجال وقدرة على تجييش أتباعها وحشدهم، وهو ما يميّزها عن غيرها من الفئات على اعتبار أن التجربة السنية في العمل الجماهيري ضعيفة في التعامل مع الدولة أو الجهات المعارضة لهم. وقد انتهى اجتماع القوى الموالية للسلطة وعلى رأسهم حزب الله بطرح خمسة مبادئ أساسيّة ودعا إلى تظاهرة كبرى يوم الثلاثاء, فيما يبدو أنّ المواجهة قد بدأت وعلى الحزب الاستعداد لمرحلة جديدة وخطيرة قد تلغي وجوده أو تغير من أساليبه وتحد من خياراته.

على الصعيد الإقليمي:

هناك من يعتقد أنّ خروج القوّات السورية سيؤثّر سلبا على الحزب و يجرّده من غطائه نهائيا, لكنّ هذه القراءة منقوصة. فصحيح أنّ الحزب يستفيد من الوجود السوري في لبنان عبر تزويده بالأسلحة أو انتداب عناصره للتدريب في معسكرات في سوريا وإيران ثمّ العودة إلى لبنان, إلا أنّ الصحيح أيضا أنّ خروج القوّات السوريّة ومخابراتها من لبنان لا يعني انتهاء سوريا في لبنان, فسوريا موجودة بحكم التاريخ والجغرافيا والنفوذ المالي والقومي وعبر الموالين لها في السلطة وأجهزتها (البرلمان منهم) أو في القواعد الشعبية الموالية لها, لذلك فإنّ التأثير السلبي على الحزب سيكون جزئيا ومحدودا, خاصّة أنّ الحزب كان يستعد منذ فترة طويلة لهذه اللحظة في حال فقدانه الغطاء السوري أو الإيراني وعمل على تنمية قواعده الداخلية لجهة شعبيّته أو لجهة تمويله (إيجاد مصادر وتمويل متعددة وتنويعها) أو لجهة تسليحه أو ترسيخه في المجتمع اللبناني عبر المؤسسات الثقافية والعلمية والخدماتيّة المختلفة والموزّعة في عدد كبير من المناطق اللبنانيّة.

على الصعيد الدولي:

لا شكّ أن القرار 1559 هو أكثر ما يزعج حزب الله على اعتبار أن البند الثاني منه يستهدف تجريده من سلاحه. وبما أنالدول لا يمكنها رفض قرار صادر عن الأمم المتّحدة خاصّة إذا صدر عن مجلس الأمن وإلاّ فإنها قد تخضع لعقوبات تصل إلى حدشن هجوم عسكري عليها. وفي هذا الإطار،أظهر حزب الله رفضه لهذا القرار الذي يشكل مشروع فتنة وانقسام داخلي،وجاء هذا الهجوم ليوازن الحديثالسوري عن مراعاة واحترام القرار الدولي وذلك في إطر توزيع الأدوار ما بين رسمي وشعبي, فحزب الله لا يمكنه أن يتخلّى عن سوريا نهائيا خاصّة أن الأخيرة كانت قد هيّأت له وطيلة فترة وجودها في لبنان لأن يصبح قوّة فاعلة ويحتكر المقاومة ليصبح أداة ضاغطة و ورقة سورية في أي مفاوضات قادمة مع إسرائيل أو لمواجهة أي ضغوطات دوليّة أمريكيّة،بالإضافة إلى كونه ورقة رادعة ضدّ نوايا إسرائيل تجاه لبنان, ولتفادي مفاعيل القرار 1559، وبالتالي لتفادي المواجهة المرتقبة مع أمريكا وأوروبا يطالب الحزب المعارضة اللبنانيّة بالتصريح علنا على أنليس مليشيا، فإذاتم ذلك فهو يعني أنّ القرار لا ينطبق عليه لأنه يعنيفقط الميليشياتالمسلّحة.

ومن هنا يمكن القول إنالمعركة أصبحت بالنسبة لحزب الله معركة وجود وتحرّكاته لا بدّ وأن تكون مدروسة ومتوافقة مع المتغيّرات الداخليّة والإقليمية والدوليّة, وقد عرف دائما أن الأحزاب والجماعات الشيعيّة عموما هي أحزاب براغماتيّة تستطيع تكييف أقوالها المتعارضة مع أفعالها بما يخدم مصالحها في النهاية ويحافظ على وجودها, وفي هذا الإطار لا تمانع الولايات المتّحدة التفاوض مع هكذا حركات ولو سرّا،وقدأكّدت بموازاة ذلك وقبل إعلان الأسد سحب القوات غير مهتمة بالحديث عن سلاح حزب الله. بل إن نائب مساعد وزير خارجيتها ديفد ساترفيلد كان صريحا خلال وجوده في لبنان نهاية فبراير الماضي أكثر من اللازم في موضوع حزب الله،حيث قال إن تجريده من سلاحه "ليس أولوية من أولويات المرحلة،بل مسألة لبنانية لا بد أن تطرح يوما على جدول الأعمال اللبناني".فهل سينجح حزب الله في هذه المهمّة مستقبلا؟أم أنهسيتحول إلى حزب سياسي في إطار عمليّة السلام التي بدأت تلوح في الأفق؟.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر