الإسلاميون في موريتانيا بين غموض الأهداف وغياب الإستراتيجية

2005-3-9 | الإسلاميون في موريتانيا بين غموض الأهداف وغياب الإستراتيجية

تعيش الحركة الإسلامية في موريتانيا أحلك أيامها لا بسبب المحن التي تتالت عليها، وإنما جراء غموض الأهداف وغياب الإستراتيجية. ولئن كانت الحركة الإسلامية استطاعت خلال فترة وجيزة أن تفتك لنفسها موقعا شعبيا أهلها لتكون شريكا مهما في رسم الخارطة السياسية في موريتانيا إلا أنها تجابه اليوم أكبر تحد واجهها منذ تأسيسها سنة 1978 إبان المد القومي المتصاعد الذي حاول أن يكسر عودها الطري ويخنق أنفاسها في المهد قبل أن يشتد ساعدها وتستوي على ساقها فألب عليها الشارع الموريتاني والفقهاء وشيوخ الطرق الصوفية، مما أعاق انتشارها لبعض الوقت ثم أخذت تتمدد بشكل هادئ أحيانا وصدامي مع التدين التقليدي أحيانا أخرى.

وبعد تراجع مد الحركات اليسارية والقومية وتصاعد مظاهر الصحوة الإسلامية في العالم العربي بدأت تتوسع بين المعلمين وأساتذة التعليم الثانوي وطلبة الجامعة والتجار ربما أكثر مما توقع لها مؤسسوها الأوائل لتجد نفسها بداية التسعينات أمام نزاع سياسي حاد على زعامتها، أفضى في نهاية الأمر إلى استبعاد رموز كانوا يمثلون عامل توازن بين أعضاء الحركة الإسلامية أنفسهم من جهة وبين النظام الموريتاني من جهة أخرى، وانسحاب رموز آخرين خسروا المعركة أو اختطفت منهم الزعامة، فتركوا مواقعهم لمجموعة من شباب الحركة أبناء الجيل الثاني والثالث أقل خبرة سياسية ومعرفة علمية وتكوينا أكاديميا وإن كانوا أكثر حماسا وجرأة وأشد اندفاعا، فغرقت الحركة الإسلامية في خطاب تعبوي يغلب عليه الحماس الذي لا تقيده بصيرة والعاطفة التي لا تلجمها حكمة بعيدا عن أية خطة محكمة توجه السير أو إستراتيجية علمية تضبط الحركة.

ولا غرو في ذلك، فأغلب هؤلاء القادة خطباء مساجد يحفظون الشعر ومنهم من يقرضه، والخطيب لا يمكن أن يضع إستراتيجية سليمة أو تتفتق عبقريته عن خطة واضحة المعالم والأهداف لأن طبيعة تكوينه العلمي وخطابه التعبوي يمنعانه من تحمل مشقة التنظير السياسي والتفكير العلمي الهادئ.

فبرز خطاب إسلامي عاطفي غير مستجمع لشروط الاجتهاد الفقهي والتنظير السياسي أو مستوعب لمستلزمات التغيير الاجتماعي والحضاري أو مدرك لحجم المتغيرات العالمية أو مؤطر إيديولوجيا أو محكوم بمنهج محدد، وهو ما جعله يفشل في صياغة خطاب إسلامي ذي رؤية معاصرة تنطلق من الحاضر لتؤسس لمشروع إسلامي متكامل من شأنه أن يستقطب المثقفين أو يسترعي اهتمامهم على الأقل بعيدا عن مجرد الاكتفاء بالخلفية الإسلامية وترداد مفاهيم عامة تمثل قاسما مشتركا بين جميع الإسلاميين وهذا ما يفسر عجز هذا الخطاب -بسبب طابعه الضيق ونواقص أخرى- عن الولوج إلى مساحات ظلت حكرا على اليساريين والقوميين.

ولم يكن هذا الخطاب مؤهلا من باب أولى لاستيعاب حيثيات الواقع الدولي ولا المتغيرات المتلاحقة التي حصلت في العالم فهزت البنى الفكرية وغيرت التوجهات السياسية لدول كبرى وجماعات عديدة وجدت نفسها مرغمة على إعادة النظر في خطابها السياسي ومواقفها الفكرية خشية على مواقعها، وهذا ما أدى إلى عجز الحركة الإسلامية في موريتانيا عن استيعاب الدروس اللازمة من أحداث الحادي عشر سبتمبر 21 التي هزت العالم بأسره وغيرت مجرى تاريخ شعوب ودول، أرغمها اللهيب المتصاعد من برجي التجارة العالميين على مراجعة سياساتها بشكل لم يخطر على بال أحد، بينما ظن الإسلاميون في موريتانيا أنهم سيبقون بمنأى عن تداعيات الحدث في الوقت الذي كان النظام الموريتاني يرهف فيه سمعه ويفتح بصره للإشارات التي بدأت الولايات المتحدى ترسلها تباعا إلى جميع دول العالم بضرورة القضاء على الحركات الإسلامية التي تشكل تهديدا محتملا لمصالح أمريكا أو أمنها في الحاضر أو قد تشكله في المستقبل، لأن إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الكبير وتشكيلها من جديد تقتضي خنق الأصوات المعادية لهذا التوجه بعد أن بات العمل بمقتضى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان معلقا إلى أجل غير مسمى حتى لا يحتمي أعداء أمريكا بالقوانين التي ترعاها هي بمحض إرادتها.

على ضوء هذا المتغير الجديد، استأنف النظام الموريتاني حملته المؤجلة منذ أواخر سنة 1994على التيار الإسلامي الذي يحمل عداء شديدا للرئيس ولد الطايع شخصيا يصل إلى درجة الحقد الشخصي، بعد أن نجح في استفزاز الإسلاميين بالإعلان عن مشروع قانون منظم للمساجد فاندفع الإسلاميون يحرضون الناس ضد النظام الذي يريد أن يحول المساجد حسب دعوى الإسلاميين حينئذ إلى مخابز ولم يدركوا أنهم وقعوا في الفخ الذي نصبه لهم النظام، وأنه قد جرهم إلى الساحة التي يرغب في إدارة المعركة فيها وفي الوقت الذي حدده ووفق الخطة التي رسمها، وأن موازين القوة مختلة بينهم وبين النظام، فتم القبض في الشهر الخامس سنة 23 على أبر زعمائهم وزج بهم في غياهب السجن، وبدأت محنتهم تتفاقم من التعذيب إلى تجفيف مواردهم المالية وحل جمعياتهم الخيرية، ومحاولة تفكيك بنية حركتهم التنظيمية ووصمهم إعلاميا بكل سمات التطرف والإرهاب والتخريب وكاد الصراع مع الإسلاميين ينزلق إلى صراع مع الإسلام ذاته لولا أن الله سلم.

ورغم أن المحاولة الانقلابية الفاشلة أرغمت النظام على مراجعة بعض تكتيكاته المرحلية، فإن هذه المحاولة سرعان ما أصبحت نقمة على الإسلاميين بعد شهر منها، حيث صرح رئيس الجمهورية الموريتانية من ازويرات بأن تنسيقا ما أو توزيعا للأدوار قد تم بين الإسلاميين ومتزعمي الحركة الانقلابية، وظن الكثيرون أن رئيس الجمهورية كاذب في اتهامه حتى اكتشفت المحاولة الانقلابية الأخيرة في الشهر التاسع 24 فتبين أن مجموعة من الإسلاميين متورطين في هذه المحاولة الانقلابية، ساعتها نظم زعماء التيار الإسلامي

[ الشيخ محمد الحسن الددو، وجميل منصور، محمد غلام ] تجمعا دعوا فيه إلى مصالحة وطنية شاملة، وهو ما مثل تغيرا في التوجه مثيرا للاستغراب، خاصة أن خيوط المحاولة الانقلابية لم تتكشف وأن أجهزة أمن النظام كانت وقتها تطارد زعيم الانقلابيين صالح ولد حنن الذي نجحت فيما بعد في القبض عليه وتقديمه للمحاكمة.

ويبدو أن النظام فهم أن دعوة الإسلاميين كانت خطة استباقية لإبعاد التهمة عنهم، فأسرع إلى اعتقال الأستاذ محمد جميل والشيخ محمد الحسن ولد الددو والمختار بن محمد موسى بعد التجمع بقليل، ثم أفرج عنهم مستهل رمضان الماضي، فلم يتحفظوا بل كشفوا عن آثار للتعذيب على السجناء، وهو ما يثير الاستغراب وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير نشر مواقع إلكترونية إسلامية صورا ادعت أنها لتعذيب السجناء في مدرسة الشرطة، هنا قرر النظام الموريتاني أن يستأنف حملته ضد الإسلاميين وهي حملة يبدو أن النظام مستعد لمواصلتها حتى النهاية إن لم يغير الإسلاميون من خطتهم، وقد ظهر خطاب الإسلاميين متذبذبا بسبب الارتباك الذي أحدثه فتح ملفهم من جديد، بينما بدا النظام الموريتاني مصرا على تتويج نجاحه في سحق المحاولات الانقلابية والقبض على متزعمها صالح ولد حنن وتقديمه للمحاكمة وتقليم أظافر الحركة الإسلامية. وبالعودة إلى الوراء يتجلى من تتبع مسار الأحداث أن الحركة الإسلامية لم تأخذ العبرة من محنتها الثانية 23، فما إن اقتربت الانتخابات الرئاسية -التي كان تنظيمها في الوقت المقرر لها سلفا نجاحا كبيرا لولد الطايع، الذي نجا بأعجوبة من محاولة انقلابية نجحت في الاستيلاء على قصره الرئاسي ومقرات قيادة الجيش والدرك ولم تنجح في الإطاحة بنظامه– حتى بدأت الأماني تداعب أخيلة الإسلاميين بأن عهدا جديدا سيبدأ وأن زمن ولد الطايع قد ولى وأن ما وقع في ساحل العاج وجورجيا سيتكرر في موريتانيا، فقرروا مساندة المرشح الأقوى حسبهم محمد خونة ولد هيدالة غريم ولد الطايع وعدوه اللدود، فخسرت الحركة حليفها التقليدي أحمد ولد داداه ولم تربح شيئا من تحالفها مع هيدالة، لتجد نفسها تقف على مفترق طرق خطير وتمر بمنعرج تاريخي حاسم دون غطاء سياسي أو مظلة حزبية.

ومحنة هذه الحركة لن تنتهي مادام الإسلاميون يعتقدون أن المحن التي تلاحقهم هي محطة إيمانية على طريق الدعوة إلى الله، وهذا الفهم قد يجر عليهم محنا أخرى لأنه يمنعهم من مراجعة الذات واكتشاف الأخطاء الكامنة في الخطط التي وضعت على استعجال والمواقف التي اتخذت في فورة حماس.

والخلاصة أنه لم يبق أمام الحركة الإسلامية إلى أن تختار بين خيار من الخيارات التالية:

- أن تعي حجمها وتعرف قدراتها وإمكاناتها مقارنة بقدرة الدولة وأجهزتها الأمنية ومؤسساتها المالية ووسائلها الإعلامية وعلاقاتها الدولية والإقليمية وتتفهم طبيعة الظرف الدولي، فتراجع منهجها وتعيد النظر في خطابها السياسي الذي أدى إلى سجن شيوخها وتشريد كثير من قياداتها واستنزاف طاقاتها المادية والمعنوية وانشغالها عن الدعوة والبناء التربوي بشكل جذري. وهو ما يقتضي من زعمائها التعقل، فالمحن إذا طال أمدها بوتيرة متصاعدة ستدمر الجماعة وتستنزف طاقاتها وتقتل همم أتباعه وربما زعمائها وقد تنهكها إلى درجة تعجز فيها عن الوفاء بالتزاماتها تجاه قادتها وأعضائها.

- أن تتمادى في سياسة الصدام التي يدفعها إليها الخطباء والشعراء ومن لا فقه لهم بالسياسة فتجني على نفسها مزيدا من المحن قد تضر الإسلام ذاته من حيث أرادت الدفاع عنه.

- أن تستيقن أن النظام ماض في خطته لتقليم أظافرها وتحجيم حضورها وأنه لم يبق أمامها إلا أن تختار بين

· مراجعة شاملة للخطط والمواقف، ثم الانطلاق بواقعية في إطار الممكن والمتاح، أو الإصرار على الصدام مع النظام وهو ما سيسبب لها انتكاسا سيؤدي بكثير من أعضائها إلى اعتزال العمل الحركي والانكفاء على الذات كما وقع من قبل.

- انشقاق في الصف يعقبه قيام تيار إسلامي بديل يعمل في إطار ما هو ممكن وطنيا ودوليا.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

غدير بن سيدي

ولد إيدة حاول من خلال كتابته أن يبين للإسلاميين أنه ليست عندهم أهداف واضحة وأن يجهلون التخطيط وهم فقط عبارة عن مجموعة من الخطباء الذين غلب عليهم الحماس والسذاجة ودعى فى ختام مقاله إلى انشقاق داخل الصف الإسلامى حيث سينتهج المنشقون سياسة واقعية تتعامل بعقلانية مع السلطة ..وغير ذلك من الكلام الذى يكشف أن الرجل لايخلو من أحدأمرين
أولا-أنه أحد المطلعين على خفايا الحركة الإسلامية الموريتانية ومن الذين لهم معرفة ببرامجها وخططهاوهو يهدف من وراء ذلك إلى النصيحة والشفقة على مستقبل هذه الحركة وهذا مالاأظنه لأننى على معرفة كبيرة بمايجرى داخلها وأعرف أن كل أفرادها حتى الذين لايزالون جدد يمكنهم النقد والنصيحة وهذه تربية كريمة تعلمناها من خلال انتسابنا الذى نتشرف به ولم نعرف أنها حركة عشوائية لاتخطط بل عرفناها حركة رصينة تمتلك نوعيات من الأفراد بعيدى النظر يتمتعون بميزات يفتقدها كثير من أدعياء السلطة الموريتانية.
الثانى -أنه أحدأفراد الحزب الجمهورى الحاكم أو المخابرات الموريتانية ويريد الفت فى عضد الحركة والنيل من مصداقيتها الراسخة ولكن هيهات فالحركة الإسلامية تنتمى بحق إلى الأمة الموريتانية ولها امتدادات عميقة داخل جذوره المختلفة ومصداقيتها أقوى من أن تنال منها دعوات غير بريئة كهذه ..
وخلاصة القول أن الحكة الإسلامية بعد الإستهدافات المتلاحقة التى تعرضت وتتعرض لها من نظام العقيد ولد الطائع باتت أقوى عودا وأكثر وعيا باستحقاقات المرحلة ومتطلبات النضال من أجل تحرير مويتانيا من المخربين والمتصهينين وأصبحت مصداقيتها فى الشارع الموريتانى أقوى من أى وقت مضى..


رياض

الملاحظ ان استاذنا امحترم يتكلم من خارج الدائرة وغرد خاج السرب فلا هو عالم بما يجري داخل الساحة الاسلامية في البلد ولاهو مستوعب للأزمة مع النظام وأرجوا من الحركة الاسلامية في موريتانيا ان توضح للقارئ العربي العادي حقيقة هذه الأمور فالكاتب يتناقض في كثير مما يكتب وهو أدرى بما يجري في النظام مما يجري داخل الحركة.


Talal Al Aulaqi

ومحنة هذه الحركة لن تنتهي مادام الإسلاميون يعتقدون أن المحن التي تلاحقهم هي محطة إيمانية على طريق الدعوة إلى الله، وهذا الفهم قد يجر عليهم محنا أخرى لأنه يمنعهم من مراجعة الذات واكتشاف الأخطاء الكامنة في الخطط التي وضعت على استعجال والمواقف التي اتخذت في فورة حماس.

ارجو ان توضح كلامك هنا اكثر فهو مبهم ?

ولست ادري ما ذا تقصد?