ولكنّ السوريين لا بواكيَ لهم ...

2005-3-6 | ولكنّ السوريين لا بواكيَ لهم ...

إن من ذاق مرارة الظلم لساعة واحدة، يفرح عندما يرى مظلوما -ولو كان في آخر الدنيا- قد تخلص مما لحقه من الظلم. ومن لم يذق الظلم، ولو لمرة واحدة، قد لا يدرك مدى القهر الذي يعتصر قلوب المظلومين وهم يتلفتون يمينا وشمالا لعلهم يجدون من يسارع لنجدتهم وتخليصهم من جبروت ظالمهم. ولا يدرك كم هو قاهرٌ ومذلٌ ظلمُ أخٍ لأخيه في الوطن، إلا من تعرض لمثل ما تعرض له هذا المظلوم.

المواطن المضطهد يشعر بالانكسار وهو يرى أخوة له غير آبهين بما لحق به من ظلم. ولعل الأقسى من ذلك أن يرى مواطنين يبشون في وجه الظالم ويأخذونه بالأحضان، ولعله قبل أن يلقاهم كان قد وقع أمرا باعتقال آلاف المواطنين. أما الذين يملئون صفحات الجرائد في مدح الظالم، ويملئون شاشات الفضائيات بصور بطولاته الكاذبة، فقد انسلخوا عن كل شعور نبيل يربطهم بأخوتهم المظلومين.

المواطن السوري عاش مسحوقا على مدى أربعة عقود، يأوي إلى بيته والخوف يملأ قلبه من ليلة تأتيه بزوار الليل يقودونه إلى ظلام المعتقلات. ويستيقظ صباحا يحمد الله أن مرت ليلته على خير. وليس هذا كل شيء فقد اضطر أن يعيش هذه العقود الأربعة على هامش الحياة بعد أن استولى أباطرة الفساد على كل شيء في سورية.

وليقل أصحاب الشعارات الكاذبة ما يقولون، فإن إعلان الرئيس بشار الأسد عن سحب القوات السورية من لبنان خطوة في تصحيح العلاقة بين سورية ولبنان، وخطوة أخرى تسحب البساط من تحت أرجل الأجهزة الأمنية السورية واللبنانية في لبنان، مما يجعل الروح تتردد من جديد في صدر المواطن السوري بأن وقت خلاصه من سطوة أجهزة الأمن السورية قد قرب وبات قاب قوسين أو أدنى.

ويبقى هناك ما ينغص المواطن السوري هو شعوره أن ما يعانيه ليس محل الاهتمام كما هو حال المواطن اللبناني. فلأول مرة تتطابق وجهتا نظر أمريكا وفرنسا على قضية منذ عهد "ديغول"، وهي إخراج الجيش السوري من لبنان. كما أن كثيرا من الدول العربية تتسابق لتقديم النصيحة للرئيس السوري حتى يبادر بإخراج نفسه من المستنقع اللبناني. أما جماعات حقوق الإنسان وهيئات المجتمع المدني فإنها تؤكد أن من حق الشعب اللبناني أن لا تفرض عليه الوصاية من خارج وطنه.

ولئن كان لبنان قد عاش عقدا ونصفا تحت نفوذ بعثي منقوص، وعاش عقدا ونصفا في ظل نفوذ بعثي كامل، إلا أن الشعب اللبناني بقي يتمتع ببعض الحرية، وإن كان سقفها منخفضا. كما أنه كان في لبنان صحف موالية للنظام السوري، ولكن كان هناك أيضا صحف معارضة تتكلم بصوت عالٍ حتى في أيام العميد "غازي كنعان". بينما لم يكن في سورية خلال أربعة عقود إلا صحيفة البعث وأختاها تشرين والثورة، اللواتي كان شعارهن السكوت من ذهب.

ولقد أفرزت أول انتخابات نيابية لبنانية بعد الطائف في ظل النفوذ السوري أكثرية من الموالين، فقد كان هناك مجموعة معارضة لها صوتها المرتفع في مجلس النواب. بينما بقي مجلس الشعب السوري على مدى ثلاثة عقود يعين فيه ثلثا أعضاء المجلس من قبل القيادة القطرية والثلث الباقي من المستقلين المحسوبين بشكل أو بآخر على بعض النافذين في القيادة القطرية. وهم على كل حال لا يخرجون عما يريده رئيس المجلس.

هذا الهامش الضيق الذي كان يتمتع به اللبناني كان معدوما عند أخيه السوري. وذاك السقف المنخفض من الحريات عند اللبنانيين لم يكن موجودا أصلا عند السوريين. ولذلك كان المواطن السوري يتلفت يمينا ويسارا متسائلا عما إذا كان قد جاء من كوكب آخر فلا يبالي به أحد. بل إنه لا يكاد يعرف شيئا عن هذا المخلوق الخرافي الذي يسمونه حرية، أو عن "ثامنة" عجائب الدنيا السبع التي يسمونها ديموقراطية.

لبنان وسورية يتمتعان بتوأمة قل أن يتمتع بها قطران متجاوران. الأسرة الواحدة يعيش نصفها في دمشق والنصف الآخر في بيروت. وكثير من الأسر اللبنانية أخذت أسماءها من أسماء المدن السورية، فهناك الحلبي والحمصي والحموي. وكذلك هناك عائلات سورية كثيرة بأسماء مدن لبنانية، فهناك آل البيروتي وآل الطرابلسي وبيت البقاعي.

ومع هذا التشابه الكبير بين الشعبين السوري واللبناني، فإن الاهتمام بهما مختلف. فأمريكا تهدد وتتوعد النظام السوري إذا لم يدع اللبنانيين وشأنهم. وفرنسا تذرف دموع التماسيح على الحرية الموءودة في لبنان. ووزير من دولة عربية يذهب إلى دمشق، وأخرى تستقبل الوزير الشرع. ودولة عربية تستقبل الرئيس السوري، وأخرى يأتي رئيسها إلى دمشق. وكل هؤلاء يبحثون في شأن المواطن اللبناني. ويقف المواطن السوري ليتساءل "ما عدا مما بدا" حتى لا يهتم به أحد ممن اهتموا بأخيه اللبناني؟ "أم أن السوري لا بواكيَ له".

ألا يستحق السوري بعض الاهتمام من القادة العرب، وقد كان مضرب المثل في مؤازرة إخوانه في الدول العربية أيام كان بعضٌ منها ترزح تحت الاحتلال الأجنبي. فهذا "سليمان الحلبي" الذي كان يدرس في الأزهر، قدم نفسه شهيدا عندما أقدم على قتل "كليبر" نائب "نابليون"في عام 182. و"عز الدين القسّام" جاء من الساحل السوري إلى فلسطين ليقاتل اليهود والإنكليز حتى سقط فيها شهيدا.

ولعل من بقي جيل الخمسينيات ما يزال يذكر كيف قام العمال السوريون ،أثناء العدوان الثلاثي على مصر، بتدمير خطوط "التابلاين" التي كانت تنقل البترول إلى أوروبا.

ولا يقولنّ أحد من القادة العرب أنه لا يعرف مدى الذلّ الذي يتعرض له المواطن السوري على أيدي أجهزة الأمن. فليس هناك دولة عربية إلا وفيها آلاف السوريين الذين يعيشون على أرضها بدون جوازات سفر بعد أن حرمتهم أجهزة الأمن السورية من تلك الوثيقة.

طالب عمره أقل من عشرين عاما، "سوى وضعه" تحت ضغط حاجته إلى جواز السفر ونزل إلى مدينته "حماة". ولأن أباه "فلان" يعيش منفيا عن وطنه، فقد أرسل رئيس فرع المخابرات العسكرية في مدينة حماة العميد ( أ. ح) من اعتقل هذا الطالب وحوله إلى سجن "تدمر" الرهيب" وقد كتب بجانب اسمه: لا يطلق سراحه إلا بمعرفة العميد (أ. ح). هذا العميد قضى بعد أن اصطدمت سيارته مع صهريج يحمل محروقات. فهل على هذا الطالب المسكين أن ينتظر إلى يوم القيامة، لأن من سيأمر بإطلاق سراحه غادر إلى الدار الآخرة.

ولماذا نذهب بعيدا. فقد أرسل مواطن سوري يعيش في السعودية، برقية إلى الرئيس بشار كتب فيها أن ابنه يعاني من مرض عضال، والقنصل السوري في"جدة" يرفض منح الولد جواز سفر بعد أن اطلع على حاله، وهو يرجو الرئيس الإيعاز لمن يلزم بتلبية طلب ابنه. وقد مضت سنة ولم تصدر "المكرمة الرئاسية" حتى الآن.

بعض القادة العرب نصحوا الرئيس بشار الأسد بأن يسحب الجنود السوريين من لبنان. ومن قبيل الأسوة فالشعب السوري يتوجه إلى هؤلاء القادة –وهو عندما يفعل ذلك لا يستجدي ولكنه يطالب بحق الأخوّة-أن ينصحوه مرة ثانية بأن يصطلح مع الشعب،وأن يفرج عن الديموقراطية المعتقلة بموجب قانون الطوارئ سيء السمعة، قبل أن ترتد عليه أمريكا بحجة أنه يقف في وجه الديموقراطية في الشرق الأوسط الكبير.

لقد بقي الشعب السوري على مدى أربعة عقود مغيبا عن قضاياه الوطنية، بعد أن فرض نظام حزب البعث نفسه حاكما لسورية، وفرضت فئة من هذا النظام الوصاية على الشعب السوري، وقامت بمغامرات -لا ناقة للشعب السوري بها ولا جمل- منها إدخال الجيش السوري إلى لبنان، ما أدى إلى أن يجد بعض اللبنانيين في أنفسهم، ليس تجاه النظام البعثي فحسب بل وتجاه الشعب السوري الشقيق أيضا.

قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك من اللبنانيين من يقف مع النظام السوري، -وبعض هؤلاء في واقع الأمر يقفون مع أنفسهم ضد أمريكا التي تستهدفهم مثل حزب الله-، أما الشعب السوري رغم كل الاستفتاءات المزورة، فلا أحد منه مع هذا النظام، إلا ما كان من القلة الذين استنزفوا خيرات الشعب وحولوها إلى دولارات سائلة توضع في البنوك الأوروبية.

وبهذه المناسبة يجب أن لا يلوم النظام السوري اللبنانيين الذين انتفضوا يطالبون بانسحاب الجيش السوري من لبنان، فمكان هذا الجيش الطبيعي هو على الحدود بمحاذاة الجولان المحتل، لا في لبنان. ومع ذلك فشل في المهمة التي يزعم النظام أنه موجود من أجلها في لبنان،وآخرها اغتيال المرحوم رفيق الحريري تحت سمع وبصر أجهزة الأمن اللبنانية والسورية.

ولقد أرسل الرئيس حافظ الأسد وحدات من الجيش السوري إلى "حفر الباطن" لتقاتل تحت راية أمريكا لإخراج الجيش العراقي من الكويت. وقياسا على هذا الموقف يجب على النظام السوري سحب الجيش السوري من لبنان. بل عليه أن يقدم اعتذاره للشعب اللبناني، لعل بهذا الاعتذار تطيب نفوس اللبنانيين ويزول كل أثر غير محبب خلفه الوجود السوري في لبنان. فالشعب السوري لا مصلحة له في المغامرات التي أقحم فيها الجيش السوري في لبنان.

أخيرا: فإن الشعب السوري أكبر وأشرف من أن يطلب من أمريكا أن تغزو سورية -كما فعلت في العراق- لإنهاء حكم حزب البعث. أما إذا فعلت أمريكا ذلك من تلقاء نفسها، فلن يقف ليدافع عن هذا النظام. ولكنه سيهب في اليوم التالي ليرفع السلاح في وجه أمريكا لإخراجها من سورية كما يفعل أشقاؤه في العراق،،،،،


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

ايهم الخالد

السلام عليكم و رحمة الله و براكاته
ألا تعتقد أنه من الواجب عليكم أيضاً أن تقدموا أعتذار الى الشعب السوري لما قمتم به في مدينة حماه في الثمانينات


مسلم

الاخ الكريم كاتب المقال السلام عليكم
و علي جميع الاخوة السوريين في المنفي او الغربة
هل يمكن تخيل زوال الظالمين و التنكيل بهم كما حدث مع مراكز قوي السفاح عبد الناصر الذي لم يطلق طلقة علي اليهود حتي هزيمته في 1967 و بدأ حرب عصابات لا تليق ببلد تعداده وقتها 20 مليون و كانه محتل و هلك و لم يري النصر لانه لا يستحق ان يراه و بعدها شاء العلي الكبير القوي العزيز ان نري شيعته في السجن و منهم الهاربيستمتع بما نهب في لندن مثل شمس بدران
الاشد و الابقي و الاشق هو موعد هؤلاء في معتقلهم الاكبر في عرصات يوم القيامة حيث يقول الله العزيز *ولعذاب الاخرة اشق*
فاليوم لا يعذب عذابه احد* و لا يوثق وثاقه احد*
فلانهم كانو يعذبون الناس فسيغذبون و يهانون بعذاب مهين
ولانهم كانو يوثقوهم فسيوثقهم الله و ملائكته الغلاظ الشداد و ستكون حبال غليطة
و هذا ليس ببعيد لان القبر اول منازل الاخرة و اول العذاب يكون فيه يعن علي الاغلب بعد 50 سنة
فابشر الضالمين ان هناك يوم شعاره لا ظلم اليوم
و هو قادم عليه كما اتي علي عبد الناصر و حافظ الاسد و فرعون و وزير داخليته هامان و جنوده
قال رسول الله صلي الله علي وسلم دخلت امرأة النار في هرة لانها حبستها
فبشراك ايها الظابط ا ح من حماة بما تستحق لانك حبست انسان و لم تحبس هرة
اكتب هذا الكلام ربما يقرأه احد الغافلين لعله يتذكر او يخشي قبل ان ياتيه القصاص
المسلم لا يزال في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما
والله يقبل التوبة من العبد ما لم يغرغر
المهم و الاصعب ان يهدي الانسان الي التوبة
و لن يكون هذا الها بطاعة الله فقط و ليس قوانين الطواريء و غيها من الظلم
*وان تطيعوه تهتدوا وما علي الرسول الا البلاغ المبين*


فاطمة

بسم الله الرحمن الرحيم

شكر الله للكاتب على إيضاحاته نحو القضية السورية ولكن ماذا يقصد الكاتب بهذه العبارة
أخيرا: فإن الشعب السوري أكبر وأشرف من أن يطلب من أمريكا أن تغزو سورية -كما فعلت في العراق- لإنهاء حكم حزب البعث.

أخي الكاتب إن العراقيين لم يطلبوا من أمريكا أن تأتي لتخلصهم من البعثيين إنما أمريكا الصليبية جاءت بهدف حرب صليبية على العراق بدأت بأفغانستان و انتهت بالعراق ولا نعرف وجهتها بعد ذلك و إذا الكاتب يقصد الشيعة الخونة فإن أمريكا لا تفعل ما يريدونه بل هم يفعلون ما تريد أمريكا لأنهم جبناء يريدون حكم و متعة و أموال حتى ولو على حساب أعراضهم فعروقهم تشربت بدماء الخيانة كجدهم ابن العلقمي


غياث يقول

الشعب السوري شعب طيب ويستحق الحرية والكرامة ولكن يجب ان يكون لذلك ثمن.. وعلى من يبحث عن كرامته ان يناضل من اجلها ولكل مجتهد نصيب.. لا اتفق مع الكاتب في مقارنته بين الشعبين السوري واللبناني..فالشعب السوري شعب مسلم بغالبيته ولا يملك مصالح واتصالات قوية مع الغرب بينما الشعب اللبناني شعب متعدد الفئات والمغتربين اللبنانين يعدون اكثر بكثير من مواطني الداخل.. كما ان بعض الفئات اللبنانية تحظى بدعم امريكي او فرنسي لاسباب عديدة.. ولذلك نقول ان على الشعب السوري ان اراد الحرية ان يسعى لها بواسطة الاعتماد على نفسه.. وحينها سيستحق الحرية بجدارة.. دون ان يكسب فضل احد عليه..مغترب لبناني..