آخر الأخبار

ماذا تريد المعارضة اللبنانية؟

2005-3-5 | أميمة عبداللطيف ماذا تريد المعارضة اللبنانية؟

أثناء التظاهرات التي أدارتها بنجاح المعارضة اللبنانية في ساحة الشهداء وبالقرب من قبر الرئيس رفيق الحريري، وقعت حادثة كادت أن تودي بوحدة المعارضة الملتئمة والجامعة لعناصر كانت لوقت قريب لديها ممايفرقها أكبر وأعمق ممايوحدها. قامت عناصر من شباب الكتائب برفع علم الكتائب وأرفقت صور الرئيس السابق بشير الجميل بجانب صور الرئيس رفيق الحريري وخط تحت الصورتين (شهيد آيار 1982- شهيد نيسان 5).

أثار التشبيه حفيظة أنصار الحريري من المسلمين السنة -الذين صاروا عمودا رئيسا في المعارضة اللبنانية بعد النهاية غير إنسانية لمن يعتبرونه زعيما للطائفة السنية- ذلك أنه بالنسبة لمسلمي لبنان لم يكن بشير الجميل سوى عميلا إسرائيليا سعى لتأسيس لدولة مسيحية بمساعدة إسرائيل وكاد يوقع اتفاقا بهذا المعني، ثم اغتيل قبل التوقيع. على الفور دخل على الخط زعيم الدروز ورئيس الحزب الأشتراكي التقدمي وليد جنبلاط والذي يعاد إنتاجه اليوم ليظهر بصورة الزعيم الجديد للمعارضة اللبنانية، حيث سعى لإنقاذ الموقف وطالب فيما يشبه الأمر، الشباب المتظاهر بعدم رفع أية أعلام سوى العلم اللبناني والتخلي عن كل الشعارات التي من شأنها أن تؤدي لتوتر طائفي وذلك "للحفاظ علي وحدة المعارضة".

هذه الحادثة رغم رمزيتها إلا أنها تثير أسئلة جمة فيما يتعلق بما تمثله المعارضة اللبنانية التي يرجع إليها الكثيرون، سيما في الصحف الغربية، الفضل في إسقاط الحكومة. بل إن بعض الصحفيين الغربيين ذهب إلى حد اعتبارها مسئولة عن نشر الديمقراطية أو كما وصفها البعض "ثورة الأرز" في أنحاء الشرق الأوسط، بما أسست له في لبنان من تمرد على نظام سلطوي وتمتعها بإمكانية تحريك الشارع عن طريق مجموعة من الوسائل المدروسة والمنظمة والحفاظ على زخم هذا التحرك.

فهل المعارضة اللبنانية بشكلها حالها الآن هي معارضة تجمعها أهداف مشتركة؟ وهل لديها رؤية واحدة حيال مختلف الموضوعات (ومنها: ماهو سقف المعارضة؟ أهو الطائف أو القرار 1559؟ بمعنى هل إن سقف المعارضة هو انسحاب كامل لسوريا أم تمركز وحدات في البقاع؟ وكيف يرون العلاقة مع سوريا وكيف سيتم التعاطي مع حزب الله؟) أم أن هناك داخل المعارضة، التي تبدو متوحدة، أجنحة متعددة وخطط مختلفة؟ وإلى أي مدى يمكن لهذه المعارضة أن تحافظ على وحدتها في ظل ضغوط الإختلافات الداخلية؟. وهل المعارضة اللبنانية تتحرك بمنأى عن الخارج؟. وإلى أي مدى يمكن القول أن مطالب المعارضة تصب في المصلحة اللبنانية البحتة ولا تهدف لأن تخدم مشروعا إقليميا بإدارة أمريكية-صهيونية؟.

ليس هناك من شك من أن المعارضة اللبنانية استفادت أيما استفادة من حادث إغتيال الحريري، وقد نجحت بشكل يكاد يكون مبهر من توظيف حادثة الاغتيال وماتلاها من غضبة شعبية عارمة توظيفا إعلاميا وأدائيا بارعا بل وحققت اختراقات غير مسبوقة في الشارع اللبناني مستقيدة من الفورة الشعبية العفوية التي صدمها موت الحريري، حتى صارت المطالبة بالخروج السوري، والتي بدأت مسيحية، تبدو الآن أجندة وطنية، سيما بعد انضمام تلفزيون الحريري ليكون لسان حالهم حتى صار -برأي البعض- في تغطيته الإخبارية أكثر "قواتية" من تلفزيون القواتيين إل بي سي، بل وتبني خطا "عونيا" يذكر بشوفينية لبنانية مقيتة وكراهية لكل ماهو عربي، وهو الخطاب الذي يعاد إنتاجه وإحياؤه الآن بين بعض أوساط المعارضة اللبنانية، خاصة بين مناصري التيار الوطني الحر، وهو تيار ميشيل عون والقوات والكتائب، ويمكن ملاحظته من الخطاب العنصري المقيت الذي يحقر ويسخر من كل ماهو سوري ولا يفرق بين نظام وشعب.

فهل لدى المعارضة بعد نجاحها في إسقاط الحكومة وتحريك الشارع، رؤية اجماعية حول عما يجب فعله؟ وهل بإمكانها والحال كذلك أن تسد فراغ القيادة الذي خلفه موت الحريري؟.

باسم السبع هو وزير إعلام لبناني سابق وكان أحد المقربين من الرئيس الحريري وأحد الأقطاب المهمين في المعارضة الحالية، اعتبر أن هناك تحديات مهمة تواجه المعارضة اللبنانية، وقال في مقابلة معه ببيروت أن اللعبة النهائية للمعارضة هو استعادة النظام الديمقراطي وإزالة النظام المخابراتي السوري اللبناني وتطبيق اتفاق الطائف الذي ينص على انسحاب سوري، وأوضح السبع بأن ثمة إجماع داخل صفوف المعارضة علي الأقل على هذه الأهداف واعتبر أيضا بأن الحفاظ على المشروع الوطني اللبناني هو أحد أهم أهداف المعارضة، رغم اعترافه بوجود اختلافات نوعية داخل صفوف المعارضة حول قضايا بعينها. ولكن السبع اعتبر أن أكبر نصر حققته المعارضة اللبنانية هو أنه ولأول مرة ينظم اللبنانيون أنفسهم سياسيا بشكل غير طائفي. ويرفض السبع الإتهامات القائلة بأن المعارضة اللبنانية قد وظفت مقتل الحريري لخدمة أغراض سياسية صرفة. واعتبر بأن المصالح السورية في لبنان ستكون محمية أكثر إذا كان هناك نظام ديمقراطي في لبنان.

أما فيما يتعلق بالسقف الذي تتبناه المعارضة اللبنانية فثمة أجنحة مختلفة داخل صفوف المعارضة يعضها يطالب بالأكتفاء بتنفيذ الطائف والبعض الأخر سقفه هو 1559 وير السبع أن هناك تيار يميل إلي الحصول علي غطاء عربي يري بضرورة المزاوجة بين الطائف و1559 علي إعتبار أنهما يهدفان في النهاية لإنهاء الوجود السوري في لبنان. غير أن وجهة النظر تلك فيه شئ من عدم الصحة فبينما ينص الطائف علي إعادة إنتشار الجيش السوري للبقاع بعد سنتين من توقيع الإتفاقية —التي وقعت 1989 — يحدد أيضا المهام العسكرية ومدة بقاء الحيش السوري بالبقاع بينما قرار 1559 يتحدث صراحة عن ضرورة "إنسحاب القوات الأجنبية من لبنان" وهي المعني بها سوريا. وتتهم المعارضة سوريا بأن تلكؤها في تنفيذ الطائف هو الذي أودي لهذه النتيجة. غير أنه ليس ثمة إجماع حول ماإذا كان يجب أن يكون هناك إنسحاب شامل أم إنسحاب جزئي . في بيان المختارة الذي صدر أول من أمس أقرت المعارضة بضرورة الإنسحاب الشامل قبيل الإنتخابات النيابية المقررة في مايو القادم.

ولكن هناك من بين صفوف المعارضة، وربما هو رأي قوى سياسية أساسية مثل حزب الله وأمل، من يرى بأن مسألة الإنسحاب السوري لابد وأن ينظر إليها في السياق الأكبر وهو الصراع العربي الإسرائيلي، وترى تلك القوي بأن الحل الوسط لا يكون بانسحاب كامل، وإنما يتم إعادة انتشار للقوات السورية، وأن تتمركز في نقاط إستراتيجية في لبنان، وذلك حتى يتم البت في الصراع العربي الإسرائيلي، وتعتبر تلك القوى أن أي قرار تعلق بالوجود السوري لابد وأن يتخذ من قبل حكومة منتخبة وطنية وأن يكون بإجماع وطني.

وباعتراف قوى داخل المعارضة نفسها، هناك أزمة داخلية تواجهها وتتمثل في كيفية تعاطيها مع ما أسماه أحد مصادر المعارضة بـ"المسألة الشيعية"، واعتبر المصدر بأنه في حال فشلت المعارضة اللبنانية في احتواء والتعامل مع القوي الشيعية، فأي حديث عن إجماع وطني يصبح غير صحيح، ويضيف بأنه طالما ظلت تلك القوى خارج اصطفاف المعارضة أو متحالفة مع سوريا سيظل الإجماع الوطني غير متحقق.

يظل إذن حزب الله هو الورقة الرابحة في المعادلة حتى الآن، وربما هذا ما يفسر تصريحات جنبلاط التي اعتبر فيها الحزب شريكا أساسيا في العملية السياسية في لبنان، غير أن جنبلاط أيضا لا يعول عليه ذلك أن تصريحاته للصحافة الغربية تحمل نبرة مغايرة حين يقول في حديث لجريدة فرنسية بأن المعارضة لن تسمح بأن يكون حزب الله أداة تضغط بها سوريا على الداخل اللبناني، ولكن يبدو أن التحدي الأكبر الذي يواجه المعارضة، بل وربما يكون مفصليا في كشف ما مدى أن المعارضة اللبنانية ليست أداة داخلية لتحقيق المخطط الأمريكي، هو موقفها من نزع سلاح حزب الله. وفي حال قدومها للحكومة من خلال الانتخابات سيكون هذا الأمر هو الاختبار الأخير لها لتثبت أن مشروعها الوطني في لبنان مغايرا للمشروع الأمريكي. السبع يستبعد تماما أي مواجهة بين المعارضة والحزب على عملية نزع السلاح، ويرى بأن المعارضة من الذكاء بألا تنجر إلى محاولة مواجهة الحزب.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر