آخر الأخبار

قد تكون دمشق بريئة من دم الحريري!..ولكنها بالتأكيد عملت على اغتياله سياسيا

2005-3-4 | قد تكون دمشق بريئة من دم الحريري!..ولكنها بالتأكيد عملت على اغتياله سياسيا

قد يمر وقت طويل قبل أن يُعرف على وجه التحديد من أمر بـ/أو نفذ/ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. لأن عملية الاغتيال كانت من الدقة، بحيث لم يعرف حتى الآن الوسيلة التي تمت بها عملية التفجير الضخمة التي أودت بحياته وحياة آخرين، وخلفت دمارا كبيرا في واجهة الفندق المجاور.

وطالما أن البحث الجدي عمن اغتال الحريري غير متوفر حتى الآن. فيمكننا أن نؤكد أن الوحيد الذي يعرف بالضبط من هو الجاني أو الجناة، هو الذي أمر بتصفية الرئيس الحريري، لحسابه أو لحساب آخرين مستفيدين من تغييبه عن الساحة اللبنانية وربما عن الساحة الإقليمية التي وضعتها عملية الاغتيال الآثمة على فوهة بركان.

ومع أنه معروف للبنانيين والسوريين أن اللغة التي كان يفضلها النظام السوري في حواره مع معارضيه هي لغة الاعتقالات والاغتيالات، خصوصا في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وقد لا تكون هذه اللغة قد ألغيت تماما من قاموس الأجهزة الأمنية حاليا، إلا أن الأمر اختلف في عهد الدكتور بشار الأسد بعض الشيء، وإن كنا لا نزعم أن لغة الحوار السياسي قد حلت، بشكل مقبول، مكان لغة الاغتيال والاعتقال.

وبأخذ ما ألمحنا إليه أعلاه، وبعيدا عن الحماس الذي يبديه أنصار الحريري وفصائل المعارضة اللبنانية لتحميل النظام السوري تبعات تلك الجريمة، وبمقارنتها بمسلسل التصفيات الجسدية التي قامت بها أجهزة أمن النظام السوري ضد معارضي النظام خارج سورية، فإننا قد نعيد النظر باتهام النظام السوري بهذه الجريمة.

ولعل أهم سبب يجعلنا نفتش عن القتلة في مكان آخر جريمة اغتيال الحريري أن هذه الجريمة تتفوق، من حيث دقة تنفيذها، على جرائم الاغتيالات التي نفذتها تلك الأجهزة ضد خصوم هذا النظام. فهذه الجريمة التي أودت بحياة الحريري تمت بمهنية إجرامية ترقى إلى مستوى فعل المحترفين الكبار الذين نادرا ما كانوا يتركون وراءهم ما يدل على هويتهم.

وإذا كانت السمعة السيئة للنظام السوري في اغتيال الخصوم لا تساعد في وضعه فوق الشبهات، فإن التحليل السابق قد يجعلنا نقطع ببراءة النظام من دم الحراري، وإنه، على الأقل، غير متورط بشكل مباشر في هذه الجريمة. ومع ذلك فإننا غير متأكدين بأنه سيستطيع إقناع الآخرين ببراءته، خصوصا وأن جسم النظام "لبّيس" كما يقول اللبنانيون، وأنّ هناك من ينتظر مثل هذه السانحة –جريمة اغتيال الحريري- حتى يشهر في وجهه البطاقة الحمراء.

وإذا ما اضطر النظام السوري لدفع فاتورة اغتيال "الحريري"، فسيكون كالغراب الذي أذن له جاره بأخذ بعض لحم الشواء، فتناوله بمنقاره، وقد علقت في مخالبه جمرة وهو لا يشعر بها. وعندما ألقم الشواء لفراخه وقعت الجمرة في العش وأحرقتها. وعندما أخبر"سليمان" عليه السلام أن الشواء كان من حلال قال له:هذا القصاص عن ذنب آخر. وما أكثر الذنوب التي اقترفها النظام السوري ولم يسدد فاتورتها بعد.

وإذا كان الغطاء الأمريكي للنظام السوري في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين محفزا قويا له لكي يقمع كل الأصوات المعارضة في سورية ولبنان، من دون أن يخشى أحدا على الساحة الإقليمية، فإنه على ما يظهر ما يزال لا يريد أن يقتنع بأن أمريكا الحالية، بعد أن احتلت العراق، هي غيرها قبل 11 أيلول سبتمبر 1، "وأن زمن أول تحول".

معظم المراقبين يعتقدون أن أمريكا تعمل حاليا لإجبار النظام السوري على تسديد الفواتير التي تراكمت عليه على مدى أكثر من ثلاثة عقود. والعجيب الغريب أن هذه الفواتير ستسدد تحت تهديد واشنطن نفسها التي كانت تغض الطرف عنه أيام كان يدفع لها من حساب التنازلات الجاري، حيث كانت تسحب من رصيد المواقف القومية في سورية ولبنان وفلسطين. ولقد كان النظام يفعل ما يفعل، وهو يظن نفسه في مأمن، لأن أمريكا سيدة العالم تتغاضى عن سياسته القمعية في سورية ولبنان.

ورغم كل المقالات التي كان المخلصون يوجهونها للنظام السوري ومنها مقالنا الذي نشرته مجلة العصر الإلكترونية وكذا صحيفة "القدس العربي" في 17 كانون الثاني الماضي تحت عنوان"هل تنسحب سورية طوعيا من لبنان؟"، فقد فشلت دمشق بإخراج الجيش السوري من لبنان.

ورغم أن الجميع أدرك أن الرياح أخذت تهب بغير الاتجاه الذي ترغب به القيادة السورية الحالية، وأن أمريكا قد سحبت التفويض الذي منحته للرئيس الراحل "حافظ الأسد" عند ما سمحت له بإدخال الجيش السوري إلى لبنان في عام 1975، فإن هذه القيادة بدت وكأنها في واد آخر.

لقد مضى عهد طويل كان النظام السوري يتفرد فيه بإدارة الأزمات التي كانت تعصف بلبنان، لا يلقي بالا لكل الفرقاء اللبنانيين إلا من رضي أن يسير في ركابه. وما يزال بعضنا يتذكر اللجنة العربية الثلاثية التي شكلتها الجامعة العربية -في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين وقبل انعقاد مؤتمر الطائف- لتقويم الوضع المتفجر على الساحة اللبنانية. وقد أفاد التقرير الذي خرجت به تلك اللجنة: أن النظام السوري كان هو العقبة الأهم أمام تنقية الأجواء في لبنان. غير أن استقواء النظام السوري بالنفوذ الأمريكي في ذلك الحين، جعل ذلك التقرير حبرا على ورق، مما مهد لاتفاق الطائف الذي تم تنقيح بنوده بندا بعد آخر من قبل دمشق حتى وصل إلى الصيغة النهائية، ما جعل زمام المبادرة في لبنان بيد سورية.

ولقد استطاع النظام السوري أن يكيّف تنفيذ بنود اتفاق الطائف. فإذا كانت مدة رئيس الجمهورية ستنتهي قبل انتخابات المجلس النيابي، عمل على التمديد لرئيس الجمهورية الموالي له حتى تتم الانتخابات النيابية تحت الضغوط السورية، وتكون أغلبية النواب من الموالاة، وبالتالي تشكيل حكومة موالية، تعمل على إبقاء الجيش السوري في لبنان.

وقد أصبح الفرقاء اللبنانيون نتيجة لذلك فريقين لا ثالث لهما:فريقا انضوى تحت خيمة النظام السوري ورضي بما يمنحه له من كعكة لبنان،وفريقا وقف في صف المعارضة، فتم تهميشه حتى رأينا المجلس النيابي الحالي لا يستطيع جمع ثلث الأصوات اللازمة لرفض تعديل الدستور، فتم التمديد للرئيس "إميل لحود"، ومن قبله للرئيس "الياس الهراوي".

واستطرادا فقد رأينا الفرقاء اللبنانيين تتغير مواقعهم بعد كل انتخابات تشريعية، أوبعد كل تشكيل وزاري. فمن كان في صف الموالاة بالأمس، أصبح اليوم في المعارضة بعد أن دعمت دمشق خصمه في الانتخابات، أو أخرجته من الوزارة وأتت بآخر. والأمثلة أكثر من أن تذكر، ونمسك عن ذكر الأسماء فكل اللبنانيون أشقاء لنا: من كان في الموالاة ومن كان في المعارضة.

وإذا كنا نستطيع أن نقترب من اليقين عندما نؤكد بأن اغتيال "الحريري"لم يكن من صنع دمشق، فإننا نؤكد أنها حاولت أن تغتال مستقبله السياسي، بعد أن تبين لها أنه رقم صعب في السياسة اللبنانية لا يمكن احتواؤه. ومما زاد في ذنوب الحريري عند دمشق شعورها بأنه يحاول أن ينأى بقرار الطائفة السنية في لبنان عن الهيمنة السورية. وهي قضية لا يستطيع النظام السوري أن يغفرها له بعد أن بقيت ورقة أهل السنة بيد دمشق خلال عهد الأسد الأب، دون أن يكون لأهل السنة –مع احترامنا لمن ولي رئاسة الوزارة عدا الحريري ورشيد كرامي- ما لباقي الطوائف من وجود سياسي محترم.

وما دعم موقفه ضد الابتزاز السوري، أن الحريري، وخلافا لغيره من السياسيين، كان يعطي لبنان أكثر مما كان يأخذ منه بكثير. وكان هذا واضحا من ورشة الإعمار التي بدأها وسط بيروت بعد اتفاق الطائف،والخدمات التي كان يقدمها للطلاب الذين أوفدوا للدراسة على حساب مؤسسة الحريري، وقد زاد عددهم على ثلاثين ألفا.

ولذا فإنه، وبعد مسيرة عقد ونصف من المشاركة السياسية، استطاع الحريري، الذي كان متعدد المواهب، أن يعيد إلى الواجهة دور "السنة" في لبنان بعد أن تضاءل هذا الدور كثيرا منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رشيد كرامي. كما استطاع أن يجعل الآخرين يشعرون بأن أي محاولة لتهميشه إنما هو تهميش لدور أهل السنة في لبنان. ومع ذلك فقد حاول الحريري أن يكون لكل لبنان، ولكن لبنان المستقل بقراره، بمختلف طوائفه.

ومع أنه لم يحاول أن يقطع خطوط الاتصال مع دمشق، فإن هذا الدور المميز للحريري، الذي ألمحنا إليه، لم يكن مما ترتاح إليه دمشق، خصوصا عندما جعل مواهبه وحدها هي التي تجعل رئيس الجمهورية يعهد إليه بتكليف الوزارة، بعد أن مر ما يقرب من عقد ونصف، كان اسم رئيس الوزراء اللبناني يصدر عن مكتب الرئيس السوري قبل أن يعرفه أعضاء مجلس النواب اللبناني.

أخيرا، نريد أن نسجل هنا ملاحظتين هامتين يعرفهما كل اللبنانيين.

الأولى: قد لا تكون دمشق أمرت أو شاركت أو علمت باغتيال الحريري، ولكن الذي لا يمكن أن تنكره أن الحريري قتل في سلطانها وتحت هيمنة الأجهزة الأمنية اللبنانية التي تدين بالولاء للنظام السوري قبل ولائها للبنان.

الثانية: لقد سجلت ضد مجهول جميع الاغتيالات التي تمت بحق السياسيين اللبنانيين الذين كان الود مفقودا بينهم وبين النظام السوري، مثل كمال جنبلاط والرئيس رشيد كرامي والرئيس رينيه معوض والدكتور صبحي الصالح والمفتي حسن خالد... فهل حان الوقت حتى ينكشف القناع عن مرتكبي جريمة اغتيال الحريري،أم أنها هي الأخرى ستقيد كسابقاتها، ضد مجهول؟.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

فاطمة

حتما السوريون ضالعون في إغتيال رفيق الحريري مباشرة وغير مباشرة


طارق

يعجبني بهؤلاء المتمترسون في بلاد الاعمام سام ممن يسمون انفسهم معارضة للنظام في سوريا هذه النفحة الافلاطونية في تفكيرهم وهم يضحكون على ذقون المواطنون السوريون فهل هم يا ترى ما نرى بهم المخلص ونحن نرى ونسمع الشهب المتطايرة من عيونهم محبة لبلدهم ونعلم ماذا سيحل بالناس لو لا قدر الله وعادوا الينا على ظهور الدبابات كما فعل غيرهم وقد جربنا ابائهم في الحكم قبل ان يرحلوا معهم عنا فهم يعتقدوم بان المواطن العربي على العموم لا يزال بحاجة لرضاعة معلوماتهم الذي يكفي ان يطلوا بها من على اي من تلك المحطات التي تستضيفهم تفوح منهم رائحة النتن الاستخباراتي الغربي وهنا اقول نعم هناك حربا استخباراتية جارية بين جميع الاطراف وهم هؤلاء المساكين وقودها من حيث يدروا او لا يدرون واطلب منهم ان يكفوا عن جلد انفسهم وينزلوا عن تلك السجرة التي وضعوهم عليها فقد جربوا طوال عقود من الزمن وما نفع هذا الاسلوب اذ ان الزمن الطويل الذي عاشوه وما زالوا خارج بلدهم انساهم انتماء بني جلدتهم الى القومية والعروبة المقرونة بالشرف والتضحية والصبر وهذه ميزة المواطن السوري منذ القدم تجعلة ينكوي بنار حكامة المحلي الصنع ولا تجربة الفرنجي البرنجي وقد ثبت بالتجربة العراقية الحديثة ان هذه النظرية هي قمة الوعي واستشفاف الخطر البعيد البعيد ولكني اعتقد ان هؤلاء الكهول القابعون في الغربة قد تعلموا في مدارسها ونسوا تاريخهم وانتماءهم ولا حول ولا قوة الا بالله .


خالد مقدادي

امتهنت الانظمة العربية مبدأ تصفية السياسيين والذين يشكلون خطر على حياتهم لانها أنظمة قامت على غير مبادئ الديمقراطية والعدالة واتهام السوريين أو اللبنانيين لن يقدم شيئ في هيكلية النظم السائدة وانما ما حصل هو دليل مادي على فراع الدستور من دولة لبنان المخترقة من سوريا واسرائيل وامركيا فالسؤال كيف يستطيع لبنان أن يعبر للعالم على انه دولة ذات سيادية وليست مسرح مفتوح لممارسة الاحداث


anan

دمشق بريئة من اغتيال الحريري,وامريكا واسرائيل وراء ذلك,وإن لم يكن فلماذا تدخل امريكا لكى تبريئ نفسها من الاغتيال
ورجاء الرد