الدرس اللبناني.. لمن يعتبر

2005-3-4 | محمد سليمان الدرس اللبناني.. لمن يعتبر

بعيدا عن تقويم الاتجاهات السياسية للمعارضة اللبنانية، وعن تعقيدات المعادلة الداخلية والتشابك بين الأبعاد الداخلية والإقليمية والدولية، فإنّ الأحداث الجارية في لبنان تكشف تماما حجم التصدع المخيف في النظام الرسمي العربي ووصوله إلى مرحلة الإفلاس التام، في ظل معادلات دولية ومحلية جديدة مختلفة تماما عن المرحلة السابقة، تسقط فيها كل التحالفات التي كانت تحمل النظام العربي سابقا، وتضعنا أمام مرحلة سياسية جديدة بكل معنى الكلمة، إلاّ أن معالمها غير واضحة بعد.

بلا شك لا يمكن الفصل بين ما يجري في بيروت وما يحدث في العراق وفلسطين وبين الضغوط الخارجية على النظم العربية، لكننا لا نستطيع في ذات الوقت التغاضي عن أن ما يجري في بيروت هو بداية الشرارة لتغيير أوسع سيشمل المجال العربي بكامله، وستكون حركة الشارع اللبناني نبراسا لكل الشعوب العربية، فالثورة السلمية البيضاء التي استلهمها الشارع لبناني مما حدث بأوكرانيا تعد نموذجا متقدما لإصرار الشعوب العربية على الاستقلال والتحرر وتحدي القيود والظلم والحكم القمعي، واستخدام الوسائل السلمية وتوحد المثقفين والكتاب والسياسيين تحت جبهة واحدة عنوانها التحرر والاستقلال والديمقراطية. والأغاني الوطنية التي انطلقت من بيروت وأسقطت الحكومة، لا شك أنها ستسمع جيدا في شوارع العواصم العربية، التي اشتاقت كثيرا لنشيد وطني ينطلق من حناجرها طواعية يردها إلى وطنها بعد عقود من الاغتراب السياسي والثقافي، تم فيها تجيير الأوطان لنخب لم تر فيها إلا مصالح شخصية وجهوية، فهل نخطئ إذا قلنا إننا أمام مرحلة الانقلاب على عقود الرعب السابقة؟!، وهل يمكن أن تفهم حركة "كفاية" المصرية الجريئة التي دفعت النظام إلى تغيير الدستور —خارج هذا السياق- على الرغم أن النخبة المطالبة بذلك قليلة العدد لكنها تحدت القيود والمتاريس والقمع وأصرت على أن تخرج من عصر الزعيم والحزب الأوحد!.

مهما قيل عن العامل الخارجي اليوم، فإننا بلا شك أمام مرحلة جديدة في العالم العربي، تختلف تماما عن مرحلة "ما بعد الحرب الثانية" التي ظهرت فيها الدولة القطرية العربية، لكن هذه المرحلة الجديدة أمام "محك" حقيقي، فهي إن نجحت بكسر قيود الاستبداد والقهر السياسي، فهي أمام خطر محدق وهو القدرة على بناء نظم سياسية جديدة تتجاوز النعرات الطائفية والعرقية والدينية، وتؤسس لمفهوم المواطنة الذي يقوم على احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والعيش المشترك والاندماج الوطني والقومي، والقدرة على تقبل التعددية الثقافية والدينية والسياسية وإعلاء شأن المصلحة الوطنية على المصالح الأخرى. نعم، هناك خوف على لبنان في هذه اللحظة التاريخية الحرجة من أن تنحرف حركة المعارضة فيه عن أهدافها وتدخل في مرحلة الاستقطاب الداخلي المبني على أسس طائفية ودينية وعرقية، لكن إذا استطاع اللبنانيون اليوم —بعد استقالة كرامي- على المضي قدما إلى مستقبل لبنان، على نهج صحيح فإن لبنان بحق سيشكل حالة جديدة من "الوعي السياسي" الذي يغزو المنطقة، ويتقدم الشعوب العربية إلى عهد جديد يكون شعاره التحرر والتنمية والاستقلال الفعلي.

أما موضوع الربط بين ما يجري في لبنان وبين استهداف الولايات المتحدة لسوريا وقصة الموقف السوري من التسوية، فهو ربط صحيح من ناحية، لكنه يغفل —من ناحية أخرى- أمرين رئيسين؛ الأول: أنه يختزل المعادلة اللبنانية وتوق القوى السياسية هناك إلى الاستقلال في هذا البعد فقط، وهذا غير صحيح، فالقوى السياسية لبنانية ليست كلها موالية للولايات المتحدة، ولا ترحب جميعها بإسرائيل، وما وحدها في الحقيقة هو الاستقلال وإسقاط الدولة الأمنية ومصالح نخب قليلة العدد. أما الثاني فهو أنه لا يجوز الدفاع عن الموقف السوري على حساب الشعب لبناني وحريته واستقلاله،فذريعة الأمن ومواجهة العدو الصهيوني لم تعد مقنعة ولا فاعلة اليوم لمنع حرية الشعوب وحجب الديمقراطية عنها!. وما حدث بالعراق بالأمس دليل واضح على ذلك، فلا تعطي معاداة الولايات المتحدة وإسرائيل مبررا لأي نظام كان ليدوس على حقوق الناس وكرامتهم وحريتهم، بل إن هذه السياسة القمعية هي المدخل الكبير والطريق الملكي لأي قوى خارجية للتدخل في شؤون الدول العربية.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر