التعديلات الدستورية في مصر: إذ تُسقط السماء أصلاحا وديمقراطية!!

2005-2-27 | محمود سلطان التعديلات الدستورية في مصر: إذ تُسقط السماء أصلاحا وديمقراطية!!

كان من غير المتوقع، أن يستمر الحال في مصر، في السنوات الخمس القادمة، على ذات الحال الذي كانت عليه قبلها، وإن بدت التكهنات مستسلمة لسيناريوهات اجترار الماضي، وربما لما هو أسوأ مثل انتقال الرئاسة من مبارك الأب إلى مبارك الابن.

إذ إن العالم العربي على وجه التحديد، لم يعد -بعد أحداث سبتمبر-كما يصوره البعض "جزءا من الجغرافيا وليس من التاريخ"، وأنه محض منطقه خالية من الشعوب، أو مسكون فقط بالحكومات والرؤساء والأمراء والملوك.

تدمير التعبير الرمزي للقوة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة -البنتاجون وبرجي التجارة-في سبتمبر عام 2001، فاق في تداعياته على العالم عامة والعالم العربي خاصة، التداعيات المماثلة التي خرجت من رحم، سقوط جدار برلين عام 1989. فإذا كانهذاالأخير اعتبر استهلالا لتحولات كبرى مثل إنهاء الوجود السياسي والجغرافي والأيديولوجي للاتحاد السوفيتي، وانتقال العالم من مرحلة الاستقطاب الكوكبي بين قوتين تتنازعان الهيمنة عليه، إلى نظام الاستسلام لهيمنة القطب الواحد. فإن الأول وضع القوى الدولية الكبرى، ولأول مرة، موضع مراجعة سياساتها، إزاء الأنظمة العربية "الصديقة" لها. إذ ظل مفهوم هذه "الصداقة"، في الاستراتيجيات الرسمية الغربية بمعنى "الحراسة" على مصالحها في المنطقة، غير مكترثة بـ"إنسانية" الحارس أو قسوته، فيما كانت الشعوب محض "أعداء" مفترضين للطرفين معا، وجزءا من أثاث مملكة الحارس، يقلبها بين إصبعيه كيف يشاء.

ولا شك في أن القراءات التي ربطت ظاهرة العنف السياسي، سواء المحلي منه أو العابر للحدود، بحماية القوى الدولية للديكتاتوريات في العالم العربي، وتبني صناع القرار فيها لتك القراءات، والتي كان احتلال بغداد واحدا من تجليات هذه الذريعة. لا شك في أن ذلك أوجد حالة غير مسبوقة تاريخيا، جعلت الجميع شركاء في استحقاقات الإصلاح الديمقراطي المطلوب في العالم العربي: فالولايات المتحدة باتت مطالبة، بأن لا تفرق في هذا الإطار بين بغداد وطرابلس والرياض أو أي عاصمة عربية أخرى لها سجل حافل بانتهاكات حقوق مواطنيها، حتى تثبت صدق نيتها فيما تدعي، والذي بات محل شك حقيقي.

ومن جهة ثانية فإن الأنظمة العربية باتت هي الأخرى مطالبة بأن تبادر بإدخال إصلاحات حتى لا تحرج الحليفة "واشنطن" سواء أمام الداخل الأمريكي أو في الداخل العربي، خاصة وأن صحفا أمريكية كبرى طالبت الرئيس بوش، أن لا يجعل ما تقدمه بعض الأنظمة العربية من "خدمات" لواشنطن، سببا في إعفائها من الضغط عليها لتحسين أدائها السياسي ديمقراطيا، فيما فرضت هذه التحولات من جهة ثالثة على الشعوب العربية ذاتها، أن تستثمر هذا المناخ الدولي الضاغط على أنظمتها، لحملها على الاستجابة لمطالبها.

لم تكن مصر بمعزل عن هذا المشهد، بل إنها كانت في مركزه تؤثر فيه وتتاثر به، واستطاع الرئيس مبارك العام الماضي 2004، من تخفيف تلك الضغوطات إلى حين، عندما نجح في إقناع الدول الغربية من أنه من مصلحته ومصلحتهم أن تكون في مصر "ديمقراطية بدون إسلاميين"، هو مطلب بالغ الصعوبة الآن ومستقبلا، لقوة التيار الإسلامي في مصر، وقدرته على السيطرة على المجالس النيابية والبلدية، وربما الوصول إلى الرئاسة حال، إجراء انتخابات عامة حرة، و تحت رقابة كاملة من القضاء المصري.

وامتدادا لهذا المنحى، رفض الرئيس مبارك مرارا مطالب المعارضة بتعديل الدستور على النحو الذي يسمح بانتخاب رئيس الجمهورية بين أكثر من مرشح، بدعوى غياب ضمانة النضج السياسي في مصر، والذي يؤهل البلد لخوض غمار تلك التجربة، وفي الوقت ذاته يحافظ على استقرار وسلامة أمنه الاجتماعي، واستقلالية إرادة الناخبين، بعيدا عن أية تدخلات وإغراءات مالية خارجية، وهو الادعاء الذي وجد النظام تعزيزا له، بتمرير أخبار تفيد حصول رئيس حزب الغد، أيمن نور -المحبوس حاليا على ذمة اتهامه بالتزوير في محررات رسمية- على 70 مليون دولار من جهة أجنبية، تراهن على حزبه في منافسة حزب الرئيس في الانتخابات التشريعية القادمة.

وفي الوقت ذاته تزايد الحضور الإعلامي والسياسي لنجل الرئيس، فيما تسابق مسئولون مصريون في الحديث عن "موهبته السياسية" التي تؤهله لأن يكون قائدا لـ"مصر المستقبل". في حين يربط البعض بين هذا التسويق الإعلامي للسيد جمال مبارك، وبين كلام الرئيس مبارك عن "الاستقرار" الذي يضمنه عدم المس بالمادة 76 من الدستور التي تحدد اختيار الرئيس بالاستفتاء وليس بالانتخاب. إذ تعتبر المعارضة المصرية ذلك تمهيدا لعملية "نقل آمنة" للسلطة من مبارك الأب إلى مبارك الابن، باعتبار أن هذه النقل "الآمن" من مقتضيات ما يعتقده الرئيس بأنه أدعى إلى الاستقرار.

كانت الأمور تبدو للمعارضة وكأنها مرتبة لتجد سبيلها إلى هذا السيناريو، إلا أنها اصطدمت بحدثين أعادت النظام المصري إلى مربع التفكير جديا في ضرورة فعل شيء ما: الأول اعتقال رئيس حزب الغد، في إجراءات خاطفة وسريعة، بعد لقائه مع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "مادلين أولبرايت" فسرت أنها عملية "تأديب" على فعل لا يزال "سرا" حتى الآن، وما ترتب عليه من دخول القاهرة في مواجهة مباشرة مع واشنطن، ودفاع الأخيرة عن نور واعتباره "داعية ديمقراطي"، فيما أعيد فتح ملف الإصلاح في مصر أمريكيا، بعد أقل من عام من تأجيله، اثر جولة الرئيس مبارك التي نجح فيها في إقناع القوى الدولية، بعدم التعجل في هذا الأمر خوفا من وصول "الأصوليين" إلى السلطة.

والحدث الثاني: تطورات الأحداث في "توجو" فور وفاة "الرئيس جناسنجبي أياديما"، في 5 /2/5، حيث عدل الجيش بسرعة الدستور التوجولي وقانون الانتخابات لإضفاء الشرعية على تعيين نجل الرئيس الراحل رئيسا للبلاد. غير أن الضغوطات الداخلية والمحلية، حالت دون إقرار أية شرعية لتوريث الحكم في توجو، حيث قدم الوريث استقالته، وتقرر إجراء انتخابات رئاسية خلال 60يوما.

ولا شك في أن تطورات الأحداث في توجو كانت اختبارا مهما لمستقبل البلاد العربية التي يتوقع لها أن تعيش سيناريوهات مشابهة مثل اليمن وليبيا ومصر. ويبدو أن قرار الرئيس مبارك يوم أمس 27/2/5، بتعديل المادة 76 من الدستور، لاختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب المباشر، كان محصلة للكثير من الأسباب داخليا وخارجيا، غير أن التطورات الدولية والإقليمية كان لها النصيب الأوفر في هذا الإطار، خاصة وأن التوافق الوطني المشكل من الأحزاب السياسية الرئيسية للمعارضة في مصر، كانت قد استجابت لمطالب الحكومة، بإرجاء تعديل الدستور، إلى ما بعد استحقاقات الاستفتاء الرئاسي في سبتمبر من العام الجاري 2005.

وأيا كانت الأسباب فإن قرار الرئيس يعد انتصارا حقيقيا لحركة "كفاية" التي ظلت رافضة لأية تسوية ترجئ الإصلاحات الدستورية، ونظمت تظاهرات في شوارع القاهرة، لاقت اهتماما إعلاميا، يعتقد أنه كان ضاغطا أيضا في تجاه إضافة المزيد من الحرج للنظام السياسي المصري .

ومع ذلك فإن القيود التي ستضعها السلطات المصرية على راغبي الترشيح لخوض انتخابات الرئاسة المقبلة، قللت من التفاؤل بجدية هذا التحول التاريخي، إذ أشترط اقتراح الرئيس الذي قدمه إلى المجلس الشعب، لضمان "جدية الترشيح" أن "يحصل من يرغب في الترشيح على تأييد ممثلي الشعب المنتخبين في المؤسسات الدستورية (مجلسي الشعب والشورى) وفي المجالس الشعبية المحلية".. وهو الشرط الذي يعطي للحزب الوطني الكلمة الفصل في تسمية المرشحين، باعتباره الحزب الذي له الأغلبية المطلقة في كل تلك المؤسسات التي أسند إليها اقتراح الرئيس تسمية المرشح، ما يجعل من الديمقراطية المصرية المتوقعة "ديمقراطية استبعادية" لا نظير لها في العالم، وليطرح هذا القيد تساؤلات حول جدية التعديلات، وما إذا كانت "تعديلات تجميلية" للتماهي مع "ضغوطات" لا يتمنى النظام السياسي المصري بالتأكيد أن تستمر طويلا.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

محمد حيدة

;كان الرئيس يرفض التعديل
وكان حزب الرئيس يرفض التعديل
وكان مجلس الشعب يرفض التعديل
وكانت الحكومة ترفض التعديل
ثم ااجتمعت المعارضة مع الحكومة لتؤجل التعديل
وفجأة الرئيس يقترح التعديل فتوافق الحكومة ويوافق مجلس الشعب ويوافق المعارضون . فما الذي حدث؟ هل تريد أن تقنعني بأن الئيس وحزبه وحكومته قد استجابو امطالب حركة كفاية؟ أم أن في الأمر سر اّخر؟ أعتقد أن ي الأمر أسرار أخرى والله أعلم.


محمد عبد العليم

ااشتراط توقيع عدد من المنتخبين المشكوك في سلامة انتخابهم يقصر الترشيح علي مرشح الحزب الوطني..
المرشح الرئيسي و هو مرشح الحزب الوطني سيختار منافسية و ستجري الأنتخابات تحت اشراف لجنة يشكلها الحزب الوطني و في ظل قانون الطوارئ..لذا استبعد حدوث تغيير يذكر في الحياة السياسية في مصر


فتى النيل

أشكرا لكاتب المقال
و ادعو القراء إلى التريث و عدم الاستعجال حتى ننرى ثمرة التعديل في اول اختبار له هذا العام


خالد درويش

أأخى الفاضل
تتحية طيبة وبعد
أشكرك على مقالتك القيمة.
أعتبر خطوة التحول من الاستفتاء الى الانتخاب بداية طريق طويل للبحث عن الخلاص من حكم العسكر.
بداية أرجو أن الاتعتبر هى نهاية الطريق.
أخوك/خالددرويش