الصين تؤسس لمرحلة حرب باردة جديدة -1-

2005-2-27 | المحرر الصين تؤسس لمرحلة حرب باردة جديدة -1-

لعل أحد أبرز ما ميز السنة الماضية، عدم ثبات أسعار النفط، حيث وصل سعر الخام الخفيف في نيويورك إلى الذروة 55.67 دولار في 25 أكتوبر الماضي. وربما العامل الطويل المدى والأهم الذي ساهم في ارتفاع أسعار النفط هو زيادة الطلب الآسيوي، وبشكل خاص من الصين. حيث إن نمو الصين لم يسبق له مثيل، ولا يجعل هذا منها أكبر عامل لزيادة طويلة المدى في أسعار الطاقة وحسب، ولكن أيضا الأكثر عرضة لأسعار النفط المرتفعة.

وأصبحت الصين اليوم، التي كانت تستورد النفط منذ 1993، ثاني مستهلك النفط في العالم بعد الولايات المتحدة بنسبة 40 بالمائة من الطلب العالمي للنفط الخام منذ 2002. وتبلغ احتياطيات الصين النفطية المثبتة 18 تريليون برميل والواردات النفطية تشكل ثلث استهلاكها للنفط الخام. بدأت الصين سياسات عديدة لتحمل حاجات طاقتها المتزايدة، ومن ضمن ذلك تعزيز نشاطات الاستكشاف في نطاق حدودها الخاصة، وكذا تنويع موارد الطاقة الأخرى، استعدادا لما بعد النفط، مثل الطاقة النووية، الفحم، مصادر الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي، الأمر الذي يروج لحماية الطاقة ويشجع الاستثمار في التقنيات المناسبة للطاقة. وقد انضمت الصين إلى الولايات المتحدة واليابان في مجال تطوير احتياطيات النفط الإستراتيجية.

على الرغم من هذا، وفي ظل النقص الكهربائي المتقطع، وتزايد نسبة استعمال السيارات والنقل الجوي عبر الصين وأهمية الطاقة للصناعات المهمة والمتزايدة بشكل إستراتيجي مثل الزراعة والبناء، والفولاذ وصناعة الإسمنت، فإن هذا الضغط سيفرض على الصين الوصول إلى موارد الطاقة على امتداد العالم. ونتيجة لهذا، فإن أمن الطاقة أصبح المنطقة الحيوية ذات الأهمية البالغة بالنسبة لاستقرار وأمن الصين. وعلى هذا، تضاعف الصين الجهود لضمان الممرات البحرية وطرق النقل، المهمة لشحنات النفط وتنويع موارد الطاقة في مناطق أخرى عدا الشرق الأوسط، مثل أفريقيا، القزوين، روسيا، الأمريكتين ومنطقة شرق وجنوب بحر الصين..

وقد ضاعفتالحاجة لأمن الطاقة إمكانية المنافسة والمجابهة في مجال الطاقة. هذه المنافسة حتى الآن حُددت في المجال الاقتصادي عبر شركات الغاز والنفط المملوك للدولة. لكن، وبينما أسعار النفط ترتفع والصين تستورد كمية متزايدة من الطاقة، من المحتمل أن يتسع نطاق المنافسة ليشمل المجالات السياسية والعسكرية، وهناك إشارات على هذا المنحى.

إن مسعى الصين في خوض معترك اكتساب موارد الطاقة على المسرح العالمي بما يلبي حاجياتها، يولدتأثيرا مربكا على الأمن الدولي والإقليمي. وبالنظر إلى غياب رؤية مشتركة متماسكة لأمن الطاقة في آسيا وبعلاقات الصين المتوترة مع الدول المجاورة، فإن المنافسة على موارد الطاقة قد تكون بداية الشرارة لنزاع إقليمي ودولي. وفي العديد من الحالات، فإن الصين تخوض معترك التنافس على موارد الطاقة في بعض المناطق الأقل استقرارا في العالم. وتدخلها في المناطق بمشاكسات يمكن أن تسحبها فعلا إلى النزاعات، وتحول بهذا النزاع الإقليمي إلى نزاع دولي.

* المنافسة الصينية اليابانية على الطاقة:

بينما وصلت التجارة الصينية اليابانية مستويات لم يسبق لها مثيل في السنوات الأخيرة، فإن التقدم الاقتصادي يمكن أن يتعثر بالمجابهة السياسية والعسكرية وبالمنافسة على الطاقة. ولا زالت علاقات الصين باليابان يغلب عليها طابع التوتر نتيجة عدد من القضايا، والتي تتضمن، مثالا لا حصرا، معارضة الصيني لحصول اليابان علىمقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وأيضا هناك نقاش في اليابان بخصوص قطع مساعدتها لبرنامج تطويرها لما وراء البحار الموجه إلى الصين في ظل تحسن المستوى المعيشي للصين، وكذا مستويات النمو العالية وعلاقات مجابهة مع اليابان. ويُحتمل أن تشهد هذه التوترات تصعيدا أكبر بفعل مسعى كلا البلدين في اتجاه أمن الطاقة، خاصة وأن كلا منهما مستورد للنفط، مع استيراد اليابان لـ 8 بالمائة من احتياجاتها النفطية. وفي محاولة للوصول إلى موارد طاقة أقرب جغرافيا وتنويعا لمصادر النفط عدا الشرق الأوسط، تعمل اليابان والصين من أجل كسب موسكو بشكل نشيط لمدَ خط أنابيب نفط. فبينما تدفع بيجين باتجاه خط طوله2004 كيلومتر يمتد من منطقة "آنقارسك"في سايبيريا إلى"داكينغ"في شمال شرق محافظةHeilongjiang الصينية، تفضل طوكيو خط أنابيب طوله 4000 كيلومتر من منطقةTaishet إلى ميناء المحيط الهادي بـ"ناخودكا". وقد ظفر الاقتراح الياباني في الأخير بالدعم. غير أن العلاقات المتوترة أحيانا بين اليابان وروسيا، بسبب الأراضي الشمالية المتنازع عليها مثلا، وكذا عدم توقيعهما لمعاهدة سلام رسمية لإنهاء عداوات الحرب العالمية الثانية، من شأنها أن تؤخر بناء خط الأنابيب.

وأيضا بحثا عن مصادر للطاقة أقرب جغرافيا، يبرزن زاع إقليمي بين الصين واليابان في منطقة شرق بحر الصين، التي يدعي كلا الجانبين أحقيته بالمنطقة الاقتصادية الخاصة (E.E.Z)، ويتعزز أكثر بصدور تقارير كشفت عن تجهيزات واسعة للنفط والغاز في المنطقة. وفي 2003، بدأ الصين بالحفر في المنطقة بعد أن رفض اليابانيون اقتراح صيني لتطوير الحقل معا. وقد أخذت المنافسة مؤخرا شكل مجابهة عسكرية في 1 نوفمبر 2004، أنهته الصين باعتذار رسمي.

ويضاف إلى هذه التوترات، تغيير اليابان موقفها السلمي والدفاعي لما بعد الحرب نحودور عسكري نشيط أكثر في المنطقة، كما حصل مؤخرا بإرسال فرق من قوات دفاعها إلى العراق. علاوة على ذلك، فإن اليابان اعتبرت الصين للمرة الأولى تهديدا محتمل لأمنها وهذا في مذكرة برنامج دفاعها الوطني الذي صدر في ديسمبر 2004. وجاء فيها أن هناك ثلاث قضايا يمكن أن تثير النزاع بين الصين واليابان: المصادر الطبيعية في شرق بحر الصين المتنازع عليه، والوضع القانوني المختلف عليه لجزر Senkakuأو Diaoyu، ودعم اليابان للولايات المتحدة في نزاعها مع الصين حول تايوان.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر