بوادر أوكرانيا جديدة في لبنان؟!

2005-2-23 | علي حسين باكير بوادر أوكرانيا جديدة في لبنان؟!


لا تزال بوادر تداعيات اغتيال الحريري تلقي بظلالها على الصعيد المحلي والإقليمي وحتى الدولي،ولا يتوقّع انحسار هذه التداعيات على الأقل إلى حين ظهور نتائج التحقيق في قضيّة اغتياله، وعندها إما أن تتّجه الأمور إلى التصعيد لعدم الاقتناع بالنتائج، وإما أن تصطدم بجدار العقلانيّة فتتراجع وتنحسر إذا كانت النتائج مقنعة.

في هذه الأجواء يبدو أنّ المعارضة آخذة في التصعيد مستغلّة الغليان أو الهيجان والنقمة الناجمة عن اغتيال الحريري ومحاولة توظيفها قدر الإمكان في مطلب واحد وهو خروج القوات السورية من لبنان ولو أدى ذلك إلى رجوع عهد الانتداب (بعض المشاركين في المظاهرة كان يحمل العلم اللبناني أيام الانتداب وهو عبارة عن علم فرنسا في وسطه أرزة)، مع العلم أن هذه المعارضة هي مجموعة معارضات مفككة ليس لديها أي برنامج سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي مستقبلي واضح المعالم، ولكن بعد اغتيال الحريري جمعها مطلب واحد وهو خروج القوات السورية.

ويبدو أن الذي قام بعمليّة الاغتيال سعى إلى تشكيل جبهة معارضة موحّدة يستطيع الاعتماد عليها إذا ما أراد التدخّل في لبنان لمواجهة سوريا أو الحصول على تنازلات كبيرة منها (لا ندري إذا كانت التنازلات تكفي في هذه المرحلة)، وهذا ما يفسّر عدم اتهام أمريكا لسوريا مباشرة بالعملية، وعدم إدراج فرنسا لحزب الله في قائمة الإرهاب الأوروبية، ولعل المراد هو إبقاء نافذة للمساومات وتقديم التنازلات وحساب خط الرجعة في الوقت الحالي بانتظار ردود الفعل.

وفي هذه الأجواء، رفضت المعارضة دعوة الحوار التي تلقّتها من الأطراف الأخرى مصرة على ورقة الشارع والتي تنذر بخطر كبير ومفجع، ولكن يبدو أن إصرارها هذا جاء إثر تسرب معلومات مفادها أنّ فرنسا وأمريكا تدعم هذا التوجه في الوقت الحالي، ويبدو أن المعارضة وفي حال عدم خروج القوات السورية من لبنان سيتم دفعها إلى نموذج أوكرانيا الذي قادته المخابرات الأمريكية ضد روسيا، والذي نجح في تحقيق الطموحات الأمريكيّة دون الاصطدام العسكري مع روسيا، بمعنى أنها ستسعى إلى إسقاط الحكومة اللبنانية في الشارع، وهذا ما بدأته بالفعل بحديثها المتكرّر عن انتفاضة الاستقلال.

لكن من جهة أخرى، يمكن القول إن السلطة اللبنانية لم تستعمل كافة أوراقها في هذه اللعبة خاصة أنها تدرك أن ورقة الشارع خطيرة جدا، وقد يكون لها عواقب كارثيّة إذا عرفنا أن اللبنانيين قد ينساقون عبر تحزّبهم وامتلاكهم للسلاح وانقسامهم الآن في ظل هذا الغليان إلى خوض حرب أهلية، ولا شيء يمنع من ذلك إذا لم يتم تدارك الأمر.

لكن مسيرة عاشوراء التي نظمها حزب الله يمكن قراءتها على أنها رسالة إلى المعارضة على أن السلطة أيضا قد تتبنى خيار الشارع، فهي قد تلجأ إليه إذا ما شعرت أنّ دعوة الحوار لا تلقى آذانا صاغية من قبل المعارضة، وإذا استمرّت في التصعيد على النموذج الأوكراني، حينها قد تستخدم السلطة ورقة الشارع، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى حزب الله وقواعده الشعبية فإنه، حيث إنه سيضطر إلى الوقوف إلى جانبها، نظرا لأنّ المعارضة تستهدف ضمن ما تستهدفه إلغاء حزب الله ودوره المحلي والإقليمي، على أساس أن دوره انتهى بتحرير الأراضي اللبنانيّة، وأن مزارع شبعا ليست أراضي لبنانية، لذلك فإن ورقة الشيعة إذا استخدمت لصالح الداعمين لخيار السلطة، فإنهم سيشكلون جبهة مضادة عارمة سيما أنهم أكثر انضباطا والتزاما وتنظيما في هذا المجال، الأمر الذي من شأنه أن يشكّل عامل توازن وقوة للسلطة في مواجهة المعارضة وإظهارها على أنّها ليست صاحبة الخيار فيما يخص الشارع، مع ما لهذا الخيار من تداعيات مدمرة وصدامية وكارثيّة.

فهل سيتحوّل المشهد في لبنان إلى أوكرانيا جديدة؟ هذا ما سيكشفه المستقبل آملين عدم الوصول إلى مرحلة التصادم ليبقى نهج الحريري المعتدل الذي انتشل لبنان من أتون الحرب الأهلية وأعاد إليه وجهه الحضاري و العمراني ودوره الإقليمي والدولي.


alibakeer@hotmail.com


تم غلق التعليقات على هذا الخبر