مستقبل الدور السياسي لحماس

2005-3-17 | محمد سليمان مستقبل الدور السياسي لحماس

ولدت حركة حماس من رحم جماعة الأخوان المسلمين، وقد تأخر قيامها ككيان سياسي وتنظيمي يمارس العمل الجهادي إلى نهاية عقد الثمانينات، وأكد ميثاقها التأسيسي على تحرير فلسطين كلها من البجر حتى النهر، وعلى أن الجهاد هو سبيل هذا التحرير، وعكست حماس في نشوئها وتطورها السريع تزايد الفعالية الإسلامية في المجتمع، والشعور بأهمية الانتقال من العمل الاجتماعي إلى العمل السياسي، إلا أنهفي دولة محتلة لا يمكن الفصل بين العمل السياسي والجهادي المسلح،مما أدى إلى تغليب الجانب العسكري والعقائدي على الجانب السياسي العملي. وفي غضون سنوات قليلة تمكنت من أن تصبح رقما صعبا في المعادلة الداخلية الفلسطينية وفي الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين كذلك؛لامتلاك الحركة عدد من القيادات الاجتماعيةالموثوقة في ظل انتقاد متزايد —آنذاك- للنخبة المسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية.


واحتضنت دول الخليج العربية عددا من قادة الحركة السياسيين، وفي حينأثرت حرب الخليج الثانية على الدعم المالي والإعلامي الذي تحصل عليه منظمة التحرير من الخليج، فإنّ هذا الدعم تحول جزء كبير منه إلى حركة حماس، والتي استثمرت هذا الدعم في عملية التجنيد السياسي وتمويل مشروعها وعملياتها، وحملت الحركة عبئا كبيرا في مرحلة "ما بعد أوسلو" فعملت على تجنب الحرب الأهلية بقدرة مشهودة على الرغم من الضربات الأمنية الموجعة التي تلقتها وأثرت على خلاياها المسلحة، وأودت بعدد من قياداتها العسكرية.


إلاّ أنّنشاط الحركةعادإلى الازدهار، وتحولت علاقتها بالسلطة الفلسطينية وبالتحديد "ياسر عرفات"منذ فشل مفاوضات [كامب ديفيد2]، لتأخذ بعدا آخر مبنيا على التفاوض والتنسيق في مواجهة حكومة الليكود وعودة العسكر الإسرائيلي إلى المناطق التي انسحب منها، التفاوض الفلسطيني- الفلسطيني جاء برعايةمصر ، كما أخذ الجانب المصري -شقيه السياسي والأمني-دورا قياديا في توجيه الأطرافالفلسطينية والتأثير عليها.


ثم ألقت أحداث أيلول بظلالها على الوضع العربي برمته والفلسطيني بشكل خاص، تلا ذلكاحتلال العراق الذي زادمن حالة العزلة والإضعاف للحركة في المحيط العربي، وترافق مع الضربات المتلاحقة القاسية التي وجهها الجيش الإسرائيلي وأدت إلى قتل أبرز القيادات السياسية للحركة والإضرار الشديد في البنية التنظيمية للخلايا المسلحة، وهذا وذاك جاء في ظل حملة أميركية-إسرائيلية لتجفيف منابع الدعم الخليجي المادي لحماس، ومطالبة كل من مصر ودول الخليج العربي بممارسة الضغوط على حماس لوقف عملياتها المسلحة.


تطورت الأمور وازدادت سوءامع وفاة عرفات، وانتخاب "أبو مازن" رئيسا للسلطة الفلسطينية، والذي جاء محمولا على حالة دولية وإقليمية عربية داعمة له ولمشروعه وقوامه: استئناف العملية السلمية، ورفض عسكرة الانتفاضة، وإصلاح السلطة الفلسطينية، توحيد الأجهزة الأمنية، والتحول إلى الاهتمام بتفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين والهموم الاقتصادية.


المتغيرات السابقة ألقت بظلالها على الحركة ونشاطها السياسي، فمن ناحية ظهر واضحا تأثر الحركة بغياب قياداتها السياسية البارزة، كما تأثرت عملياتها العسكرية بالضربات الإسرائيلية، ودفعت الضغوط المصرية والعربية الحركة إلى القبول بالهدنة وبتمرير مشروع "أبو مازن" السياسي. ومن ناحية أخرى شاركت الحركة في الانتخابات البلدية، وبدأت بأخذ توجه سياسي أكثر قبولا بالواقع الراهن وشروط الحركة الجديدة.


في هذا السياق فإن بعض المحللين يقارب بين هذه المرحلة وبين الفترة التي تلت أوسلو، وتعرضت فيها الحركة إلى ضغوط مختلفة، أثرت على دورها السياسي ونشاطها العسكري، لكن الحركة سرعان ما استطاعت تجاوز الاكراهات المختلفة، وتمكنت من إنتاج فعاليتها العسكرية من جديد، وبدرجة أكبر من السابق، لكن هذه "الرؤية" تتجاوز تماما الاختلاف الواسع بين الظروف التي تلت أوسلو وبين الظروف الحالية، والتي تأتي بعد انتكاسة أكبر للمحيط العربي، تعكس نفسها على الحالة الفلسطينية سلبيا وعلى التوازنات الداخلية التي تعمل من خلالها حماس، وعلى العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك بعد الانتخابات الأميركية التي عادت بالمحافظين الجدد وبإدارة بوش والانتخابات الفلسطينية التي أعطت مشروع عباس مشروعية شعبية، وهي كلها عوامل تحد كثيرا من قدرة الحركة الآن على الالتزام بنشاطها العسكري، وتتطلب منها مرونة اكبر في قبول الكثير من الأمور التي كانت تعد بالأمس من المحرمات.


وإذا ابتعدنا عن مقايسة دور حماس اليوم بمرحلة "ما بعد أوسلو" فإن الاحتمالات الأقرب لمستقبل الحركة السياسي تشير إلى احتمالين رئيسين: الأول؛ استئناف التسوية والمضي قدما في الخطوات النهائية، مع استمرار الضغوط العربية على حماس، وهنا فإن حماس ستتحول إلى حركة سياسية تعمل داخل السلطة وفي سياق الترتيبات الجديدة، على غرار جماعة الأخوان المسلمين في الأردن، إلى حين بروز جيل جديد في الحركة يقرر هو خياراته السياسية الجديدة، أما الاحتمال الثاني فهو فشل المفاوضات والعودة إلى المربع الأول في الصراع مع إسرائيل، لكن هذه المرة بشروط أصعب وأقسى على الحركة وعلى بنيتها التحتية، في ضوء مؤشرات التدهور في المشهد السياسي العربي، مما يعزز دوما معادلات توازن القوى لصالح إسرائيل، ويضع الحركة أمام قواعد صراع جديدة تحمل قدرا أكبر من غياب التوازن!.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر