آخر الأخبار

الحركة الإصلاحية في السعودية بين مرحلتين

2005-2-22 | محمد سليمان الحركة الإصلاحية في السعودية بين مرحلتين
شهد العقد الأخير من القرن المنصرم، وبالتحديد منذ نهاية حرب الخليج الثانية، صعودا كبيرا للحركة الإصلاحية في السعودية، والتي انطلقت من المنظور المعرفي والفكري السلفي العام، إلاّ أنها تجاوزت كثيرا من المقولات والمواقف السياسية في الممارسة السلفية السعودية الحديثة. وقد شكل ظهور هذه الحركة وتزايد قوتها وحضورها في المجتمع السعودي صدمة كبيرة لكثير من المراقبين السياسيين سواء في الداخل أم الخارج.
        وتميزت الحركة الإصلاحية في البداية أنها قدمت استجابة فاعلة وقوية لكثير من التحديات والمشاكل التي تواجه السعودية، وأعادت إنتاج الخطاب السلفي ليتحول من خطاب غارق في التراث والتاريخ ومحاربة مصادر سابقة من الانحرافات العقدية والفكرية، لم تعد بذات الخطورة ولا الأهمية!، إلى خطاب واقعي يناقش القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية بشكل مقنع وفاعل يقدّم في إطار لغة معاصرة تستوعب المتغيرات الاجتماعية والثقافية وتتمكن من العبور إلى مختلف الشرائح، بما في ذلك الشرائح الحيوية: الشباب والمرأة والمثقفين والصحفيين.
        كما اكتسبت الحركة الإصلاحية بفضل التطور في بعض وسائل الاتصال والنشر حضورا عالميا، وأصبح مشايخ هذه الحركة بمثابة رموزا لتيار سلفي إصلاحي عالمي شكل صدى للسلفية الإصلاحية السعودية، وإن كانت بوادر هذا التيار موجودة قبل ذلك من خلال عدة جماعات ومؤسسات منتشرة هنا وهناك في العالم الإسلامي، إلاّ أن الحركة الإصلاحية السعودية شكلت زخما كبيرا لهذا التيار، ووسعت من قاعدته الاجتماعية ومن دوائر التأثير لخطابه الاجتماعي والسياسي.   
        لقد كانت القضايا والأحداث التي شكلت تحديا لخطاب التيار الإصلاحي في البداية متمثلة بشكل كبير في عجز الخطاب السلفي التقليدي وعدم قدرته على التفاعل والاستجابة إلى التطورات الاجتماعية، بما في ذلك مناقشة كثير من القضايا الاجتماعية والثقافية والتأثير على شرائح وفئات اجتماعية، وفي الجانب السياسي: وجود القوات الأمريكية في الخليج، بما يرتبط بذلك من أبعاد سياسية وإستراتيجية، وغياب دور الأمة والشعوب في المجال السياسي، وغلبة خطاب التأييد والمباركة والتسويغ لسياسات السلطة على ممارسة التيار السلفي العام، وفي الجانب الفكري والثقافي عدم وجود خطاب فكري سلفي يرتقي إلى تقديم رؤية فكرية إصلاحية بلغة معاصرة لكثير من المشكلات والهموم التي يعاني منها الناس، بل وتوقف الخطاب السلفي التقليدي عند حدود مفاهيم ومصطلحات شكلت لغة غير قابلة للتفاعل مع روح العصر ومقتضياته.
من هنا كانت استجابة الحركة الإصلاحية قوية واستطاعت إحداث اختراق كبير للساحة السياسية والاجتماعية، ووجدنا خطابا سياسيا متقدما متوازنا وخطابا فكريا عصريا متميزا، وخطابا اجتماعيا مؤثرا بشكل كبير، الأمر الذي ساهم بالفعل في تجاوز الصورة العامة السابقة للدعوة السلفية وظهورها في إطار جديد ضمن الثوابت العقدية والفكرية والشرعية العامة لها لكن مع تجديد كثير من مفردات الخطاب وقضاياه.
        لكن الضربات التي تعرّضت لها الحركة الإصلاحية واعتقال رموزها لسنوات، أثرت كثيرا على عملية التجديد في خطابها، وتوقفت به عند حدود التحديات السابقة، وإن كانت أبقت مساحة الاحترام والتأثير الاجتماعي لهذه الحركة ورموزها فاعلة في المجتمعات العربية عامة، والمجتمع السعودي خاصة.
وتزامن – تقريبا - خروج مشايخ الإصلاح من السجن مع وقوع أحداث أيلول وانقلاب الحالة السياسية والأمنية في البيئة الإقليمية والمحلية السعودية، وتفجر حالة من الحراك السياسي والاجتماعي بفعل هذه الظروف والتي تصاحبت مع متغيرات اجتماعية واقتصادية، الأمر الذي ألقى بظلاله على الدولة والمجتمع والعلاقة بين السعودية والولايات المتحدة، بما في ذلك من تداعيات سياسية كبرى.
        إذن البيئة الجديدة التي تزامنت مع أحداث أيلول ومع خروج المشايخ من السجن وتجدد إنتاج الخطاب الإصلاحي مختلفة في شروطها ومقوماتها عن البيئة السابقة؛ فلم يعد الخطاب السلفي التقليدي في جوانبه السياسية والفكرية والاجتماعية يشكل تحديا للخطاب الإصلاحي - إذ أنّ التاريخ قد تجاوز ذلك التيار، وألقى به كل من المجتمع والدولة إلى أطراف الحياة السياسية والثقافية العامة-، بل أصبح التيار الجهادي، والذي احتضنه الإصلاحيون في التسعينات هو التحدي المقابل داخل البيت السلفي، فعمل الإصلاحيون بالتدريج على فك الاشتباك الفكري والحركي مع لغة ومنظومة التيار الجهادي من خلال رفض خطاب هذا التيار، وإعلان التمايز والاختلاف عنه، وتطور الأمر فيما بعد ليصبح بمثابة الحرب الباردة الفكرية بين التيارين، من خلال المؤسسات والأدوات الإعلامية لكليهما.
         كانت مشكلة الحركة الإصلاحية في المرحلة السابقة (عقد التسعينات) هي في تسويغ الخطاب التقليدي لسياسات السلطة وإضفائه الشرعية على ممارستها السياسية مهما ابتعدت عن المصالح الوطنية وعن مثاليات الحركة السياسية الإسلامية المطلوبة، وتقديم خطاب سياسي باهت في مواقفه ورآه أساء للدعوة السلفية حينا من الدهر، مما دفع بخطاب الإصلاحيين إلى مواجهة السلطة والدخول في صدام سلمي معها تحت شعار الإصلاح السياسي والحريات العامة ومكافحة الفساد. إلاّ أنّ مشكلة المرحلة الحالية تمثلت في مواجهة خطاب التيار الجهادي المغالي في التشدد والتكفير، والذي يتبنى العنف والعمل السياسي المسلح كمنهج رئيس للتغيير، مما دفع بالإصلاحيين إلى مهادنة السلطة، التي فتحت لهم باب النشاط العلني المقيد – نوعا ما– وتكريس جزء كبير من خطابهم وجهودهم للحد من تأثير ونفوذ التيار الجهادي.
تشكل المفارقة السابقة معضلة حقيقية أمام الحركة الإصلاحية تتمثل في كيفية الموازنة بين رفض العمل المسلح، والدخول في الحوار الوطني مع الحكومة، ومشاركة النظام في مواجهة الهجمة السياسية والإعلامية الغربية على الدور الديني للدولة وبين الحفاظ على المسافة الفاصلة مع الحكومة بما يكفل عدم تسويغ الواقع وصبغه بالمشروعية، وبالالتزام بصوغ رؤية فكرية / سياسية إصلاحية لكل من السياستين الداخلية والخارجية.
جانب آخر من جوانب التغير في البيئة المحيطة يتمثل في حالة المجتمع ذاته التي تتفاعل معه الحركة الإصلاحية؛ ففي الفترة السابقة - بداية التسعينات - كان المجتمع السعودي ساكنا مغلقا، يعاني من قيود كبيرة، ومن غلبة الجانب المتشدد في الخطاب الديني، مما نفّر عددا كبيرا من الشباب والفئات الأخرى، ودفع إلى تفلت كبير من الأحكام الشرعية من قبل فئات متعددة، وإلى وجود حالة من الفساد الأخلاقي "الخفي" الذي ينخر في البنية الاجتماعية بشكل كبير، فكان خطاب الحركة الإصلاحية يؤكد على اللغة المعاصرة الحيوية الخالية من التعقيد والمبنية على الإقناع والأساليب الوعظية والخطابية المؤثرة، وكان بالفعل يشكل بديلا واسعا ومقنعا لكثير من فئات المجتمع ضد الحالة السابقة.
أما المرحلة الحالية فقد شهدت انفتاحا إعلاميا كبيرا، وباتت القنوات الفضائية تغزو كافة المنازل، وأصبحت شبكة الإنترنت مجالا خصبا للشباب المتعطش للجديد ولتجاوز الحدود الضيقة التي ما زال يتسم بها السطح السياسي والاجتماعي السعودي.
كما تنامى دور القنوات الفضائية والمجلات والمواقع الإسلامية على شبكة الإنترنت في تقديم الخطاب الإسلامي المعاصر. من هنا أصبح سؤال "ماذا بعد" يطرح نفسه على الخطاب الاجتماعي للحركة الإصلاحية؛ خاصة أن الانفتاح الثقافي الذي وفرته وسائل الاتصال الحديث يحمل بعدا أخطر في عبور الثقافة الغربية المحملة بقيم ومفاهيم اجتماعية خطيرة - ذات طبيعة علمانية استهلاكية دنيوية تتصادم مع المنطلقات والقيم الإسلامية الغالبة في المجتمعات العربية، وفي مقدمتها الخليجية المحافظة.
الملاحظات السابقة حول التحولات السياسية والاجتماعية المحيطة بالحركة الإصلاحية تتطلب بناء إدراك فكري جديد يقوم على تطوير وتجديد الخطاب الإصلاحي وأدواته في الاتصال السياسي والاجتماعي والثقافي، حتى لا يصاب هذا الخطاب بحالة الجمود التي أصابت كثيرا من الحركات الإسلامية الأخرى، ويقع أسير الظروف التاريخية التي ميزت المرحلة السابقة، وهذا وذاك يتطلب وجود جهود فكرية - يشرف عليها رموز هذه الحركة– تعمل على بناء قراءة فكرية عميقة للمتغيرات الجديدة، ومقومات الخطاب المطلوب وأدواته ليقوم على مواجهة التحديات الجديدة والخطيرة.
وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى ملاحظات عملية تتعلق بالتحديات الجديدة وبالتفاعل الحالي للحركة الإصلاحية معها:
- في الجانب السياسي: لا بد من التمييز بين رفض مواقف التيار الجهادي وخطابة وممارسته وما ينتج عنها وبين القبول بالمنظور الأمني – الذي تتبناه الحكومة- للتعامل مع هذا التيار، وضرورة التأكيد على أهمية معالجة الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تشكل التربة المناسبة لنمو التيار. ولا بد أيضا من إدراك أنّ المرحلة السياسية الحالية تشكل فرصة ممتازة لممارسة الضغوط لبناء إصلاح سياسي حقيقي يقوم على توسيع قاعدة المشاركة الشعبية، محاسبة السلطة ومكافحة الفساد، الحريات العامة، تأسيس قاعدة المجتمع المدني وتطوير مؤسساته، تطوير أدوات الاتصال السياسي والثقافي وتكريس مفهوم العمل المؤسسي. والانتقال من اللغة العامة إلى اللغة العملية الاجتهادية في التعامل مع المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتقديم رؤى وتصورات واقعية تشكل خيارات وبدائل حقيقية للسلطة والمجتمع.
- الجانب الاجتماعي والثقافي: تطوير المؤسسات الإعلامية والثقافية والاجتماعية، وتأسيس شبكة متكاملة من هذه المؤسسات تقوم على التكامل والمؤسسية لا التكرار والاجترار و [ الشخصانية ]، والعمل على تأسيس قراءة للتحولات الاجتماعية والثقافية ومناهج التعامل معها، ومقومات وشروط الخطاب الفكري والوعظي المطلوبة، بما في ذلك تجديد الخطاب الإصلاحي الإسلامي في هذه الميادين بما يكفل متابعة التطورات والمتغيرات والمشكلات الناجمة عن ذلك.
- وهذا وذاك يقود إلى ضرورة رعاية طبقة من الشباب الإصلاحي المثقف في تخصصات ومجالات متعددة، وتوفير الفرصة له ودعمه ليشكل الصفوف الثانية والثالثة.. الخ ، في بناء الخطاب والممارسة الإصلاحية، والقيام بدوره المطلوب في النهوض بالمجتمع، من خلال اندماجه في مؤسسات إعلامية وسياسية وثقافية، وتوليه المسئولية فيها، حتى يكتسب الخبرة اللازمة لتطوير الحركة الإصلاحية للقيام بدورها.
بقي أن نقول: إنّ الظروف الحالية تشكل فرصة مناسبة للحركة الإصلاحية لتطوير خطابها العام، والقيام بدورها السياسي والاجتماعي، لتحقيق الأهداف والمقاصد العامة لمشروعها المأمول، والأمر يتطلب الابتعاد عن روح الجهود والاجتهادات الفردية والانتقال إلى منطق التفكير الجماعي لتقرير الرؤية المطلوبة للمرحلة الحالية والمستقبل المنظور القادم.   

تم غلق التعليقات على هذا الخبر