نحو صيغة جديدة للعلاقة بين جماعة الإخوان والسلطة التنفيذية في الأردن

2005-2-22 | محمد سليمان نحو صيغة جديدة للعلاقة بين جماعة الإخوان والسلطة التنفيذية في الأردن
حركت الأزمة الأخيرة التي تفجرت بين وزير الداخلية وبين النواب الإسلاميين المياه الراكدة، وأعادت الجدل حول جوهر العلاقة وتحولاتها بين الإخوان والحكومات المتعاقبة؛ إذ لا تقف القضية عند حدود الاختلاف في وجهات النظر حول موقف سياسي أو قرار حكومي معين، بقدر ما تصيب عملية إعادة تعريف العمل السياسي للجماعة، وطبيعة رؤيتها السياسية والاقتصادية ومدى قدرتها على خوض غمار الحياة السياسية بخطاب عقلاني يقدم بدائل عملية ويمارس نقاشا موضوعيا للسياسات الرسمية.
كما أن هناك حاجة ماسة اليوم إلى طرح نقاش سياسي عميق حول دور الإسلام في سياق المجتمع والدولة الأردنية؛ ذلك أن تداخل المجالين السياسي والديني ليس قضية خاصة بجماعة أو حزب بعينه؛ وإنما أمر مرتبط بخيار المجتمع ككل وبالفلسفة الوطنية والشخصية الأردنية على السواء، فحق التعبير عن الإسلام وتمثيل البعد السياسي له أمر يتقرر من خلال المجموع الوطني العام، بما فيه من مؤسسات علمية وفكرية وسياسية واجتماعية، ومتخصصون من مختلف المجالات.
والمشكلة أن قراءة طبيعة العمل السياسي وصيغة العلاقة بين الإخوان والحكومات المتعاقبة - الأمر الذي بات يؤثر على المناخ السياسي العام في الأردن– قد ترك للظروف السياسية وتطورها، وتم السكوت عن الأسئلة الجوهرية التي تنتج عنها مختلف الأزمات بين الحين والآخر، ويأتي في مقدمة هذه الأسئلة فيما إذا كان لدى الحكومات الاستعداد والقبول الواضح بوجود أحزاب معارضة تمارس نقدا لها، وتطرح خطابا يتضمن سياسات بديلة، ويتعلق بهذه المسألة كثير من القضايا المرتبطة بالحقوق والحريات العامة والعملية الديمقراطية برمتها.
وهناك سؤال مرتبط بازدواجية العلاقة بين الأخوان وبين حزب جبهة العمل الإسلامي ومشروعية وجود الحزب مع إصرار الجماعة على البقاء في الساحة السياسية وممارسة هيمنة مباشرة على نشاطات الحزب وقراراته. وفيما إذا كان لدى حزب الجبهة (ممثل الإخوان) القدرة على الانتقال من لغة الاحتجاج والمطالب العامة المعلبة إلى لغة سياسية عملية مبنية على تعريف عقلاني وعملي للمصلحة الوطنية الأردنية العليا، وفيما إذا كان لديه القدرة -كذلك- على صوغ بدائل حقيقية كحزب سياسي يسعى إلى مناقشة سياسات الحكومة بشكل موضوعي وليس استعراضي خطابي وهو الأمر الحاصل اليوم في خطاب الجماعة وسلوكها السياسي.
لكن الأخطر هو ما يتعلق بالدين وحدود توظيفية في الصراعات السياسية الداخلية، وفيما إذا كان الإسلام يمثل من خلال أحد أطراف المعادلة السياسية، أم أنه يشكل إطارا عاما وعنصرا فاعلا من عناصر بناء الفلسفة الوطنية، ويدخل في هذا السياق عملية تحديد دور الإسلام في المجال السياسي الأردني وحدود وشروط التأويل السياسي العملي له؛ إذ أنه لم يعد مقنعا القبول اليوم باختصار الإسلام بحزب أو جماعة معينة، خاصة أن التفسير السياسي للإسلام ليس مقدسا ويحتمل قدرا كبيرا من الاجتهاد والخطأ والصواب، وهناك مساحة كبيرة مما يسميه العلماء "منطقة العفو التشريعي" أو المسكوت عنه في الشريعة الإسلامية والتي تترك للناس مجالا خصبا لاختياراتهم السياسية والاجتماعية، دون أن يدعي أحد الأطراف أحقيته في احتكار الإسلام وتمثيله.
هذه الأسئلة والقضايا هي التي تشكل بالفعل محددات العلاقة بين الجماعة والحكومات، ودون الإجابة عليها ستبقى كل الخلافات والأزمات تعود بنا إلى المربع الأول وإلى الجدل الدائر دوما حول الجماعة والعمل السياسي، فقد آن الأوان لمعالجة وطنية جادة لتحديد عدة أمور أهمها: الالتزام بالعملية الديمقراطية واستحقاقاتها من قبل مختلف الأطراف، تحديد المصلحة الوطنية الأردنية، ضرورة التزام جماعة الأخوان بالعمل الاجتماعي وترك العمل السياسي لحزب جبهة العمل الإسلامي كحزب مدني ووطني أردني. وأخيرا فك الاشتباك في علاقة الديني بالسياسي، بما يكفل أمرين اثنين: احترام الإسلام كإطار ثقافي وسياسي في تكوين الفلسفة الوطنية، في نفس الوقت عدم الزج به في الصراعات الآنية والحلافات السياسية أو توظيفه من قبل أحد أطراف الصراع الداخلي.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر