مصر: سباق مع الإخوان على 'الأضواء' وليس مع الحكومة على 'الإصلاح'

2005-2-22 | محمود سلطان مصر: سباق مع الإخوان على 'الأضواء' وليس مع الحكومة على 'الإصلاح'
لا شك في أن نهاية العام الحالي 2004 والعام القادم 2005، يعتبران، مرحلة حاسمة في تاريخ مصر السياسي. ففي 21 سبتمبر الجاري سيعقد الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم مؤتمره السنوي، والذي من المقرر أن يعيد النظر في جملة من القوانين المرتبطة بـ" الإصلاح السياسي"، من وجهة نظر الحكومة، وفي مقدمتها وكما ورد في جريدة الجمهورية القريبة من الرئاسة، قانون الأحزاب السياسية وقانون الانتخابات وقانون ممارسة الحقوق السياسية والقانون رقم 100 الخاص بالنقابات المهنية، إلى جانب المواد المتعلقة بالحبس في جرائم النشر بالنسبة للكتاب والصحافيين.
وفي العام القادم 2005، سيحين موعد التجديد للرئيس مبارك "76 عاما" لولاية جديدة، وستجري في هذا العام ذاته أيضا انتخابات مجلس الشعب. وتعتبر القوى الوطنية المصرية الفترة الممتدة ما بين انعقاد المؤتمر وموعد التجديد الرئاسي، منعطفا بالغ الخطورة، سيتحدد بموجبه ما إذا كانت مصر ستلحق بقاطرة التحول الديمقراطي، أم ستظل على حالها يستند نظامها السياسي إلى فكرة "إحكام القبضة" من خلال تنظيم إداري واحد، لا علاقة له بما يجري على الأحزاب السياسية من أعراف وتقاليد. الأحزاب والقوى السياسية المصرية، مشغولة هذه الأيام، بالبحث عن آلية للحيلولة دون قيام الحزب الحاكم بالمناورة لتفويت "فرصة الإصلاح"، وقال نائب رئيس حزب الوفد محمود أباظة لهيئة الإذاعة البريطانية "ألـ بي بي سي"، صباح يوم الأربعاء الماضي 1/9/2004 ،" إن القوى الوطنية المصرية لن تفوت الفرصة هذه المرة".
وفي هذا الإطار اجتمع في الأول من سبتمبر الجاري بمقر حزب الوفد "الأنيق" والكائن في ضاحية "الدقي"
-أكثر ضواحي القاهرة أناقة- رؤساء 11 حزبا يمثلون قوى المعارضة المعترف بها حكوميا، تلبية لدعوة وجهها رؤساء الأحزاب الرئيسية الثلاثة "الوفد، الناصري، التجمع". وقالت صحيفة الوفد الصادرة في صباح نفس اليوم إن الهدف من ذلك هو "البدء في تحرك جاد و متواصل لتحديد مسار للخروج بالبلاد من الأزمة الخانقة التي تمر بها في جميع المجالات". وناقش الاجتماع الترتيبات الخاصة بالدعوة لعقد اجتماع موسع يضم مختلف أحزاب المعارضة وممثلي القوى السياسية والشخصيات العامة ومنظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية، وذلك لتشكيل أمانة دائمة لقوى المعارضة يمكنها أن تحدد مسار القوى الوطنية المصرية، لتحقيق طموحات المصريين تحت شعار ما أسمته الوفد "وطن حر ومواطنون أحرار".
كان لافتا غياب حركة الإخوان المسلمين من فاعليات الاجتماع، وهو غياب أثار الكثير من التساؤلات، خاصة وأن الحركة هي التي بدأت في تنشيط الجماعة السياسية المصرية، التي كانت مستسلمة لـ" كسل سياسي" فرضه عليها الحزب الحاكم، بتخليه عن استئناف الحوار معها. يرى البعض أنها جاءت نتيجة للمقاومة العراقية التي حملت بشراستها واشنطن على تعليق أجندتها الإصلاحية في العالم العربي، ما جعل عواصم عربية كانت مستهدفة أمريكيا، تبادر بالتبعية إلى تعليق "حوارها الداخلي" مع القوى الوطنية المثقلة بهموم الإصلاح. وكان الإخوان المسلمون أول تيار سياسي مصري، يطرح مشروعا إصلاحيا في مارس الماضي، من خلال مؤتمر صحفي عقده مرشدها الجديد محمد مهدي عاكف، في نقابة الصحافيين المصريين، وهو المؤتمر الذي أثار ضجة كبيرة، وجعل النقابة هدفا لانتقادات وزير الداخلية المصري اللواء حبيب العدلي، فيما اشتبكت معه النقابة بهجوم واسع، مستغلة تقارير صحفية نسبت لبعض ضباط بالداخلية تورطهم في فضائح فساد في قضية "جزيرة النخيل" الشهيرة التي وقعت في صعيد مصر في شهر مارس الماضي. فيما اعتبرت القوى العلمانية المصرية مبادرة الإخوان آنذاك رسالة لا تستهدف "الإصلاح الداخلي" وإنما "مشاغلة واشنطن" ولفت انتباها إلى الحركة، متى شاءت البحث عن بدائل يشاطرونها إدارة مصالحها في مصر. و هو اتهام باتت تستسهله القوى السياسية المصرية، لإرهاب الخصوم أو إسكاتهم، في ظل مناخ دولي أتاح للإدارة الأمريكية اختراق "الجماعات الوطنية" في أكثر من بلد عربي تحت لافتات في ظاهرها المشروعية وفي باطنها "التوظيف السياسي" في سياق البحث عن "المظلة الوطنية" التي يعمل الأمريكيون تحت غطائها.
وكان الإخوان قبل التحرك الحزبي الأخير، قد بادروا بإجراء حوارات مع الأحزاب السياسية المصرية، في أوائل أغسطس الماضي، تلقاها البعض بردود فعل معتدلة مثل "الوفد" و"الناصري"، فيما اتخذها البعض الآخر للمزايدة و التزلف إلى النظام الحاكم مثل " التجمع" اليساري. غير أن تخلي الأحزاب المصرية عن كسلها، بعد مبادرات الإخوان المتتابعة، حمل المراقبين على الاعتقاد أن الأحزاب شعرت بالحرج من التحرك الإخواني، ورأت أنه من الضروري أن تفعل ما يعيد إليها حضورها الإعلامي، بعد أن سرق الإخوان بمبادراتهم المتلاحقة الأضواء منها، ولتصحيح الانطباع الذي كاد يدلف إلى المشهد السياسي المصري، و يدرج الإخوان - المحجوبة عن الشرعية- في إطار القوى التي تتصدر التيار الإصلاحي، فيما تبدو الأحزاب "الشرعية" مستسلمة للواقع، المرشح - كما ترى تلك الأحزاب- لاجترار مرارة الماضي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
القراءة الأخيرة ترى أن الأحزاب - في واقع الحال - في سباق مع الإخوان على "السبق والأضواء" وليس في مواجهة مع الحكومة على "التغيير والإصلاح"، خاصة وأن الأحزاب السياسية المصرية، تدرك أنها ليست بالوزن والثقل الذي يؤهلها لنيل "احترام النظام"، أو أن تتبادل معه المواقع، أو أن تزاحمه في مجلس الشعب بتكتل برلماني، يدخله النظام رغما عنه في حساباته، في الإحاطات البرلمانية أو في سن القوانين والتشريعات. ومن ثم يتوقع البعض - من بينهم نشطاء سياسيون و حزبيون كبارا- أن تنحو الأحزاب نحو توظيف "ورقة الإخوان" لابتزاز النظام، والدخول معه في صفاقات انتخابية، يتم بمقتضاها استبعاد الإخوان من المشاركة في أي حضور سياسي علني من خلال تلك الأحزاب، أو التنسيق معها في أية ترتيبات انتخابية، نظير أن يسمح النظام بتوسيع حصص الأحزاب في مقاعد مجلسي الشعب و الشورى التي ستجري في العام القادم.
وعزز من هذه التوقعات خلو البيان الصحفي الذي صدر عن الاجتماع التمهيدي بين رؤساء الأحزاب الثلاثة
"الوفد، الناصري، التجمع" الصادر يوم 25 أغسطس الماضي، من أية إشارة إلى إمكانية التنسيق مع الإخوان في ذلك الشأن. وفي هذا السياق وردا على سؤال حول موقف الإخوان من المشاركة في هذا التحرك، أستخدم رئيس حزب التجمع د. رفعت السعيد، لغة مراوغة قائلا " سنجلس أولا مع رؤساء الأحزاب ثم نتفق على الخطوة التالية".
ومن المعروف أن السعيد من أبرز الشخصيات الحزبية في مصر التي تجاهر بعداوتها للتيار الديني، لا سيما الحركات الإسلامية، ويعتبر الإخوان المسلمين هي الحركة التي خرجت من تحت عباءتها جميع حركات العنف الديني في مصر، وما انفك يعظ النظام ويحثه على عدم الثقة في ما يقدمه الإخوان من مبادرات تعكس تحولهم إلى اعتماد الفكر الإصلاحي الوسطي والمعتدل. وأيا كان الأمر فإن استبعاد الإخوان من تشكيل "أمانة دائمة لقوى المعارضة" و الجاري التحضير لتأسيسها هذه الأيام ، سيبقي على الشكل الديكوري للمعارضة السياسية الشرعية ، بعيدا عن التأثير على حسابات السلطة ، إذ تعتبر الحركة ـ رغم عيوبها التنظيمية و دكتاتوريتها المعروفة في العمل السياسي ـ القوة الوحيدة المنظمة في الشارع السياسي المصري ، و تملك "رأيا عاما " ، لا توجد قوى مناظرة له، قادرة على مجابهته، حال السماح لها بالاشتراك بحرية في الانتخابات العامة. ومن ثم فإن "الحرمان الطوعي" للأحزاب من الدعم الجماهيري للإخوان، سيبقي على "النظرة الاستعلائية" التي ينظر بها الحزب الحاكم، للأحزاب السياسية الأخرى. ولذا فإنه من المتوقع أن ينفرد الحزب الوطني الحاكم وحده بتحديد التعديلات المقترحة لما يسمى بـ" الإصلاح السياسي" مفصلة على مقاسه ووفقا لرؤيته دون أن يتشاور مع باقي الأحزاب، وهي توقعات باتت قيادات حزبية معارضة كبيرة مستسلمة له وكأنها "قضاء وقدر" .. لا قضاء الأحزاب و قدرها الذي اختارته خوفا من "سيف المعز" وطمعا "في ذهبه".

تم غلق التعليقات على هذا الخبر