آخر الأخبار

'الهدنة' مع السلطة إلى أين؟ الإخوان المسلمون في مصر ..الواقع والتحديات

2005-2-22 | عبدالله صالح 'الهدنة' مع السلطة إلى أين؟ الإخوان المسلمون في مصر ..الواقع والتحديات
تمر جماعة الإخوان المسلمين في مصر هذه الأيام بمأزق شديد وتواجه تحديات عاصفة، تتمثل في تصاعد الضغوط التي تواجهها على المستوى الداخلي، وإصرار الحكومة على رفض الاعتراف بشرعيتها، مع استمرار الحملات الأمنية على كوادرها وأعضائها، فضلاً عما يواجه الجماعة من ضغوط إقليمية ودولية، منذ تصاعد الحملة الأمريكية ضد ما تسميه بالإرهاب، الأمر الذي أصبح يفرض عليها أن تختار بين قبول إجراء تغيير جوهري فى فكـرها وهيكلها التنظيمي والتعامل مع السلطة والأطراف السياسية الأخرى, وحل إشكالية الوجود القانوني، أوالبقاء في دائرة الحظر واستمرار الصدام مع السلطة.
        والإخوان المسلمون هم أكبر جماعة إسلامية في مصر، ظلت تحتكر الساحة الإسلامية منذ نشأتها في أواخر العشرينات وحتى بداية السبعينات ..وحين عادت جماعة الإخوان لممارسة نشاطها من جديد، بعد العفو الذي أصدره الرئيس أنور السادات، وجدت عدة تيارات تنازعها وتقف لها بالمرصاد، وقد حاولت استيعابها لكنها فشلت ..
وفي ظل ما شهده المجتمع المصري من تغيرات سياسية واجتماعية وأخلاقية، زادت مواقف تلك التيارات تشدداً إزاء الإخوان وإزاء المجتمع، فتبنت خيار التطرف والعنف..وبدا الإخوان في حرج بالغ أمام نظام الحكم، الذي عقد عليهم الآمال فى القيام بدور تجاه التيارات الاسلامية المناهضة له ولهم أيضاً..واستمرت الفجوة وحدة الصراع بين الإخوان وهذه التيارات حتى وجه السادات ضربته للحركة الاسلامية ضمن قرارات الاعتقال عام 1981.
وجاءت التطورات المتلاحقة فى فترة الثمانينات، والتى تزعمها تيار الجهاد وافتتحها باغتيال السادات لتسحب البساط من تحت أقدام الإخوان وتدفع الحكومة لتركيز جهودها لمواجهته. ثم جاءت فترة التسعينات لتزيد من حدة الصدام بين الحكومة وتيار الجهاد، مما كان له أثره السلبي على جماعة الإخوان والتيارات الأخرى، واضطرت للتقوقع والانعزال بعد أن وضعت فى دائرة الشك من قبل الحكومة، وتعرضت قياداتها للعديد من حملات الاعتقال والمحاكمات العسكرية.
تأسيس الجماعة:
        في مطلع القرن التاسع عشر كان العالم الإسلامي ما يزال يعاني صدمة تداعي الخلافة العثمانية الإسلامية، وكانت مصر ترزح تحت الاحتلال الإنجليزي، وفى هذا السياق ظهرت عدة دعوات للتحرر والاستقلال، أو للإصلاح والنهوض بمصر والأمة الإسلامية جمعاء، وكان التيار الإصلاحي الديني -المتمثل في جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا- الأقرب إلى حسن البنا، وخاصة رشيد رضا الذي عاصره البنا لفترة قصيرة وكان له معه مراسلات. ومن الملاحظ أن المرجعية الفكرية والفقهية لدعوة الإخوان تتوافق مع ما ذهب إليه محمد رشيد رضا، وتشكل الأساس لفقه حركة الإخوان من حيث الدعوة للوسطية وإحياء الاجتهاد الديني بالعودة إلى القرآن والسنة كوسيلة لنهضة الأمة.
        وكان حسن البنا قد انخرط في العمل الوطني في وقت مبكر من خلال التظاهر والاحتجاج، وشارك في إنشاء عدد من الجمعيات التي تدعو إلى الفضيلة والأخلاق وتحارب المنكرات إلى أن أسس جمعية الشبان المسلمين عام 1927 وخلص منها إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية في مارس 1928، وأتبعها لاحقاً بقسم "الأخوات المسلمات" فى أبريل 1933.
لقد كان حسن البنا رجل مرحلته، فقد استطاع بدعوته أن يكتسح قطاعاً كبيراً من المجتمع المصري، وأن يتغلغل في مؤسساته، وحتى في مؤسسات الدولة مثل الجيش والشرطة، لتدخل دعوة الإخوان المعترك السياسي وتنافس الأحزاب، وقد هيأ هذا المناخ الأجواء لحسن البنا ليحقق أكبر قدر من الإنجازات لدعوته في فترة قياسية، هي الفترة من عام 1928 سنة ظهور الدعوة إلى فترة الحرب العالمية الثانية. ولعل وجود الإخوان بلا منافس قوي لهم في الساحة، سواء في مصر أو في خارجها، قد جعل من حسن البنا زعيماً دولياً للمسلمين، خاصة بعد سقوط رمز المسلمين المتمثل فى دولة الخلافة عام 1924.
        وفي مساء الأربعاء 8 ديسمبر 1948 أعلن رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي حل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالها واعتقال معظم أعضائها. وفي 12 فبراير 1949 تم إطلاق النار على حسن البنا أمام جمعية الشبان المسلمين، فنقل إلى مستشفى القصر العيني حيث فارق الحياة. وقد أصاب اغتيال حسن البنا الإخوان بهزة شديدة أحدثت خللاً في بنيانها، وأضعفت من قدرتها على مواجهة الأحداث والمتغيرات المتلاحقة، ولم تبرز شخصية قيادية فاعلة في دائرة الإخوان تستطيع سد الفراغ الذي نتج عن غياب البنا.
التوجهات الفكرية للإخوان:
        تسعى جماعة الإخوان لإحداث تغيير اجتماعي جذري، وتلعب الاعتبارات الإيديولوجية دوراً كبيراً في صياغة أفكارها لتحقيق هذا التغيير. وقد فرضت الظروف والمتغيرات المتعاقبة اجتهادات وتيارات داخل جماعة الإخوان تسعى إلى التأقلم مع الأوضاع. وبوجه عام فقد اتسم فكر الإخوان في مرحلة التأسيس بثلاث خصائص هي الشمولية، الإسلام كمنهج، والعمومية. حيث رأت الحركة أن الإسلام يقدم نظاماً شاملاً للحياة الاجتماعية في سائر المجالات، وأن أحكامه تنظيم شئون الناس في الدنيا والآخرة. كما أحاطت الجماعة فكرها بقدر كبير من العموميات، ويكفي أن نشير إلى ما قاله حسن البنا من أن "دعوة الإخوان المسلمين هي: دعوة سلفية: لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله.
وطريقة سنية: لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة في كل شيء، وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، وحقيقة صوفية: لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب، والمواظبة على العمل، والإعراض عن الخلق، والحب في الله، والارتباط على الخير.
وهيئة سياسية: لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة والحرص على قوميته إلى أبعد حد.
وجماعة رياضية: لأنهم يعنون بأجسادهم، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.
ورابطة علمية ثقافية: لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.
وشركة اقتصادية: لأن الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه من وجهه.
وفكرة اجتماعية: لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامي ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمة منها".
        وهكذا فإن دعوة حسن البنا برغم طابعها الإصلاحي ومضمونها التبشيري، كانت مثقلة بهم استعادة الحكم الإسلامي، ويقول البنا في هذا، إن الإخوان "لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله".
        وابتداء من نقطة الحكم بدأت حركة الإخوان صراعها السياسي مع الأنظمة الحاكمة، واتخذت لتحقيق ذلك إضافة لأهدافها الأخرى، شكلاً تنظيمياً خاصاً، اختارت له الصيغة الدولية (أي تنظيم يمتد في أكثر من دولة في العالم) وعملت بفاعلية على مستوى العالم العربي في بعض المراحل السياسية وتركت أثرا واضحاً في بعض دول العالم الإسلامي، مما جعلها موضع خصومة أكثر من نظام عربي وإسلامي، وموضع اتهام وإساءة، وتعرضت للمنع والحظر وبخاصة التنظيم المركزي في مصر، وتعرض عناصرها أكثر من مرة للملاحقة والسجن والإعدام أحياناً.
        ويعد سيد قطب من أبرز رموز الإخوان التي تركت بصمات واضحة على أفكار الجماعات الجهادية في مصر..يقول سيد قطب في كتابه الشهير معالم في الطريق: إن المجتمعات القائمة كلها مجتمعات جاهلية وغير إسلامية وأن الإسلام لا علاقة له بما يجرى في الأرض كلها اليوم، لأن الحاكمية ليست له. والبديل الوحيد لهذه الأوضاع الزائفة هو أولا وقبل كل شيء، قيام مجتمع إسلامي يتخذ الإسلام شريعة له، ولا تكون له شريعة سواه. ويقول في موضع آخر: لابد من درجة من القوة لمواجهة المجتمع الجاهلي، قوة الاعتقاد والتصور، قوة الخلق والبناء النفسي، قوة التنظيم والبناء الجماعي، وسائر أنواع القوة التى يواجه بها المجتمع الجاهلي.. قوة الصمود، وقوة التغلب عليه.
        ويعتبر كتاب سيد قطب (معالم فى الطريق) النص التأسيسي لما يسمى بـ"الإسلام الحربي النضالي" وتنطلق من هذا النص النظريتان الرئيسيتان اللتان تستند إليهما هذه الجماعات، أي فكرة الجاهلية وفكرة الحاكمية..هذا ما كتبه سيد قطب فى السجن وخارجه أواخر عام 1964 ثم أعيد إلى السجن مع حملة الرئيس عبد الناصر الجديدة على الإخوان عام 1965م وأُعدم مع ثلاثة آخرين عام 1966. وقد ناقش سجناء الإخوان المسلمين أفكار سيد قطب في المعتقلات، في النصف الثاني من الستينيات. فمال الشباب من بينهم إلى الاقتناع بنقده الجذري وإيديولوجيته النضالية. حتى إذا أخرجهم الرئيس السادات من السجن عام 1971 انصرفوا لتكوين تنظيمات مختلفة، يجمعها كلها القول بضرورة تغيير الأوضاع القائمة بالقوة، وبرزت من بين تلك التنظيمات جماعة الفنية العسكرية عام 1974 وجماعة التكفير والهجرة عام 1977 وجماعة الجهاد عام 1979.
        ويمكن القول بأن الوضع النفسي للإسلاميين داخل المعتقلات، والمعاملة القاسية التي كانوا يواجهونها، كان لها أثرها البالغ فى بروز فكرة التكفير، وانقسام الحركة الإسلامية في الستينات إلى ثلاثة تيارات هي تيار الإخوان وتيار القطبيين "نسبة إلى سيد قطب" وتيار التكفير.
        ورغم هذا التصدع الذي أصاب جماعة الإخوان الأم، فقد بقيت هي الجماعة الأكبر حجماً والأكثر وزناً ، نظراً للدور التاريخي الذي لعبته في الواقع المصري، وظل تيار التكفير تياراً محدوداً داخل المعتقلات..وقبيل حركة الإفراجات في بداية السبعينات، كانت الساحة السياسية في مصر خالية تماماً من أي تيار إسلامي له وزن، وقد استطاعت جماعة الإخوان، وهي صاحبة الرصيد الأكبر من الخبرة والوعي، أن تستقطب القطاع الأكبر من الإسلاميين بمن فيهم طلبة الجامعات.
        وقد أكد الإخوان المسلمين على تبنيهم لمقولة أن "الإسلام هو الحل"، تلك المقولة التي تتضمن مجموعة من الأفكار حول ثلاث قضايا فكرية كبرى أصبحت تحكم التوجهات العامة للجماعة، أول هذه القضايا هي العمل على تقوية الجانب الإيماني عند المسلمين وربطهم بسيرة السلف الصالح، أما القضية لثانية فهي العمل على إقامة الدولة الإسلامية على نهج الخلافة، باعتبارها النموذج الذي ساد لعدة قرون حتى سقوط الخلافة العثمانية عام 1924. والقضية الثالثة هي تطبيق الشريعة الإسلامية برمتها دون تجزئة.
        والحقيقة أن جماعة الإخوان، مازالت تعمد إلى وضع إطار فضفاض لفكرها العام، بما يمكنها من التعامل مع السلطة، ومع القوى السياسية الأخرى بقدر كبير من حرية الحركة، وبما لا يجعلها تخضع لقوانين ونظم محددة كسائر القوى السياسية، وفي نفس الوقت تتمكن من جذب الكثير من الشرائح لها. ففي حالة تزايد الضغوط عليها ، تلجأ إلى الحديث عن أنها دعوة سلمية تنتهج السبيل الديمقراطي وأنها إصلاحية ومعتدلة، وفي فترات قوتها وتفوقها السياسي تتحدث عن شمولية الجماعة لكل مناحي الحياة، وتطالب بالتغيير الجذري.
        هذا التجاذب بين الأهداف المطلبية (التغيير الجذري) والدعوة الإصلاحية يعبر عن حيرة الإخوان وربما عجزهم عن صياغة إطار فكري يتلاءم مع واقع الظروف والمستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وللإخوان مفهوم خاص للحرية والديمقراطية، فهم يعتبرون أن الأصل في الحرية هو التقييد وأن الفرد مطبوع على الخطأ والشر، وأنه يميل بطبعه إلى العبودية، سواء لإله أو لمخلوق أو لنظام بشري. وبينما يعتبر الفكر الليبرالي أن الحرية مبدأ أساسي من مبادىء النظام السياسي، فإن الإخوان يعتبرون الحرية مجرد وسيلة لخدمة مبدأ أكبر وأشمل هو إقامة شرع الله.
        ولم يغير الإخوان حتى اليوم نظرتهم، التي تقضي بتقييد الحرية بالشرع، ورفض قبول أساسها الفلسفي..وعندما تزايدت عليهم الانتقادات لموقفهم "الغامض" من الديمقراطية، أصدروا وثيقة الشورى وتعدد الأحزاب، التي تحدثت عن الشورى وليس الديمقراطية، وهنا أرادت الجماعة في حقيقة الأمر إقناع غيرها بأنه إذا كانت الشورى بهذه الحالة ـ أي تحقق أهداف الديمقراطية نفسها ـ فما الداعي لأن نتحدث عن الديمقراطية أو نجعلها قضية أساسية في فكرنا السياسي المعاصر؟.
الهيكل التنظيمي للجماعة:
        لم يتغير جوهر الهيكل الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها عام 1928 كثيراً ، بل حافظت الجماعة على شكله العام. ولكن منذ أواسط الثمانينات اتجهت الجماعة إلى إحداث بعض التعديلات في الهيكل التنظيمي، أملته عدة اعتبارات، وقد شكلت الظروف السياسية في المجتمع والتي نجمت عن الأخذ بالتعددية السياسية والتحول الديمقراطي، أول هذه الاعتبارات. أما الاعتبار الثاني فيتمثل في رغبة الجماعة في الإسراع بعملية التغيير السياسي والاجتماعي التي تنشدها. وكان الاعتبار الثالث هو طول عمر الجماعة الذي أضفى عليها طابع الثقة في النفس والإحساس بالقدرة على تحقيق هدفها في إقامة الدولة والمجتمع الإسلاميين. أما الاعتبار الرابع فقد تركز في صعود جيل الوسط والشباب ورغبته في القيام بدور مؤثر في حياة الجماعة السياسية.
        وكان جوهر التعديلات هو اتجاه الجماعة إلى اللامركزية والتخلي عن الطابع المركزي الذي اتسم به البناء التنظيمي الأساسي كما كشف عنه المؤتمر الثالث للإخوان في مارس 1935. ولهذا التحول إلي اللامركزية وتخفيف دور القيادة الكاريزمية، أساسه الذي فرضه طابع الجماعة الإيديولوجي واقترابها، من الناحية التنظيمية، من تركيبة الحزب السياسي. وارتبط بالتحول في اتجاه اللامركزية، إفساح الطريق للقيادات العملية التي تستطيع الاستفادة من مناخ التحول الديمقراطي لصالح انتشار الجماعة وتغلغلها في المجتمع، مع منح هذه القيادات قدراً أوسع من حرية الحركة في اتخاذ القرار. كما ترتب عليه إحداث تغيير في بعض اللجان والأقسام، بإضافة الجديد منها للاستفادة من العمل السياسي العلني عبر المؤسسات السياسية الشرعية.
ولأن تحول الجماعة بهذا الشكل يعد تطوراً جديداً عليها، فإنها وجدت نفسها في حقيقة الأمر في مرحلة انتقال، تلك المرحلة التي غالباً ما تفرض تحديات مفاجئة على الجماعة، وتثير قدراً من الاضطراب في نشاطها السياسي وتزيد فرص الانشقاقات، وهي مشكلات خطيرة تواجه أية حركة مثل الإخوان، اكتسبت قوتها في الماضي من قوة التنظيم وغموض الأفكار وعموميتها، بينما هي الآن مطالبة بالخروج من هذا الرداء.
        لقد حدد المؤتمر الثالث للإخوان عام 1935 هيئات الجماعة في المرشد العام، ومكتب الإرشاد، والهيئة التأسيسية (مجلس الشورى العام) ومؤتمر المناطق وفرق الرحلات (الجوالة) وفرق الإخوان. كما حدد مراتب العضوية في الأخ المساعد والأخ المنتسب والأخ العامل والمجاهد. وفي سبتمبر 1945 أقرت الجماعة قانوناً معدلاً أطلق عليه "قانون النظام الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين" ثم أجريت بعض التعديلات على القانون بعد ذلك بثلاث سنوات. وبعد اختيار حسن الهضيبى مرشداً عاماً للجماعة خلفاً لحسن البنا، أقر مكتب الإرشاد لائحة جديدة تحدد الشكل التنظيمي للجماعة، وبموجبها يأتي المرشد العام على رأس الهرم التنظيمي، ويرأس مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية، ويليه نائب المرشد ثم الوكيل. ويعتبر مكتب الإرشاد أعلى وحدة إدارية تختص بوضع سياسة الجماعة والإشراف عليها. وتنتخب الهيئة التأسيسية المرشد العام الذي يظل في منصبه مدى الحياة. وقد حافظت الجماعة على بنائها التنظيمي حتى في فترات حلها أو حظر نشاطها.
وقد شهد الهيكل التنظيمي للإخوان منذ بداية التسعينات عدة تطورات تمثلت فيما يلي:
- إضفاء طابع الديناميكية على نشاط الجماعة، من حيث سرعة اتخاذ القرار، وزيادة عدد اللجان والأقسام لتلبية المهام الجديدة التي فرضتها ظروف الحياة السياسية في المجتمع المصري.
- تعزز سلطة مكتب الإرشاد في مقابل تقليص سلطة المرشد العام، وهذا واضح من تعدد الأجهزة المشاركة في صنع القرار من ناحية، وإعطاء صلاحيات أوسع من الناحية الواقعية لنواب المرشد. وقد نتج هذا التحول بالأساس عن اختفاء القيادات الكاريزمية من السلم القيادي للجماعة، حيث أدى طول عمر الحركة إلى تراجع القيادة الكاريزمية في مقابل بروز قيادات إدارية وعملية.
ج) إفساح الطريق أمام جيل الوسط والشباب. ويؤكد ذلك أن المحاولة التي قام بها أعضاء من الإخوان خلال 1995 لإعادة تشكيل الجماعة كان معظم أفرادها من جيل الوسط والشباب، كما أن ازدياد عدد اللجان وتوسع نشاط الجماعة، وخاصة بالنسبة لخوض النقابات المهنية والبرلمان فتح الطريق أمام قيادات من جيل الوسط.
        ويواجه الإخوان المسلمون اليوم العديد من التحديات،أهمها:
مشكلة الوجود القانوني:
        منذ إعادة ترتيب الجماعة في عهد الرئيس السادات ومشكلة الوجود القانوني للحركة غير محسوم, حيث عرض الرئيس السادات على قيادات الجماعة عودة الجماعة من خلال تأسيس حزب سياسي بشرط ألا يحمل اسم الإخوان، وإبعاد رجال الجهاز الخاص عنه, ولكن القيادات الموجودة في ذلك الوقت -وأغلبها من رجال الجهاز الخاص- رفضوا هذا العرض وتمسكوا باسم الجماعة، فوافق الرئيس السادات على العمل الضمني دون رخصة وفق سياسة الضوء الأخضر.
         ولم تتحرك قيادات الجماعة في مصر في مسعى جدي وحقيقي منذ ذلك التاريخ حتى الآن لحل هذه المشكلة -مشكلة الوجود القانوني- مكتفية بالرد على من يطلب منها ذلك من أفراد الجماعة بأن هناك قضية مرفوعة في مجلس الدولة (القضاء الإداري) يطالب فيها الإخوان بالحكم ببطلان قرار حل الجماعة الصادر عن مجلس قيادة الثورة عام 1954, وهي قضية وهمية لأنه حتى لو حكمت المحكمة ببطلان قرار الحل فلن تعود الجماعة كما كانت بسبب تغيير الدستور مرتين -والقانون كذلك- وستأمر المحكمة في هذه الحالة بإعادة توفيق الأوضاع وفق القوانين الجديدة.
افتقاد القيادة للمشروعية:
        منذ خروج قيادات وأعضاء الجماعة من السجن في بداية عهد الرئيس السادات، بدأت فكرة عودة النشاط تراود كثيرا منهم وكان المفروض أن يجتمع من بقي من قيادات الجماعة بتشكيلاتها الأساسية أي الهيئة التأسيسية للجماعة وهي أعلى سلطة, أو من بقي منهم أحياء وكذلك أعضاء مكتب الإرشاد أو من بقي منهم, لأن هاتين الجهتين هما أصحاب المشروعية في قيادة الجماعة واتخاذ قرارات بشأن إعادة تنظيمها أو إعادة النشاط, لكن ما حدث كان غير ذلك وخاصة بعد وفاة المرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي عام 1973, فقد اجتمعت قيادات الجهاز الخاص لترتيب أوضاع الجماعة متجاهلة القيادات الشرعية للجماعة أي أعضاء الهيئة التأسيسية وأعضاء آخر مكتب إرشاد قبل حل الجماعة عام 1954, وقاموا باختيار مرشد سري وطالبوا الإخوان ببيعته فرفض الكثير، سواء من كان بداخل مصر أو من أقام في الخارج.
         وبعد فترة، طلبت قيادات الجهاز الخاص من عمر التلمساني أن يكون المرشد العام للجماعة، حيث إنه أكبر أعضاء مكتب الإرشاد الأحياء سناً ويلقى قبولا من كل الأطراف, وسيطر رجال الجهاز الخاص على الجماعة، كما انتسب أجيال جديدة متأثرة بما تعرضت له الجماعة من اضطهاد ولم تكن تعلم بمشكلة مشروعية القيادة الموجودة، حيث كان أعضاء الهيئة التأسيسية ومن بقي من أعضاء مكتب الإرشاد المشار إليه يعتبرون أن هؤلاء لا يمثلون القيادة الشرعية, وظلت هذه المشكلة لفترة طويلة ضاغطة على القيادة الموجودة في الجماعة.
طبيعة تشكيل الجماعة:
        حينما أسس حسن البنا جماعة الإخوان في مصر عام 1928 كانت مسجلة كهيئة إسلامية شاملة وفق الدستور الذي كان موجودا في ذلك الوقت دستور عام 1923، والقانون المنظم لهذا الشأن, فكانت الجماعة هيئة دعوية وتربوية واجتماعية وتنشئ شركات وتتدخل أحياناً فى العمل السياسي، وقد رشح حسن البنا للبرلمان مرتين, ثم حدثت تطورات كبيرة في المجتمع المصري بعد ذلك وخاصة بعد الصدام الشهير بين الجماعة والنظام الناصري في ذلك الوقت عام 1954، وحلت الجماعة وتم تغيير الدستور مرتين, مرة عام 1956, والثانية في ظل حكم الرئيس السادات عام 1971, وتغيرت كذلك النصوص القانونية المنظمة للشأن العام, وأصبح الدستور والقانون لا يسمحان بالنشاط العام إلا من خلال شكلين أساسيين ، إما كحزب سياسي وفقا لقانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977, وإما كجمعية خيرية تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية وفقا للقانون رقم 32 لسنة 1964, الذي تغير أخيرا مرتين، مرة عام 1999 بالقانون رقم 153, ومرة عام 2002 بالقانون رقم 84 , وهو ما يعنى عودة الجماعة بالشكل القديم كهيئة شاملة وهو ما كان غير مقبولاً. وبناء على ذلك كان يجب حسم قضية: أي الأشكال أنسب لعودة نشاط الجماعة، هل من خلال حزب سياسي تنافسي يسعى لتكوينه وفق قانون الأحزاب, أو جمعية خيرية دعوية إصلاحية وفق قانون الجمعيات. ومازالت هذه المعضلة الخاصة بطبيعة تشكيل الجماعة قائمة حتى اليوم..
        وفى إطار الضغوط التى يواجهها الاخوان المسلمين على المستوى الداخلى ورفض الاعتراف بشرعيتهم، فضلاً عما يواجهونه من ضغوط إقليمية ودولية، خاصة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، فإن على الجماعة أن تختار بين قبول إجراء تغيير فى فكـرهاوهيكلها التنظيمي والتعامل مع السلطة والأطراف السياسية الأخرى وإجراء مصالحة تاريخية, وحل إشكالية الوجود القانوني، أو البديل الآخر وهو استمرار الحال على ما هو عليه وكذا حالة الجمود في الأوضاع الفكرية والتنظيمية والقانونية, وبالتالي استمرار حالة الصدام مع السلطة وظاهرة انسحاب أعداد مؤثرة عن الجماعة وخاصة من الأجيال الناضجة والواعية, وبالتالي استمرار الجماعة في حالة ضعف مستمر وحالة حصار ووضعها تحت السيطرة مما يؤدي إلى مستقبل مجهول وغير محمود العواقب.
        كما يجب حسم الإشكاليات الخاصة بطبيعة الجماعة، أي الاختيار بين إما حزب سياسي وإما جمعية دعوية إصلاحية تربوية وفق القانون ويجب قبلها حسم مسألة التصالح مع الدستور والقانون, والتخلص من فكرة الثأر من النظام، الذي بدأ بالنظام الناصري ووُرثت للأجيال الجديدة، مما أدى إلى انتقال حالة العداء لأصل النظام رغم تغير الحكم ثلاث مرات.   

تم غلق التعليقات على هذا الخبر