الإخوان المسلمون في الأردن: التجديد أو الجمود!

2005-2-22 | محمد سليمان الإخوان المسلمون في الأردن: التجديد أو الجمود!

انتهى السباق الانتخابي في الأردن، وتمخض السباق والمنافسة بين الحركة الإسلامية (ممثلة بجماعة الأخوان و جناحها السياسي حزب جبهة العمل الإسلامي) وبين الحكومة بحصول الحركة، على 17 مقعداً نيابيا من أصل 110 مقاعد، ولكن رغم هذه النتيجة التي لا تعبر عن الحجم والقوة الحقيقية للأخوان في المجتمع الأردني، وتعتبر -في مقياس نسبة المقاعد التي حصلوا عليها من مقاعد المجالس مقارنة بالدورات السابقة- تراجعا، إلاّ أنّ الاحصائيات تشير إلى ازدياد الاصوات التي حصلوا عليها عن المرات السابقة بشكل كبير جداً ، وتشير أيضاً أنّ المتوسط الحسابي لعدد الأصوات التي حصل عليها نواب الحركة يزيد على ثمانية الاف صوت للنائب الواحد وهي نسبة مرتفعة جدا مقارنة مع النواب الآخرين، دع عنك أن الجماعة هي القوة السياسية الوحيدة التي استطاعت تحصيل هذا العدد من المقاعد من خلال شعاراتها وبرنامجها المعلن، بينما شهد التيار الوطني الديمقراطي الذي يمثل الاتجاهات القومية واليسارية في هذه الانتخابات سقوطاً وفشلاً ذريعاً، وفوق ذلك فشل رموزه في الوصول الى قبة البرلمان، وأبرزهم: حسين مجلي (نقيب المحامين)، وخليل حدادين، وزايد الردايدة، وغيرهم.

\n

  إذن النتائج الإسلامية في إطار المحددات السياسية وأبرزها قانون الصوت الواحد جاءت جيدة وقادرة عن التعبير للإعلام العالمي وللمؤسسات الرسمية أنّ الحركة الإسلامية هي بلا منازع القوة الشعبية الرئيسة في الأردن، وأنها رغم كل الحصار والتضييق ومحاولات التهميش استطاعت تحقيق نتائج تشير إلى قدراتها التعبوية، هذا بعيداً عن مناقشة اتهامات الحركة للحكومة بالتزوير في عدة دوائر انتخابية أبرزها دائرتي الكرك وعجلون. لكن أمام هذا النجاح النسبي لنا جملة من الملاحظات والوقفات مع أداء الحركة إلى الآن وأبرز التحديات التي تواجهها...

\n

الملاحظة الأولى:

\n

  تتعلق فيما قبل نتائج الانتخابات، وبالتحديد مع اجراءات الحركة لخوض الانتخابات وتقديم برنامجها الانتخابي؛ فقد تآخرت الحركة كثيرا في إعلان عزمها المشاركة في الانتخابات النيابية، مما جعل من عملية فرز المرشحين تتم بسرعة شديدة، وتسبب العديد من الأزمات الداخلية التي سمعنا عنها. وإذا كان لقيادة الحركة عذرها في التاخر في إعلان مشاركتها بما يمكن أن نربطه بقراءتها للمتغيرات وإدارة الصراع الداخلي، فإنها ليست معذورة أبداً في عدم إعداد نفسها وتحضير أوراقها لهذا الاحتمال، بحيث تأخر إعلان أسماء المرشحين بشكل كبير، وتسبب في مشاكل نتجت عن عدم توفر الوقت اللازم لدراسة الساحة الانتخابية في عدد كبير من الدوائر، مما ساهم في تقديم مرشحين كان واضحاً منذ البداية ضآلة إن لم نقل استحالة نجاحهم في الانتخابات، ومرشحين لا يمتلكون الشروط المطلوبة لمواصفات النائب الإسلامي وقدراته.

\n

          الأمر الأخطر من مسألة اختيار المرشحين، وأهلية عدد كبير منهم لأن يشغل منصبا برلمانيا، يتعلق بالبرنامج الانتخابي للحركة والذي يعبر بشكل كبير عن ضحالة تصوراتها السياسية والاقتصادية وضعف قدرتها على صوغ أي بديل عملي للسياسات الحكومية، وجاء البيان وكأننا أمام موضوع انشاء بائس يريد كاتبه أن يخلص من عبئه بمجموعة من الجمل البدهية، بما لا يليق أبدا بحجم وإمكانيات الحركة المليئة بالكفاءات التكنوقراطية.

\n

 والأغرب أنّ الحركة ما زالت أسيرة لغة الشعارات الفضفاضة المليئة بالمطالب والواجبات دون القدرة على تحديد أية اليات واقعية لتحقيق ما تريده في برنامجها الانتخابي، بل إن هناك قضايا خطيرة لم يتناولها البرنامج الانتخابي أبرزها الأزمة الاقتصادية في الأردن، وسياسات صندوق النقد الدولي والخصخصة والفساد السياسي؛ الموضوع الذي يشغل الآن الرأي العام في الأردن، كل هذه الموضوعات غابت تماما عن برنامج الحركة، ولم نجد فيها اي تصور عملي، في مقابل التأكيد على ضرورة فصل الطلاب عن الطالبات في المدارس!.

\n

إنّ مقارنة هذا البرنامج ببرنامج حزب العدالة والتنمية التركي على سبيل المثال، بعيداً عن الملاحظات على برنامج العدالة، تجعلنا نشعر بفارق كبير جدا بين مستوى التخطيط والإدراك السياسي بين الحالتين، طبعا مع التنويه أن الديمقراطية التركية متقدمة جدا رغم تطرفها العلماني عن الدول العربية، خاصة في إتاحة المجال للتعددية السياسية، لكن هذا لا يمنع أبدا أن يكون لدى الحركة على الاقل برامجها وتصوراتها لقضايا المجتمع والسياسة الأردنية، وإذا أردنا أن نكون أمنين مع أنفسنا بالحكم فإننا لا نكاد نجد حتى لأبناء الحركة، ولا في أدبياتها، أية كتابات منهجية تناقش هذه المسائل الغائبة تماماً، وكأن الحركة لا تعيش في المجتمع والحياة الأردنية!

\n

فهل هناك كتاب واحد يناقش قضايا الإصلاح السياسي والتنمية في الأردن!، هل هناك كتاب واحد يتناول الأزمة الاقتصادية وحلول مقترحة لها في الأردن!، هل هناك كتاب واحد يتناول الحراك الاجتماعي والثقافي في الأردن!!، إذن ما أريد الوصول اليه هنا هو: أنّ البرنامج الضحل الذي قدّمته الحركة يعكس بأمانة حجم الاهمال والتجاهل من قبل الحركة  لبناء رؤية إصلاحية نهضوية للواقع الأردني.

\n

والملاحظة السابقة تدفع الشباب المثقف في الحركة للاهتمام بشكل أكبر بالدراسات والقراءات للمجتمع والسياسة الأردنية، ومحاولة تقديم جملة من الأدبيات التي تقدم تصورات عملية وبرامجية خاصة بالحركة الإسلامية في هذه القضايا، والأمر يرتبط بالاهتمام بمراكز الدراسات والأبحاث والجوانب الثقافية في مؤسسات الحركة المختلفة.

\n

 الملاحظة الثانية:

\n

أنّ الأغلبية المطلقة للمقاعد التي حصلت عليها الحركة كانت في مدينتي عمان والزرقاء، ثم إربد، وكذلك في المخيمات الفلسطينية، أي داخل فئات المجتمع الفلسطيني في الأردن، بينما أخفقت الحركة بشكل كبير جدا في المجتمع الأردني في المدن والقرى العشائرية الأردنية، وهذه الملاحظة تقدم جملة من المؤشرات والأسئلة المشروعة، خاصة أنها تظهر بكل وضوح اختلالاً كبيرا في توازن الحركة ونشاطها الإصلاحي. وهنا نحن أمام سؤال من شقين: لماذا اكتسحت الحركة المجتمع الفلسطيني؟، ولماذا أخفقت في المجتمع الأردني؟..

\n

لا يوجد شك أن طبيعة المجتمع الفلسطيني المدنية، وتعانقه مع أزمته السياسية أدّى بشكل كبير إلى تغلغل الحركة الإسلامية داخله، كما أنّ ارتباط عدد كبير من أفراده بالحراك السياسي والذي يسير في العالم العربي لصالح المد الإسلامي لعب دوراً كبيراً أيضاً، لكن في نفس الوقت يجب ألاّ نتغافل عن فرضية: أنّ نسبة كبيرة من المجتمع الفلسطيني عندما صوّتت للحركة الإسلامية فقد كانت تعطي صوتها في الحقيقة لحماس، إذ شاركت في انتخابات الأردن وعينها على فلسطين وعلى المسيرة السلمية وحكومة "أبو مازن" وخارطة الطريق، وهي تتفاعل مع تضحيات الشعب الفلسطيني وعملياته الجهادية وانتفاضته المباركة.

\n

لقد أدركت قيادة الحركة بذكاء هذه النقطة واستثمرتها إلى أبعد مدى، وتحدثت باسم حماس وبطولاتها في المهرجانات الانتخابية، كما أنّ كثيرا من المهرجانات كانت تنقل خطابات لقيادات حماس: الرنتيسي، خالد مشعل، معتقلين في السجون الصهيونية...الخ.

\n

وأنا لا أرى غضاضة بأن تظهر الحركة تأييدها وتعانقها مع المشروع الجهادي والنضالي لحماس، لكن الذي يحدث هو استيلاب هوية الحركة الإصلاحية والنهضوية وخصوصيتها الأردنية لصالح حماس، حتى أنّ عدداً كبيراً من قياداتها الشابة يكتسبون أهميتهم الحركية والسياسية والشعبية بمقدار تأييدهم وعلاقتهم بحماس. وبالتالي السؤال الذي يصبح مشروعاً هو ألا يوجد للحركة الإسلامية انجازات وتضحيات ومشاريع توظفها في خدمة تعبئة الشارع خلف مطالبها، وفي عملية  التجنيد السياسي التي تقوم بها سوى تغنيهم بأمجاد حماس؟!..

\n

إنّ ما سبق إذا ربطناه بالعجز الكبير للحركة في المجتمع الأردني –الشرق أردني-، وظهور ضعف تواجدها في أغلب المدن الأردنية العشائرية يدفع إلى مناقشة ومراجعة الرصيد الاجتماعي للحركة الإسلامية، ومسيرة مشروعها الإصلاحي النهضوي والقضايا الغالبة على اهتماماتها، ليتبين لنا أنّ الحركة الإسلامية منذ فترة التسعينات قد استفادت من عدة عوامل موضوعية هي التي تبقيها القوة الشعبية الرئيسة في الأردن، أما إذا التفتنا إلى العوامل الذاتية ومقدار انجازات وعطاء الحركة فنجد أنها تدفع الحركة إلى التراجع والجمود لا الى التقدم.

\n

فالحركة الإسلامية تستنزف رأس المال المعنوي والمادي الذي استطاعت تكوينه وبناؤه في فترات الثمانينات، من خلال الجمعيات الخيرية وانتشار الرغبة الشعبية في الاستفادة من خدمة المؤسسات الإسلامية، والتي كانت آنذاك مقتصرة إلى درجة كبيرة على الأخوان المسلمين، بينما اليوم ينافسها على حصد التبرعات والأموال وعلى الشعارات الإسلامية مجموعة كبيرة من المؤسسات الاجتماعية والإسلامية الأخرى. وبالتالي يحدث تراجع كبير في هذا المجال، كما تعتمد الحركة على استنزاف رصيدها السابق ومواردها القديمة دون القدرة على التجديد على المستوى الدعوي وعلى المستوى الخدماتي و حتّى الخيري.

\n

كما تستفيد الحركة من موجة المد الإسلامي وحرص الناس على الالتفاف نحو الشعار والبرنامج الإسلامي، والحركة هي أكبر تنظيم إسلامي على الساحة الأردنية، وبالتالي هي المستفيد الأول من إقبال الناس على الدين، وإن كان ينافسها في الفترة الأخيرة الجماعات السلفية والمؤسسات الإسلامية الأخرى، على مستوى النشاط التربوي والدعوي والثقافي، وأكثر من ذلك انتشار ما يسميه إبراهيم غرايبة بالإسلام المجتمعي الذي ينتنمي للمجتمع ولا ينتمي لتنظيم أو حركة هنا أو هناك، بمعنى البحث عن التدين بعيداً عن الصراعات الفكرية والسياسية التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى تعكير صفو النقاء الأخلاقي لشريحة المتدينين.

\n

كما أنّ الحركة تستفيد – كما ذكرنا سابقاً- من سمعة وانجازات حماس، وتعمل على ترسيخ قناعة دعائية تربط بين حماس والحركة هنا، لكن في الواقع فإنّ الحركة في عملية التجنيد السياسي والتعبئة الشعبية عالة على حماس، وتستفيد من سمعتها وإنجازها دون أن تكون الحركة قادرة على تقديم إنجازات حقيقية على المستوى الداخلي الإصلاحي، سوى رفض خارطة الطريق، ورفض وادي عربة، وورفض التطبيع، وهذه كلها مواقف مشرفة لا نقاش في ذلك، لكن حديثنا على المستوى التنموي والنهضوي مع قضايا ومشاكل المجتمع الذي من المفترض أن الحركة تنتمي إليه وهو المجتمع الأردني!. بالإضافة إلى العوامل السابقة تستفيد الحركة كثيرا من عجز وضعف القوى السياسية الأخرى في الأردن، الأمر الذي يوجد فراغا سياسيا في المعارضة الوطنية تملأه الحركة  بعيداً عن نقاش مدى أهليتها لذلك.

\n

ما سبق يدفعنا إلى الحديث عن العوامل الذاتية والتي قلنا أنها على النقيض من العوامل الموضوعية، تدفع الحركة إلى الوراء أو على الأقل الجمود: فالحركة تبدو وكأنها خارج سياق هموم ومتطلبات المجتمع الأردني التنموية والنهضوية، والحركة غائبة تماما عن قراءة التحولات الثقافية والاجتماعية، ولا نجد سوى عدد من علماء الشريعة الذين يقدمون انجازات علمية ومعرفية، وإن كان أغلبهم بعيدا عن التأثير على مسار الحركة، بينما لا نجد علماء اجتماع وسياسة وعلم نفس وتربية،...الخ، يساهمون في إثراء الحياة المعرفية والثقافية في الأردن، ويشكلون "انتلجنسيا مثقفة" تصوغ خطاب الحركة الإصلاحي والنهضوي.

\n

 ولا نسمع عن أي دور حقيقي للحركة في مجال التنمية الوطنية، كما أنّ معظم المؤسسات الاقتصادية التي تمتلكها هي مؤسسات ربحية خدماتية تستفيد من الشعار الإسلامي دون أن تقدم انجازا نوعيا حقيقيا، وتستفيد منها نخبة محدودة داخل الحركة، بينما عدد كبير من أبناء الحركة لا يستفيدون من مؤسساتها أو من خدماتها، لأنهم لا يمتلكون الدخل الذي يصل إلى مستوى الخدمات المذكور، بل إن أغلب هذه المؤسسات تستفيد منها الفئة البرجوازية في الأردن وليس الفئات الكادحة والعامة.

\n

وهناك تقصير كبير جدا كذلك في الخطاب الإصلاحي والاجتماعي للحركة، فلاي وجد داعية أو واعظ أو مفكر معروف بتميزه على الساحة الأردنية وفي تأثيره على المجتمع، وأغلب فئات المجتمع تعتمد في ذلك على القنوات الفضائية الإسلامية و"الكاسيتات" والأقراص المضغوطة القادمة من السعودية، او لدعاة معروفين مثل: طارق سويدان، عمرو خالد، محمد حسّان وغيرهم.

\n

من الواضح أن أغلب نشاط الحركة انصرف إلى الجانب السياسي، وبشكل خاص مناصرة حماس ودعم العراق، مع إهمال كبير جدا لقراءة المشكلات الداخلية، حتى أنّ أحد قادة الحركة المؤثرين أجاب عندما سئل –عن رفع أسعار الخبز والخدمات وبعض السلع- بأنّ الحركة لا تهتم بهذه القضايا ولا تعطيها أكبر من حجمها، فهناك قضايا أخطر!.

\n

هذا الخلل في نشاط ومسار الحركة، والذي أدى إلى فقدان توازنها يجعلها بعيدة عن المجتمع الشرق أردني، بحيث ينظر جزء كبير من أبنائه  لها وكأنها حركة فلسطينية وليست أردنية، وهذا من الأسباب التي جعلت نتائج الحركة في الانتخابات الأخيرة ضعيفة جدا في المدن العشائرية الأردنية، بالإضافة إلى أسباب أخرى مرتبطة بقانون الصوت الواحد الذي يغلب الاعتبار والخيار العشائري في هذه المناطق على الخيار السياسي، وبالإضافة كذلك إلى وجود مشكلة حقيقية عند المجتمع الشرق أردني في وعي طبيعة العلاقة السياسية بالدولة ونظام الحكم.

\n

ولقد تنبه عدد من قيادات الأخوان الشابة في منتصف التسعينات إلى هذا الخلل البنيوي في نشاط الحركة وفعاليتها، وحاولوا إعادة التوازن لها وإعادة الاعتبار للقضايا التنموية والنهضوية في دور الحركة وخطابها الإصلاحي، إلاّ أنهم حوربوا واتهموا بالإقليمية، وأطلق عليهم عدد من قيادات الحركة ذاتها مصطلح "تيار الأردنة"، على الرغم أن كل ما طرحوه هو استعادة الدور الإصلاحي والاجتماعي للحركة بعد أن سرقت للقضايا السياسية، وترك المجال السياسي لحزب جبهة العمل الإسلامي ونشاطه وسلوكه في الحياة السياسية الأردنية.إنّ الملاحظة السابقة تدفع الشباب الأخواني المثقف والقيادات الحركية إلى مراجعة الرصيد الاجتماعي للحركة، والخطاب الإصلاحي والإنجاز النهضوي والتنموي، ووضع الخطط التي تزيل حالة الجود والتراجع على هذه المستويات وتجدد فعالية الحركة في هذا السياق.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر