الإخوان المسلمون .. إصلاح الداخل أولاً

2005-2-22 | محمد سليمان الإخوان المسلمون .. إصلاح الداخل أولاً
        تبدو الكتابة حول أزمة "جماعة الإخوان المسلمين" في هذه الأيام بمثابة السير في حقل الأشواك، نظرا لحساسية الموضوع من جهة، ولتأويلات وتفسيرات ما يكتب حوله من جهة أخرى، في ظل وجود اتجاه داخل الإخوان وربما خارجه، يعتبر أن أية مناقشة أو رؤية نقدية لمسار الجماعة من قبل أحد الكتاب هي استجابة لطلب جهة معينة أو انتصارا لطرف محدد، في حين يغيب عن الكثيرين أن هناك ضرورة ملحة لنا جميعا أن ننتصر للدين فلا يناله التشويه والتوظيف الخاطئ، وللوطن كي يكون هدفنا جميعا الارتقاء به، وللجماعة لتقوم بدورها المطلوب والمأمول على المستوى الوطني. ونحن لا نتحدث هنا عن جماعة هامشية أو قوة ذات وزن اجتماعي وأيدلوجي محدود بل عن قوة باتت متفردة اليوم في الساحة السياسية الشعبية، وتمثل تقليديا تيار الإسلام الوسطي، خاصة في هذه الآونة التي تشهد صعودا لتيارات العنف والتكفير والغلو في الدين متمثلة بحركات وجماعات تحمل خطابا ورؤية عملية تبتعد بالإسلام عن مقاصده ووسطيته.
        وتأتي استقالة علي الحوامدة أحد قياديي الجماعة المعروفين، وأبرز المسئولين في جمعية المركز الإسلامي لتعيد طرح تساؤلات رئيسية وملحة اليوم حول "المسكوت عنه" في واقع الجماعة ومؤسساتها، وقد أكد الحوامدة في استقالته على العديد من القضايا الخطيرة، والتي تتم منذ سنوات عملية التغاضي المقصود عنها ولملمتها من قبل قيادات الجماعة، وإذا كان ما ذكره الحوامدة لأسباب شخصية كما رد عليه المراقب العام للجماعة عبد المجيد ذنبيات، فإن تصريحات الحوامدة كأحد أبرز المسئولين تؤكد وجود خلل كبير وأزمة داخلية خطيرة اليوم تمر بها الجماعة، وفي مقدمتها عملية المساءلة حول المال العام وميزانية جمعية المركز الإسلامي، والمناصب الوهمية في الداخل، والمحسوبيات في عمليات التعيين التي تتم بين قيادات الجماعة، والغياب الواضح لمبدأ الشفافية في مراقبة المال العام ومناقشة المصروفات والنفقات، والسؤال الذي ما زال يطرح في هذا السياق: إذا كانت جماعة الأخوان تطالب الحكومة بالشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد، أليس الأجدر أن تقوم هي بنفسها بهذه العملية؟!.
        الأمر الآخر والذي أشار إليه الحوامدة أيضا هو سيطرة منطق متشدد على قيادة الجماعة، وعلى بياناتها الأخيرة، منطق فكري وسياسي يبتعد بالجماعة عن المنهج الوسطي المعروفة به فكريا وتاريخيا منذ أن أسسها الإمام حسن البنا في مصر، ومنذ بواكير نشاطها في الأردن، إذ إن هناك حالة من التسييس الكبير في نشاط وتوجه الجماعة منذ سنوات يعود بها إلى مفاهيم كانت قد تخلت عنها منذ عقود، ويظهر في هذا السياق التناقض الحاد بين حالة التعبئة الداخلية من خلال التوجيهات والبيانات والتي تشعر القارئ لها وكأن الجماعة جزء مفصول عن السياق السياسي الأردني، وأنها مستهدفة وأنها محاطة بالأعداء، وبين السلوك الخارجي والخطاب الذي يتم التعامل به مع الحكومة والقوى السياسية الأخرى.
ربما كشف الحوامدة وقبله استقالة عدد من قيادات الجماعة، وتحييد عدد آخر من قيادات الجماعة المعتدلين وإبعادهم عن عملية صنع القرار حجم الأزمة الداخلية التي تعاني منها جماعة الأخوان، والقلق الذي ينتاب عدد كبير من أبناء التنظيم، الأمر الذي يبرز ضرورة وجود مراجعة حقيقية وجادة لواقع الجماعة ومؤسساتها، من قبل القيادات الوسطية والمعتدلة ومن قبل الشباب الإخواني المثقف الذين تعج بهم الجماعة سعيا لتجاوز حالة الجمود الكبيرة والواضحة ولتصحيح المسار.
ولعل تجربة حزب العدالة والتنمية التركي وعملية إعادة الهيكلة والتصحيح التي تمت لديه تكون محفزا لعملية إصلاح حقيقية في داخل الجماعة، تدفع بها إلى مواجهة التحديات والقيام بالدور الوطني المطلوب، وعدم التستر على فساد داخلي وتناقضات باتت واضحة للعيان في خطاب الجماعة وسلوكها.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر