قراءة في تقرير الحريات الدينية الأمريكي: الحالة السعودية مثالا

2005-2-22 | أميمة عبداللطيف قراءة في تقرير الحريات الدينية الأمريكي: الحالة السعودية مثالا
حين اعتبر وزير الخارجية الأمريكي كولين باول أن السعودية من بين الدول "المثيرة للقلق" فيما يتعلق بانتهاكات الحريات الدينية، بدا مرتكزا بقوة على نتائج أحدث تقرير أصدره مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل التابع للخارجية الأمريكية. كان باول يتحدث أثناء المؤتمر الصحفي الذي مهد لإصدار تقرير الحالة الدينية في العالم.
وتقرير حالة الحريات الدينية مثل التقرير الذي يرصد انتهاكات حقوق الإنسان وتصدره أيضا الخارجية الأمريكية، حيث بات من البدهيات أن تلك التقارير تستخدم بالأساس كورقة ضغط علي الدول الوارد أسماؤها، والهدف من ورائها سياسي بامتياز. وأما أن تتشدق بالدفاع عن قيم كبرى مثل الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الدينية، فهذا لا يعدو كونه ستارا يحجب الدوافع الأصلية. وقد رصد التقرير أحوال الحريات الدينية في الدول العربية كافة وإسرائيل أيضا غير أنه ربما احتفظ بأقسى عبارات النقد للحكومة السعودية، وقد اتضح ذلك جليا في عبارة باول المقتضبة، حتى ليبدو أن كل حملات العلاقات العامة التي دشنت وملايين الدولارات التي أنفقت لتحسين "صورة السعودية في أمريكا" لم تشفع لدى مسئولي الخارجية الأمريكية حين كتب التقرير.
ورغم أن التقرير لا يرصد أي تغيير في واقع الحريات الدينية خلال فترة السنة الماضية، ورغم اعتراف التقرير بأن الحكومة السعودية قد واصلت حملتها "لتعزيز الفكر المعتدل والتسامح والإعتراف بالتعددية الدينية"، إلا أن التقرير يتبني لهجة انتقادية حادة حيث يتهم الحكومة بعدم القيام بأي مجهودات من أجل توفير حماية قانونية للحريات الدينية، وبالتالي فإن هذه الحريات –يقول التقرير- لا وجود لها في واقع الممارسة. وانتقد التقرير كذلك ما وصفه "انتهاك الحكومة السعودية لحق غير المسلمين في ممارسة شعائرهم"، ويرجع ذلك إلى كون الحكومة السعودية تتبني "نهجا محافظا من الإسلام السني والمعروف بالنهج الوهابي".
هناك اعتراف ربما ولأول مرة من قبل واضعي التقرير بأن ثمة إجماع شعبي على اعتماد الشريعة الإسلامية كقانون أساسي للبلاد، حيث يقول التقرير بأن غالبية المواطنين يؤيدون مبدأ الدولة القائمة علي القانون الإسلامي، كما أنهم يعارضون عملية نقل ممارسة غير المسلمين لشعائرهم إلى المجال العام وإن كان هناك ثمة أراء مختلفة حول كيفية تطبيق هذا الأمر.
ويرسم التقرير صورة للتنوع الديني والطائفي للمجتمع السعودي حاليا ويعتبر أن هذا التنوع الديني وحده مبررا قويا لتبني سياسات أكثر تقدما فيما يتعلق بموضوع الحريات الدينية. فالسعودية التي يبلغ تعداد سكانها بحسب التقرير حوالي 24 مليون نسمة بها حوالي 6-7 مليون من الأجانب، وهم مقسمون كالتالي: 1.4 مليون هندي، مليون بنجلادشي، 900 ألف باكستاني، 800 ألف فيلبيني، 750 ألف مصري، 250 ألف فلسطيني، 150 ألف لبناني، 130 ألف سريلانكي، 40 ألف إريتري وحوالي 30 ألف (أمريكي). وبحسب التقرير فإن الإحصائيات حول الطوائف الدينية للأجانب المقيمين بالمملكة متضاربة، وقد اعتبر مؤتمر أساقفة الكاثوليك أن هناك مابين 500 ألف إلى مليون كاثوليكي بالسعودية وهناك بطبيعة الحال حوالي 2 مليون من المسلمين الشيعة الذين يتركزون في المنطقة الشرقية.
وقد خصص التقرير مساحة كبيرة لتناول وضع المسلمين الشيعة بالمملكة ويسرد مظاهر ما اعتبره "تفرقة" ضد شيعة البلاد، حيث يتم إقصائهم من العديد من الوظائف الحكومية ذات الطبيعة المتصلة بالأمن سيما وظائف المن القومي ومناصب وزارة الداخلية، ورغم اعتراف التقرير نفسه بأن هناك بعض الشخصيات الشيعية ممن تشغل مناصب عليا في بعض الشركات والوكالات الحكومية، ورغم قيام الحكومة بإزالة بعض العبارات المعادية للفكر الشيعي من نصوص الكتب المدرسية إلا أن التقرير يشير إلى مظاهر أخرى تدل على التفرقة، منها عدم وجود تمثيل لهم في الحكومة السعودية الحالية، وفي مجلس الشوري هناك عضوان فقط من بين 120 عضو ولا يوجد ممثلون لهم في أعلي هيئة دينية في البلاد وهو هيئة كبار العلماء، فضلا عن أنه لا يوجد وزراء شيعة ومازالت عمليات اعتقال قادة الشيعة تجري على قدم وساق.
ويقول التقرير بأن الحكومة السعودية واصلت إنتهاكات الحريات الدينية، ورغم اعتراف التقرير نفسه بأن التقارير التي تسجل الانتهاكات عادة ما يتعذر تسجيلها، غير أنه من غير المفهوم: كيف يتوصل التقرير لبعض الأحكام التي يقدمها في صورة مسلمات لا تقبل النقاش رغم إقراره بأن موضوع الحريات الدينية هو من الموضوعات الشائكة التي لا تتوافر عنها معلومات وفيرة. هذا الأمر يثير سؤالا يتعلق بطبيعة المصادر التي اعتمد عليها التقرير في التوصل لنتائجه وأحكامه.
وفي محاولة للحفاظ علي شعرة معاوية فإن التقرير تحدث باقتضاب شديد عن الجهود التي بذلتها الحكومة السعودية "لتحسين مناخ التسامح تجاه الأديان الأخرى والقبول بالآخر"، ويرصد التقرير عددا من الجهود علي رأسها مواصلة جلسات الحوار الوطني التي ضمت مسلمين من مختلف المذاهب ورجال ونساء وأصدرت بيانات تندد بالتحريض على العنف. وذكر التقرير النقاشات الدائرة حول موضوع الإصلاح في المملكة وإنشاء مركز الملك عبدالله للحوار الوطني، كما وافقت الحكومة السعودية على إنشاء منظمة حقوق الإنسان الوطنية والتي تعد أول مركز يعني بقضية حقوق الإنسان في المملكة ويوضح أن هناك حرية محدودة للصحافة، إلا أن الخوض في الموضوعات ذات الطبيعة الدينية مازالت تفرض عليها قيود، وأضاف أيضا أنه خلال السنة الماضية لم تسجل حالة واحدة من حالات انتهاك حقوق الهندوس وكذلك لم تسجل حالات لمواطنين أمريكيين قصر أجبروا علي تغيير دينهم قسرا.
ربما الجديد في الأمر هو ماقام به التقرير من تقديم صورة للملكة باعتبارها ضحية لإرهاب القاعدة، حيث خصص قسما يتناول فيه حالات الإنتهاكات التي ارتكبت من قبل من أسمتهم بـ "إرهابيي القاعدة" وذكر بأن البلاد قد تعرضت لحملة إرهابية في مختلف المواقع حيث قتل مسلمون وغير مسلمون.
أما القسم الأخير في التقرير فخصص لتقييم السياسة الأمريكية حيال المملكة فيما يتعلق بالحريات الدينية، حيث كشف التقرير عن أن السفير الأمريكي بالمملكة غالبا ما يطرح للنقاش عملية نقص الحريات الدينية مع المسئولين السعوديين. وقد طرح السفير الأمريكي بحسب التقرير حالات بعينها من الانتهاكات، كما أن ضباطا بالسفارة الأمريكية في السعودية يتقابلون بشكل روتيني مع مسئولي الخارجية السعودية بهدف مناقشة تقارير الحكومة الأمريكية حول الحريات الدينية بالمملكة. ويضيف التقرير بأن مسئولي السفارة الأمريكية يطالبون الحكومة السعودية بالألتزام بالسماح للطوائف الدينية بممارسة شعائرها الدينية بحرية وأن تحترم حقوق المسلمين الذين لا ينهجون المنهج السلفي.
قد يحوي التقرير بعضا من القضايا المهمة التي لا يجب تجاهلها إلا أن من بدهيات القول بأن مجرد ذكر هذه القضايا في تقرير كهذا إنما هو قول حق يراد به باطل. فما تسعى إليه هذه التقارير التي لا تتمتع بأي نوع من الإستقلالية عن الحكومة الأمريكية هو فقط أن تكون أداة طيعة في يد الإدارة تبتز من خلالها الدول وترفع رايات الدفاع عن الأقليات الدينية وحقوق الإنسان. وإن كان هذا لا يعني أن هذه القضايا غير موجودة علي أرض الواقع وإنما هناك مخاوف مشروعة من أن تلك القضايا الأساسية التي تهم المواطنين قد باتت سلاحا بيد الإدارة الأمريكية من جهة تبتز به الحكومات ومن جهة أخري هو سلاح بيد الحكومات تحاول من خلاله التقرب للإدارة الأمريكية بالإقدام على تغييرات سطحية لا تنفذ إلى عمق المشاكل ويظل المواطن العربي أسيرا بين الأثنين على خط النار.   

تم غلق التعليقات على هذا الخبر