قراءة في أوراق أمريكية عن المملكة (2)

2005-2-22 | أميمة عبداللطيف قراءة في أوراق أمريكية عن المملكة (2)
هنا تأتي أهمية الجزء الثاني من الدراسة والتي قام بها كوردسمان مع نواف عبيد أحد الباحثين السعوديين وتتناول بالتحليل التفصيلي والتشريحي الجهاز الأمني السعودي وقيادته ومشاكل الأمن الداخلي السعودي وتحدياته قبل 11-9 وبعده، وتناول كذلك دور وزارة الداخلية وكذا الأجهزة الأمنية و"البوليس الديني" ثم تناول قضية الإصلاح الداخلي. وتخلص الدراسة لنتيجة مؤداها أن الجهاز الأمني السعودي يمر بتغييرات كبيرة، ذلك أن السعودية لم تعد تواجه تهديدا من العراق ولكن عليها أن تتعامل مع ما أسمته الدراسة "الخطر الذي تمثله قوة طهران النووية"، وكيف أن هذا الأمر يفرض خيارات إستراتيجية صعبة علي المملكة، وتعتبر الدراسة أن أكثر التهديدات إلحاحا أمام الجهاز الأمني السعودية داخليا وخارجيا يتمثل فيما وصفته الدراسة بـ"التطرف والإرهاب الإسلامي" المرتبط بالقاعدة وتحذر الدراسة من أن "الشرعية الدينية للملكة يتم تحديها من قبل هؤلاء".
يرى المؤلفان بأن طبيعة عملية الإصلاح التي تقوم بها المملكة دلالة على إدراك العائلة المالكة و"التكنوقراطيين" السعوديين بأن "الثروة النفطية" إلى انحسار وأنه لابد من تنويع مصادر الاقتصاد لخلق وظائف. إن أجهزة الأمن السعودية بدأت بالكاد تستجيب لهذه التغييرات وهي بدأت تحاول التكيف مع فكرة أن الخطر العراقي قد زال، ولكن خططها –تقول الدراسة- مازالت لم تتبلور بعد.
إن أحد مفاتيح الأمن في السعودية –وفق وجهة نظر الباحثين– يتمثل في إعادة البناء الحالي للجهاز الأمني السعودي. وتطرح الدراسة تساؤلا حول عامل السرعة التي يمكن من خلاله للسعودية أن تحقق التغيير. . وتعتبر الدراسة أنه رغم أن السعودية حققت تقدما في تأسيس قوات عسكرية فعالة وحديثة إلا أنها مازالت تواجه مشاكل في القيادة والتنظيم ولديها مشاكل حقيقية فيما يتعلق بعدد العاملين والإدارة.
وتقول إن القوات العسكرية السعودية تحت إمرة الملك فهد، بينما يسيطر ولي العهد وابنه الأمير متعب نائب قائد الحرس الوطني إلا أن القرارات المؤثرة بيد وزير الدفاع.
ووجهت الدراسة انتقادات عنيفة للسعودية سيما الجهازين الدبلوماسي والمخابراتي بسبب ما أسمته "الفشل في إدراك السرعة والكيفية التي تطور بها خطر تنظيم القاعدة". ثم ترصد الدراسة أيضا الفشل الذي منيت به أجهزة الأمن السعودي في رصد إلى أي درجة أصبحت المخابرات السعودية والأموال السعودية متورطة في دعم القاعدة ( ولكن هذه النتيجة تتعارض مع ما توصل إليه تقرير لجنة 11-9 الذي صدر الأسبوع الماضي والذي يبرئ المملكة وأجهزتها الرسمية من أن تكون قد تورطت في تمويل القاعدة).
وتتبنى الدراسة لهجة أكثر تشددا حينما توجه الاتهام للحكومة السعودية لكونها احتملت أشكالا مغالية من "الوهابية"، ويضيف "لقد كانت الحكومة السعودية حريصة على أن ترصد فقط نشاطات الجماعات الإسلامية التي تنتقد الحكومة السعودية والعائلة المالكة بشكل مباشر، ولكنها فشلت في رصد تدفق المال للجماعات خارج المملكة وهذا الفشل أنعكس سلبا على الأمن الداخلي".
إن إحدى المشاكل الرئيسية التي يراها التقرير هو أن المخابرات السعودية اعتمدت بشكل مكثف علي المخابرات البشرية humanit وكانت ضعيف في التعامل مع النواحي المصرفية ونواحي الأمن الداخلي، مما يفسر لماذا فشلت في تعقب ورصد تدفق الأموال للمنظمات الدينية التي تمول الجماعات "الإرهابية".
ترى الدراسة بأن الفساد هو مشكلة حقيقية وأن المشاكل مع إيران لها علاقة بما يحدث في المنطقة الشرقية، ويقول التقرير إن أحد الأخطار التي تقلصت هي تلك التي واجهها الجهاز الأمني السعودي فيما يتعلق بـ "عملاء المخابرات الإيرانية" وتأييدهم للمتطرفين الشيعة بعد سقوط حكم الشاه 1979 ، وكيف أن إيران دربت بعضا من السعوديين الشيعة لشن حرب وعمليات في لبنان وإيران، وتشير الدراسة بأن المسئولين السعوديين يرون بأن إيران مازالت تعمل على أن يكون لها وجود مخابراتي داخل المملكة، بل ومازالت تزود بعض السعوديين الشيعة بتدريب عسكري وديني وسياسي.
وخصصت الدراسة جزءا لتقييم أداء الأمير نايف وزير الداخلية، وتقول بأن هناك نظريتين داخل المملكة، فهناك مدرسة تراه بأنه شخص محافظ تمكن من درء المخاطر الأمنية وإن كانت استجابته بطيئة تجاه النمو المتزايد لحركات التطرف الإسلامي خارج المملكة، وأنه رأى بأن الضغوط الأمريكية للقضاء على هذه الأنشطة هو أمر مبالغ فيه وهي أيضا ضغوط من إسرائيل. أما النظرية الأخرى فترى بأنه هو العصب الرئيسي بالنسبة لشبكة الأمن المعقدة في السعودية وبالتالي فهو لاعب أساس في حرب السعودية ضد (الإرهاب) بل وتعتبره هذه المدرسة مسئولا عن النجاحات التي تحققت.
أما وجهة النظر الأكثر تطرفا بين منظري الإدراة الحالية فتلك التي قدم لها دانييل بايبس في مقال له نشر على موقعه الأسبوع الماضي بعنوان "التعامل مع الشر الأصغر"، فبعد أن استعرض تاريخ المملكة يصل إلى نتيجة مؤداها أن الغرب في وضع لا يحسد عليه فيما يتعلق بالوضع في المملكة، ويرى بأنه بالنظر للتاريخ السعودي، فإن التاريخ قد يكرر نفسه مثلما حدث في العشرينات، وذلك أن من سيكون له السيادة والنصر هو الذي سيقرر ما إذا كانت المملكة سوف تظل مملكة تنحني أمام عوامل الحداثة أم أنها سوف تتحول لإمارة إسلامية شبيه بحكم الطالبان في أفغانستان. ويعتبر بايبس أنه ليس ثمة خيار أمام الدول الغربية من أن تلتزم مساعدة المملكة بكل أخطائها، "إن خياراتنا السياسية محصورة في أن نساعد المملكة علي هزيمة الخطر الراديكالي في الوقت الذي نضغط فيه باتجاه التطوير في بعض النواحي مثل الفساد وتمويل المنظمات الإسلامية الراديكالية المنتشرة في العالم".
وفي مقال له بعنوان "السعودية ملك من؟"، يرى ستيفن شوارتز وهو كاتب يميني يكتب في "ويكلي ستاندرد والناشيونال ريفيو" وهي مطبوعات لسان حال المحافظين الجدد، يطرح تساؤلا هاما لطالما أرق الغرب وهو: هل لو أن هناك نظاما أكثر راديكالية يحكم في السعودية سيؤثر على حصول الغرب على النفط؟ يجيب شوارتز بالنفي، مضيفا بأنه حتى أكثر الأنظمة العربية تطرفا وراديكالية استمر في تصدير النفط للسوق العالمي. إن أفضل حل للملكة –كما يقول شوارتز- هو أن يأتي عنصر الإصلاح من داخل العائلة المالكة ذاتها (مقارنة بالملك خوان كارلوس في أسبانيا).
وعن مصير العائلة المالكة، يقول شوارتز بأنه بالإمكان أن يحتفظوا بأدوراهم كرؤساء للدولة وكذا ثروتهم علي غرار نموذج العائلة المالكة البريطانية، ولكنه يستدرك ليقول بأن هذا أمرا مشكوك بتحققه، سيما وأن الأمير عبدا لله، الذي أحتفي به حين مجيئه كرمز للإصلاح، يميل نحو تبني "البارانويا الوهابية"، واتهاماته المتواصلة بأن الصهاينة هم من وراء موجة الإرهاب في السعودية دليل علي ذلك. ويتحدث شوارتز الذي ألف كتابا بعنوان "وجهان للإسلام: بيت آل سعود من التقاليد إلى لإرهاب"، عما أسماه بدولة ما بعد الوهابية، ويتساءل عما إذا كانت هذه الدولة بإمكانها عقد سلام مع إسرائيل، إلا أنه ينفي ذلك ولكن على الأقل –كما يقول- فإن سعودية ما بعد الوهابية سيكون بإمكانها أن توقف خطر الاختراق الوهابي من المغرب لماليزيا ومن البوسنة لبوتسوانا وهذا أمر في حد ذاته سوف يؤدى للسلام.
أما آخر هذه الكتابات التي حاولت قراءة ما يحدث في المملكة وتداعياته على العلاقة مع الولايات المتحدة، فكان مقال لتوماس ليبمان المراسل السابق لجريدة "واشنطن بوست" في الشرق الأوسط والذي ألف كتاب بعنوان "داخل السراب: شراكة أمريكا الهشة مع السعودية". والسعودية كما رآها ليبمان الذي زارها لمدة أسبوع خلال الشهر الماضي هي "مجتمع يقع تحت الحصار"، وهو يرى بأن ثمة عوامل قد تؤدي في النهاية إلي "انهيار النظام أو حدوث حرب أهلية"، ومن أهم هذه العوامل هو شراسة (الإرهابيين) وتزايد أعداد الناقمين الذين يعانون البطالة وعدم الحسم الذي يتسم به كبار الأمراء.
غير أن ليبمان يستدرك سريعا ليقول "إن التنبؤ بعملية الانهيار للعائلة المالكة هو أمر مبكر جدا الخوض فيه، بل وقد يكون أمرا خاطئا"، فالأمراء السعوديون ماهرون، وقد يكونون شرسين إذا تطلب الأمر ذلك وهم غير مقيدين بموضوع الحريات المدنية، كما أنهم مرتبطون بعلاقات مصاهرة وأعمال مع نسبة كبيرة من السكان وهو ما يضمن لهم التأييد والولاء، وتاريخ عائلة آل سعود كما يقرأه ليبمان يتأرجح ما بين احتمال الراديكاليين الدينين وبين القضاء عليهم إذا ما حاولوا تحدي السلطة الملكية. وهو يعتبر أن معارضي النظام اليوم هم عبارة عن شريحة كبيرة ممن وصفهم بغير المتعلمين وذوي النظرة الضيقة والذين لديهم استعداد وقابلية لاستخدام العنف، وهم بالأساس نتاج ظروف رعاها النظام بنفسه طيلة العشرين عاما الماضية. بل ويرى أن هؤلاء يتم تغذية تطرفهم من قبل المؤسسة الدينية التي يعتبرها هو "معادية للغرب ولليهود وللنساء" .
ويخلص ليبمان إلى نتيجة بناها على مقابلة أجرتها طبعة الأحد من "واشنطن بوست" ونشرت في قسم outlook مع الأمير بندر بن سلطان سفير المملكة في واشنطن، والذي قال: "إنه لو تعامل النظام السعودي الحالي مع الإرهابيين بنفس المنطق الذي تعامل به الملك عبد العزيز مع الإخوان-أي القضاء عليهم-، فإن بيت آل سعود سوف يستمر، أما إذا تعامل معهم على اعتبار أنهم شباب مسلمون ضلوا الطريق وسيعودون لرشدهم فإن بيت آل سعود سوف يدمر".
ويرى ليبمان أن المشاكل الحادثة لا تمثل عاملا من عوامل الثورة ضد نظام آل سعود، وإنما هناك ثورة أخرى تدور رحاها، ذلك أن السعوديين باتوا يتحدثون عن موضوعات كانت في الماضي من المحرمات، وأن هذا التغيير -يرجعه الكاتب في معظمه- إلى "جيل جديد من النساء المتعلمات اللائي يسعين لإيجاد مكان في الحياة السياسية والاقتصادية".
ويختتم بقوله إن القوات السعودية سوف تكسب معركة البنادق ضد (الإرهابيين) ولكن التحدي الأكبر أمام آل سعود هو كيفية احتواء طموح الأغلبية؟ وكيف يمكن الحفاظ على الروابط الاقتصادية مع الولايات المتحدة؟ وإذا تبنى النظام السعودي الإصلاحات الاجتماعية التي يمكن أن تصور على أنها معادية للإسلام وذلك لمراضاة أمريكا فقط، فإن هذا أمر من شأنه أن يصعد العنف الذي تشهده المملكة وربما يؤدي لثورة شاملة.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر