قراءة في أوراق أمريكية عن المملكة (1)

2005-2-22 | أميمة عبداللطيف قراءة في أوراق أمريكية عن المملكة (1)
تعود السعودية مجددا لواجهة الأحداث. فكلما وقع تفجير أو صدر بيان للقاعدة أو اختطفت رهينة، تقوم وسائل الإعلام ومراكز الدراسات الغربية بتلاوة قائمة من التحذيرات مما يحدث في المملكة وتطرح تساؤلات روتينية عمن يحكم المملكة الآن ومصير حكم آل سعود، وتعيد قراءة الشراكة المضطربة بين "السوبر باور" وبين آل سعود، حتى إن بعضا منها راح يفتش في تاريخ المملكة السابق عما يمكنه أن يفسر ما يحدث الآن. والغرب مهووس بمحاولة الإجابة عن سؤال واحد: هل ستظل منابع النفط آمنة؟ وهل سيظل الغرب قادرا علي الوصول إليها، مثلما ظل الحال لمدة ستين عاما هي عمر العلاقة التي ربطت البيت السعودي الحاكم بالغرب عموما والولايات المتحدة علي وجه الخصوص، إذا تغير حكم آل سعود وأتي من هم أسوأ منهم؟. وبلغ الأمر أن طرح أحد الكتاب الأمريكيين –مقتدر خان- سؤالا يتردد بقوة في الدوائر الأمريكية وهو "ما إذا كانت القاعدة قد اخترقت العائلة المالكة؟ وعما إذا كانت قد حصلت علي دعم لوجيستي ومادي ومخابراتي من مصادر سعودية رسمية؟".
وقد أدى حادث اختطاف الأمريكي بول جونسون وقتله علي أيدي أفرد ينتمون إلى القاعدة إلى إعادة طرح هذه الأسئلة مجددا، وهو طرح في أغلب الأحوال لا يسعى للبحث عن إجابة بقدر ما يحاول إثارة مخاوف مما يحدث في "مملكة الشر" على حد تسمية أحد الكتاب اليمنيين المتطرفين. وثمة سيل متدفق من الكتابات علي وجه الخصوص تتناول بالنقد والتحليل الوضع في المملكة، البعض منها لا يخلو من سطحية تعيد إنتاج الكثير من الصور النمطية ولا تمثل عملا أكاديميا جادا، بينما القليل جدا منها يحاول البحث عن إجابات لأسئلة تشغل الغرب.
أحد أهم الدراسات التي صدرت في مايو الماضي من قبل مركز الدراسات الإستراتيجية والدوليةCentre for Strategic and International Studies (CSIS) وهي عبارة عن مجموعة دراسات أشرف عليها رئيس المركز أنطوني كوردسمان وأرلي بيرك في إطار مشروع عرف باسم "السعودية تتدخل القرن الحادي والعشرين". ويهدف المشروع –على حد تعريف كوردسمان له- إلى "مراجعة التيارات التي تسود المملكة والتي من شأنها أن تحدد مستقبل المملكة وتأثيرات ذلك علي استقرار منطقة الخليج العربي"، ويتم هذا المشروع بالتنسيق مع ما يعرف بـ "مشروع الأمن والطاقة في الشرق الأوسط"، وكلا المشروعين يحاولان النظر في العوامل الرئيسية التي من شأنها التأثير علي الوضع الإستراتيجي والسياسي والاقتصادي والعسكري للملكة، ويرصد كذلك التغييرات الحادثة في الاقتصاد السعودي وصناعة النفط والمشاكل التي تواجه السعودية والعوامل الديموغرافية والاجتماعية في المملكة. كما تشتمل الدراسة أيضا علي تحليل متكامل يقع في 41 صفحة حول الجهاز الأمني السعودي والإنفاقات الدفاعية وواردات السلاح وتحديث الجيش السعودي والجاهزية والاستعداد للقتال.
أما أكثر نقاط المشروع أهمية فتلك التي تتناول المستقبل الإستراتيجي للعائلة المالكة، بينما الهم الرئيس للدراسة، كما يقول كوردسمان، فهو بالأساس رصد ودراسة تأثيرات التغيير داخل المملكة على المدى المتوسط والطويل، وكذا أكثر التغييرات المتوقعة فيما يتعلق بطبيعة سلوك العائلة المالكة الحالية، وتأثيرات هذا الأمر على استقرار الخليج وعلى استقرار –وهو الأهم- وضع الولايات المتحدة في الخليج.
يقول كوردسمان إن البحث مازال في طور التطوير بمعنى أن ثمة تغييرات تطرأ، حسبما ترد المعلومات من صانعي القرار وحسبما يصلهم من تقارير أخرى.
أهم قسمين بالمشروع هو الأول بعنوان "توقعات الاستقرار في المملكة" والثاني بعنوان "الأمن الداخلي السعودي: التحديات والتطورات".
تتصدر الدراسة عبارة تحذيرية للمؤلفين من ضرورة "أن نكون حريصين على ألا نبالغ في ردات الفعل تجاه ما يحدث في المملكة علي صعيدي الإرهاب والاقتصاد"، فالمملكة كما يقول كوردسمان لديها مشاكل قصيرة وطويلة الأمد لابد من مواجهتها وعليها أن تحارب الإرهاب ولكن ليس ثمة تهديد للنظام الحالي. وترصد الدراسة تأثيرات ما يحدث في السعودية على السياسات الغربية وبالأخص الأمريكية، لذا تنصح الإدارة بضرورة مساندة "الإصلاح التدريجي" داخل السعودية الذي هو من وجهة نظر الدراسة "سياسة ذات فعالية"، وهو أيضا منهج لو اتبع، فمن شأنه أن يؤمن أفضل فرص الاستقرار بالمملكة والخليج ولمصدري الطاقة. ويعاود المؤلفان التأكيد علي أنه بإمكان الولايات المتحدة أن تنجز الكثير لو أنها شجعت الإصلاح الداخلي ودعمت فريق الإصلاحيين بدلا من أن تحاول أن تفرض حلولها. ويعتبر المؤلفان أنه مازال أمام السعودية الكثير لعمله لمحاربة الإرهاب وأن المملكة تواجه ضغوطات متوسطة وطويلة الأمد من الناحية الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية مما يجعل عملية التنوع الاقتصادي والإصلاح أمرين هامين لاستقرار المملكة، وهذا الأمر لا يتطلب مساندة نشطة من الغرب فحسب، وإنما تشير الدراسة إلي ضرورة تدفق الاستثمارات الأجنبية التي يمكن أن تأتي من القطاع الخاص، ويحذر المؤلفان بأنه إذا لم تحصل السعودية علي الدعم الغربي وتدفق الاستثمارات الغربية، فإن عدم استقرار النظام السعودي سيكون هو النتيجة التي نتنبأ بها.
وتستعرض الدراسة بشكل تفصيلي كيف أن المملكة طورت جهودها لمكافحة "الإرهاب" وزاد تعاونها مع الولايات المتحدة منذ الحادي عشر من سبتبمر وذلك بعد أن أصبحت هي ذاتها هدفا لـ"الإرهاب" منذ مايو 2003 ، وكذا تستعرض ما قام به النظام السعودي لمواجهة غسيل الأموال وقضية المؤسسات الخيرية. وتكشف الدراسة عن أنه في أغسطس 2003 أسست السعودية بالتعاون مع الولايات المتحدة فريق عمل مشترك يهدف لمواجهة ما سمي بـ "الإرهاب المصرفي" وكان ذلك بناء على مبادرة من ولي العهد الأمير عبد الله.
وبعد أن يقدم رصد "كرونولوجي" مفصل لكل أنشطة البوليس السعودي من اعتقالات ومداهمات تمت خلال السنة الماضية، يشير التقرير إلي أن هذه المعلومات رغم كونها مستقاة بالأساس من مصادر رسمية سعودية إلا أنه تم التحقق من صحتها من خلال مقارنتها مع أقوال خبراء أمريكيين. ويرى التقرير أن الحكومة السعودية قد قللت من مخاطر تسلل الأسلحة والمتفجرات التي تدخل البلاد في كثير من تقاريرها الرسمية، إلا أنه يعترف بأن المسئولين السعوديين عادة ما يؤثرون الصراحة في الجلسات الخاصة، وأنه في واقع الأمر فإن الحكومة السعودية أكثر نشاطا ضد الجماعات الراديكالية بشكل أكبر مما تريد الاعتراف به في العلن، وأنه رغم قدرتها علي القضاء على العديد من الكوادر "الإرهابية" ومراكز تدريبهم إلا أنها لم تقض على الخطر نهائيا.
إن المملكة، كما يقول التقرير، مازال أمامها عدة سنوات على الأقل قبل أن تستطيع أن تسيطر علي الخطر "الإرهابي"، وإلى جانب الحرب على الإرهاب، فإن السعودية تواجه تهديدا يصفه التقرير بأنه "منخفض المستوى" وسيمتد عبر الأجيال وسيستمر في صورة ما عبر السنوات العشر القادمة. ويحث المؤلفان المملكة علي "ضرورة التحرك بسرعة وأن تحظى بالتأييد الشعبي والإصلاحات التعليمية والاجتماعية اللازمة لمواجهة المشاكل التي أدت لوجود هذه التهديدات بالأساس، وهو أمر سوف يستغرق على الأقل 5 سنوات لمواجهته، وهناك احتمال أن تكون هناك هجمات إرهابية ناجحة. وتشدد الدراسة على أن عملية التغيير التي تبنتها المملكة والتي تعمل علي الاحتواء بدلا من الفعل المباشر من شأنها أن تثير حنق أمريكا.
ومن النقاط المهمة التي تثيرها الدراسة هو النتيجة التي خلصت إليها وهي أنه ليس ثمة تأييد اجتماعي واسع لما أسمته بالتطرف العنيف في أي مكان في المملكة، واعتمدت في هذا على قياسات الرأي العام التي أثبتت أن الشباب السعودي أكثر اهتماما بالتعليم والوظائف منه بالعنف، وأن أكثر الموضوعات أهمية هو الصراع العربي –الإسرائيلي وليس الدين. وتشبه الدراسة هذا الخطر الذي تواجهه المملكة بأنه "مثل خطر الجماعات الإسلامية التي واجهتها مصر، أكثر منه خطرا يسعى لقلب نظام الحكم".
ومن النقاط المهم الإشارة إليها هو كيف تقيم الدراسة هذه التهديدات، وهي تعتبر أنه بينما تشكل التهديدات تحذيرا كبيرا، إلا أن رسالتها الأساسية هي أن الوسائل الأمنية الجيدة والإصلاحات مطلوبة أكثر من كونها علامة على أن النظام السعودي في خطر.
ثم ترصد الدراسة ما أسمته بخمس مشكلات كبرى لابد وأن تواجهها كل من أمريكا والمملكة وهي كالتالي:
1-        تحسين مستوى التعاون في مجال مكافحة "الإرهاب"، وتعتبر الدراسة أن المملكة لم تبذل جهودا كافية لتحقيق التقدم وعلى الولايات المتحدة ممارسة ضغوط هادئة لتحقيق الإصلاح ولأن تعيد النظر في نهجها فيما يتعلق بالقضايا الإسلامية التي تتبناها خارج حدود المملكة.
2-        التوتر الشعبي بين البلدين وصل إلى نقطة يتزايد معها العداء السعودي ضد الولايات المتحدة بما يغذي "الإرهاب" والتطرف، ولذا لابد وأن تمد الولايات المتحدة يد المساعدة والعون للمعتدلين في العالم العربي والإسلامي.
3-        الصراع العربي الإسرائيلي من شأنه أن يخلق توترا أكبر، وهذا أمر يجب أن يتعايش معه كلا البلدين
4-        ضرورة زيادة التعاون بين القطاع الخاص الأمريكي والسعودي في مجال مكافحة "الإرهاب".
5-        تقر الدراسة بأن السعودية مازالت تنفق مابين 18-24 بليون دولار على التسلح، وأن التقديرات تشير إلي أن السعودية اشترت بما قيمته 6,6 بليون دولار أسلحة من الولايات المتحدة في الفترة من 1995-1998، ووقعت اتفاقيات شراء أسلحة بما قيمته 4,1 بليون دولار، وإذا كانت هذه الأرقام صحيحة –يقول كوردسمان وبيرك-، فإنها أرقام كبيرة جدا وهي تشير إلى أن الجهود الأمنية السعودية ذات تكلفة عالية جدا حتى إنها لتشكل خطرا على الأمن السعودي، ويتطلب الأمر أن تحث الولايات المتحدة السعودية على أن تركز جهودها على الأمن الداخلي (يتبع).

تم غلق التعليقات على هذا الخبر