السعودية ..وطريق الإصلاح (2)

2005-2-22 | محمد سليمان السعودية ..وطريق الإصلاح (2)
-4-
المطالبة بالإصلاح
فتحت حرب الخليج الثانية الباب مشرعا لدعوات الإصلاح، والتي جاءت في البداية من التيار الإسلامي الصحوي، وربما تعبر وثيقة " النصيحة" عن مضامين الإصلاح المطلوب، والتي كانت تطالب بمزيد من الأسلمة وبمحاربة الفساد السياسي، وانتقاد العلاقة بين الولايات المتحدة والغرب، إلا أن الانطلاقة الكبرى لمشاريع ودعوات الإصلاح المتنوعة والمتعددة كان بعد أحداث سبتمبر، والتي دفعت بجدالات الإصلاح إلى العلن، وعلى الرغم من حالة الاختلاف بين دعاة الإصلاح ومطالبهم إلاّ أن هناك إجماعا على قضايا معينة كتحسين الشفافية في الشؤون المالية وتقديم معلومات دقيقة ومفصلة حول مصادر الإرادات والنفقات العامة.
إلاّ أن دعاة الإصلاح لا يشكلون شبكة واحدة متجانسة تشكل نواة لحزب سياسية بقدر ما يعتبرون لوبي ضعيف يظهر بين الحين والآخر من خلال تقديم عرائض حول قضايا الإصلاح، ويتشكل تيار الإصلاح الجديد من اتجاهات متنوعة كإسلاميين تقدميين (عبد العزيز القاسم وعبد الله العتيبي) وليبراليين (محمد سعيد الطيب) وشيعة (عبد الخالق عبد الحي وجعفر الشايب)، وقد عبر عن المطالب الجديدة عريضة بعنوان "تصور الحاضر ومستقبل الأمة) والتي تنادي بالملكية الدستورية وبانتخاب مجلس الشورى والحريات العامة وتطوير مؤسسات المجتمع المدني. وقدمت أيضا في أيلول 2003 وثيقة بعنوان " دفاعا عن الأمة" ، ومع انتشار مظاهر العنف بدأ الإصلاحيون يؤكدون على أن سبيل مواجهة ذلك يتمثل بالإصلاح الشامل.
-5-
المشي الحذر: الإصلاح، الدين وثمن الاستقرار
تمثلت أبرز جوانب استجابة النظام من خلال إجراء الحوارات الوطنية، والتي شارك فيها مختلف أطياف اللون السياسي والفكري السعودي من ليبراليين وشيعة وإسلاميين، وفي حين شارك سلمان العودة وغيره من الإسلاميين، رفض سفر الحوالي المشاركة حتى لا يجلس جنبا إلى جنب مع الشيعة.
وقد أدت هذه الحوارات إلى طرح موضوع الإصلاح بشكل واسع، وتزايد المطالب بالإصلاح السياسي وبتطوير مناهج التعليم، إلاّ أن النظام عاد واعتقل عددا من دعاة الإصلاح الذين دعوا إلى تشكيل لجنة مختصة بحقوق الإنسان خارج إطار الحكم الرسمي.
وقد طرحت الإشارات المتناقضة الصادرة عن النظام بخصوص الإصلاح عدة احتمالات: فهناك من فسر الأمر أن النظام يريد إجراء إصلاحات جمالية شكلية، دون القيام بإصلاح حقيقي جوهري، في حين فسر آخرون ذلك بوجود خلافات داخل الأسرة الحاكمة وبين أقطاب نظام الحكم. إلاّ أن هناك تفسيرا آخر يقوم على أن الحكم يريد فعلا القيام بإصلاحات ولكن ليس دفعة واحدة تؤثر على الاستقرار، وإنما من خلال مراحل متدرجة محسوبة لا تؤثر أيضا على التقاليد الاجتماعية المحافظة، مما يثير المحافظين داخل المجتمع السعودي.
في هذا السياق فإن النظام حريص على علاقته مع تيار الصحوة وقياداتها كسفر الحوالي وسلمان العودة ، والذين جمعوا العديد من الأنصار والمؤيدين وكونوا قاعدة عريضة، وقد حدث تقارب كبير بينهم وبين الحكم في مواجهة القوى الدينية العنيفة، فالاحتفاظ بالإسلاميين غير العنيفين في الوقت الذي يتم فيه انتهاج سياسة إصلاحية يتطلب مناورات دقيقة وصعبة وتوازنات شديدة، فعلى سبيل المثال سعت الحكومة إلى إجراء تغييرات في مناهج التعليم وإلغاء كتب التدريس التي تحض على كراهية المسيحيين واليهود، وهناك تعديلات أخرى في طريقها إلى التنفيذ، إلا أن الحكومة في مواجهة تحذيرات من رجال الدين الرسميين وغير الرسميين ضد أي إضعاف لمحتوى المناهج الإسلامي سعت إلى التأكيد على أن هذا التغيير يتم منها ذاتها وليس تحت أي ضغوط خارجية.ورغم ذلك فإن محاولات الحكومة لتبرير التغيير لم ترض 156 عالم دين غاضبين ، ومعظمهم من أساتذة الجامعات، والذين دانوا هذه التعديلات ووصفوها بأنها خطوة من طريق طويل سيؤدي إلى نشر الفساد.
على الرغم من كل الصعوبات السابقة إلى أن هناك إشارات إلى وجود رغبة جدية في الإصلاح فدعاة إصلاح كعبد العزيز القاسم وعبد الله الحامد يجادلون ضد الأنماط المتزمتة للإسلام، وهناك جدالات كبيرة في القضايا الحساسة، وقد وقع 35 من رجال الفكر، ومعظمهم من المحاضرين في الجامعات الإسلامية بيانا ضد التفجيرات في العراق التي أودت بحياة أكثر من 180 من الشيعة أثناء تأدية شعائرهم الدينية، كما أن سلمان العودة اشترك في الحوار الوطني رغم وجود شيعة فيه. وقد دعا علماء الصحوة إلى الأخذ بمساءلة سياسية أوسع، واشتراك شعبي أكبر في عملية صنع القرار، وهناك إشارات ذات مغزى عن تطور فكري داخل الصحوة.
على الرغم من الشكوك العميقة حول جدية الحكم السعودي في إجراء الإصلاحات المطلوبة، إلاّ أن النظام يتعرض لمشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، وقد يقرر اللجوء إلى توجه امني مشدد، والاستناد إلى خطر العنف ذريعة للحد من المطالبة بالتغيير، واستخدام حركة الإصلاح "تكتيكا" لتخفيف الضغوط من الداخل والخارج، ومع ذلك فإن تنفيذ الإصلاح السياسي والسعي لاستعادة الشرعية، تشكلان مسارا أكثر أمانا له وللبلاد ككل.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر