إهانة العرب عقدة صهيونية تتأمرك

2005-2-22 | د. محمد الأحمري إهانة العرب عقدة صهيونية تتأمرك
ما لقيه المفسدون من الصهاينة من مهانة عبر التاريخ، يستخدمون اليوم أمريكا لوصم العرب بتاريخهم، ونقل سمتهم لخصمهم، ونشر ثقافة العربي المهان، ذي العقل الكليل، واللسان الطويل، والعقدة الجنسية، فحاولوا تنفيذ هذه الفلسفة في فلسطين وأبي غريب.
يقصّ (ديفيد فروم) كاتب الرئيس الأمريكي -المطرود من البيت الأبيض بسبب كذبه على الرئيس وزعمه انه هو من اختار أو اخترع مصطلح (محور الشر)- فيذكر للقراء في كتابه (الرئيس المناسب أو اليميني)، قصة موقف الحكومة الأمريكية من فلسفة التعامل مع العرب والمسلمين في أعقاب الحادي عشر من أيلول / سبتمبر، ويذكر أن موقف الرئيس وحكومته كان يقوم في بدء المشكلة على مجاملة المسلمين والتظاهر بمدح الإسلام علناً، والإشادة به كدين للسلام، ويعرّض بزيارة الرئيس بوش لمسجد واشنطن إثر الحملة وبعد العدوان والإساءات التي صدرت ضد المواطنين المسلمين في أمريكا.
ثم يتحدث عن أن هذه الطريقة كانت هي المعتمدة في البيت الأبيض، إلى أن جاء (برنارد لويس) ليكشف الغمة، ويحل المشكلة للحكومة وللرئيس ونائبه في صياغة طريقة جديدة للحديث وللتأثير في المسلمين، فقدم (لويس) محاضرات ونقاشات عقدت في بيت (نائب الرئيس ديك تشيني)، نشر خبرها صهيوني متعصب آخر هو:(زكرمان) رئيس تحرير (يو إس نيوز آند وورلد ريبورت)، ويذكر (فروم) أن هذا المرجعية العليا في شؤون العالم الإسلامي والعربي (لويس) قد أنقذ الموقف؛ فبماذا أنقذ برنارد لويس الحكومة من مأزقها؟
قدم برنارد لويس تحليلا جديدا للبيت الأبيض يقوم على فلسفة أن العالم الإسلامي حضارة قديمة ومستمرة، وخيالات عزتها وقوتها لم تغب عن مخيلة المسلمين، فهي لم تفقد عرشها إلا في عام 1924م بإسقاط الخلافة العثمانية، وأن المسلمين تسيطر عليهم مشاعر العزة والغرور والتاريخ والمنافسة مع الغرب ومواجهته، وأنهم بقوا قروناً متطاولة يدافعون الغرب كوعاً بكوع ومنكباً بمنكب، كل منهم يدفع الآخر، وما هذه المواجهات والغضب الإسلامي إلا استمرار لهذه المشاعر.
وخروجاً من مأزق المسلمين العرب وإخراجاً لهم من هذه الخيالات والمشاعر يجب أن يُذلوا ويُهانوا، وأن تشعرهم أمريكا بالدونية ليخرجوا من خيالات التفوق التاريخي، ومن وهم العزة والكرامة. وعقيدة الإهانة هذه هي ما يكررها يهودي آخر شديد الكراهية والتعصب ضد المسلمين وهو توماس فريدمان، إذ يندر أن تقرأ مقالاً تحليليا له من الإشارة إلى "شعور بالمهانة" يزعم أن العرب والمسلمين يشعرون بها. والذي يريد هو أن يقنع العالم بإهانة العرب، وأنه يحسن أن يشعروا بها.
أما الزعيم الفكري اليهودي المتنفذ بول وولفوتز (أو الحاخام) -كما يشبهه الصحفي اللامع بوب وودورد في كتابه "خطة الهجوم"- فقد كان من زوار سجن أبو غريب وموجهيه، وتجوّل فيه، واستمتع برؤية العراقيين يهانون، ولعله هو من كان وراء التوجيه بالإهانة للأسرى العراقيين في السجن. وهو بكل المقاييس مخطط صهيوني من أهم صناع القرار الأمريكي، وهو موجه وزارة الدفاع، وعقلها المتصرف فيها، والمشرف على تصرفات جهاز استخباراتها المناوئ للسي آي آي، ويبقى (وولفووتز) المثقف المؤثر - سيصدر كتاب بالإنجليزية يعرف به كشخصية فكرية قادت بقوة فكرها الكثير من مواقف الحكومة الأمريكية وسياستها في العراق-. وكان بول وولفوتز من كتاب العقيدة الأمريكية المتعلقة بالمستقبل الأمريكي قبل أحداث أيلول. كما أن (رامسفيلد) يمثل لسانها السليط ويدها الغليظة الديماغوجية، التي تحتاج لمن يدبر لها توجهها.
وقد تكونت عقيدة الإهانة للعرب بناء على مواقف عميقة حفرتها التجربة والتاريخ الطويل للطوائف اليهودية المنبوذة في أوروبا، وكان من ركائز الفلسفة الصهيونية للخلاص من المهانة التاريخية العنصرية والدينية العميقة التي عاشها جنسهم في الحارات (الجيتو) التي كانت تغلق عليهم مع الغروب، وتفتح في الصباح في إيطاليا وغيرها، وقد سيطرت عقلية المهين ساكن الحارة على عقول وثقافة كتاب الصهيونية من بدء الفكرة إلى هذه الأيام، وضاعف من هذا الأمر فيما يخص (لويس) ما حدث له من تجربة مهينة وطويلة في كلية الدراسات الشرقية بجامعة لندن؛ وقد كانت فضيحة جارحة جداً، وخسر القضية في المحكمة، فما كان له بعد ذلك إلا أن يبني من واقع سيرته فلسفة للمهانة والرد بها على العرب الذين يكرههم.
وكان لا بد له ولرديفه وولفوتز من نقل عقدة المهانة إلى الخصوم، وجعلها عقيدة دولة وفلسفتها، إن استطاعوا أن يقيموها ويؤسسوا لها فعلوا كما هو الشأن في فلسطين، ولكن قابلهم شعور الفلسطينيين بالعزة والفداء فخابت كل آمالهم في تنفيذ هذه الفلسفة، وكم يؤذيهم ما يرون من مشاعر القوة والاستمرار والاستهانة بهم من قبل ضحاياهم.
إنهم يرون في شرف العربي وشموخه وتضحيته مصدر خطر، ومستقبل مواجهة، فلا بد من قسره وقهره وإنهاء كل هذه المشاعر، ولهذا فإن موجهي سجن أبو غريب يهمهم تنفيذ هذه الأحقاد، وغرس المذلة، حتى ييأس العربي من الكرامة، ومن العزة. ولكنهم ينسون أن هذه الثقافة التي سبق أن قبل بها يهود أوربا، أو قبل بها من يستغلون الغطاء السياسي والأكاديمي، ويخفون صهيونيتهم تحت ستار البنتاجون، ستجد صعوبة بالغة في أن تنقل للعالم العربي، بكل ما يحمله العربي من شموخ، مما اضطر ضحايا عقيدة إذلال العرب والمسلمين إلى أن يواجهوا بعنف، وأن يجعل هذا المرأة العراقية تنتحر بعد شعورها بالإذلال، وتجعل العراقي يؤمن بأن المخرج من عقيدة الإذلال هو العين بالعين.
إن هذه العقيدة التي لقنها صهاينة أمريكا للبيت الأبيض، وهم من صيروا سياسته عقيدة إهانة وقتل للعرب والمسلمين لا بد لها أن تخرج من الهيمنة على الرؤوس القيادية في الحكومة الأمريكية لأنها لا تصنع إلا المزيد من السلوك الهمجي لجنودهم وقادتهم، والمزيد من الرفض والمواجهة، وتأزيم العلاقات، وتسميم الثقافة، ونشر عدم الثقة فيهم وفي مواقفهم وقيمهم ومقاصدهم، وتجعل من أمريكا تابعاً لفلسفة الصهيونية، وسيكون تبعية أمريكا للموقف الصهيوني ضد مصالحها ومستقبل علاقاتها بثلث أو ربع البشرية (المسلمين)، ومهدداً دائما لاستقرارها ولاقتصادها، وتجعل من شعبها هدفاً سهلاً للعنف في العالم. كان بإمكان أمريكا أن تتخذ دليلا غير الغراب، الذي حشرها بين جيف الكلاب، فمات رجالها، ومرغ شرفها، وساءت سمعتها، ولعل بعض الغربان الصهاينة يستمتعون اليوم بغرق أمريكا في العراق، لأن هذا يجلب لهم الرحمة، ومزيد الحماية، فالصهيوني يحمل على ظهره عقدة الذليل المطارد في أوروبا، وتعلم أن يكون في الحرب والسياسة: "مثل الجبان يلوذ تحت القرمل".
ولا ينقذ أمريكا إلا موقف شجاع لوطنيين يخلصونها من المتطرفين، الذين اختطفوها، فأهانوها، ومزقوها، ودنسوا اسمها في العالم، يصرخ بريجنسكي في الأمريكان فيقول بنحو ما نقول، ويشعر بالعار الذي حل ببلده. ولكن هذا الحاخام وأتباعه ناموا في سرير هذه الإمبراطورية فأغووها، والقوية تُغوى ولا تُغتصب.
ولنا عودة لاستكمال الصورة.
      

تم غلق التعليقات على هذا الخبر