من فيتنام إلى العراق: فشل استراتيجية 'ترميم إرادة النصر'!

2005-2-22 | من فيتنام إلى العراق:  فشل استراتيجية 'ترميم  إرادة النصر'!
لا أدري لماذا تكرر واشنطن ارتكاب الأخطاء الكارثية، وكأنها أصبحت متفننة في صنع المآزق والتورط في المستنقعات من فيتنام إلى العراق، ففي أغسطس 1964، انطلقت واشنطن في حرب باطلة وكارثية في آسيا كلفت عشرات آلاف القتلى الأمريكيين وملايين الفيتناميين. وحسب عدد من المراقبين، كان الدافع وراء حرب فيتنام خشية واشنطن من فقدان مصداقيتها أكثر منه العدوى الشيوعية المحتملة في شرق آسيا، وقد دامت هذه الحرب أكثر من عقد من الزمن وأحدثت شرخاً داخل المجتمع الأمريكي. مع أن بعض العقلاء داخل جهاز الدولة كانوا يدركون منذ العام 1967 أن هذه الحرب خاسرة مسبقا، فقد لزم الأمر الانتظار حتى العام 1973 كي يقدم الرئيس ريتشارد نيكسون المنتخب في العام 1968 والمصمم كما سلفه السيد ليندون جونسون على "أن لا يكون أول رئيس أمريكي يخسر حرباً"، ليقدم أخيرا على الانسحاب وترك حكومة سايغون تواجه مصيرها.
وبعد أربعين عاما، يعود شبح فيتنام ليؤرق واشنطن، حيث إن تحالف اليمين المتطرف الذي وصل إلى السلطة عام 2000 مهووسا بفكرة "ترميم إرادة النصر"، بحسب تعبير السيد ريتشارد بيرل ودفن "الشبح الفيتنامي" نهائيا، انقض على إدارة بوش ليسوقها إلى المستنقع العراقي.
ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه، ففي نهاية العام 1960، انتاب فئة كبيرة من الشعب الأمريكي شعور بأن "النخبة الحاكمة فقدت رشدها". فبعد عام على غزو العراق بدا الانقسام مسيطرا على المجتمع الأمريكي في العمق.
وليس الأمر قاصرا على الشعب، فإن حالة من القلق تنتاب المؤسسة العسكرية خاصة في صفوف جيش المشاة المسؤول عن احتلال العراق كما تدل على ذلك دراستان حديثتا العهد. وتبرز الدراسة الأولى التي أجراها الجيش نفسه هبوط معنويات الوحدات النظامية المنتشرة هناك حيث يقر 50 في المائة من الجنود أن "معنوياتهم منخفضة". أما الثانية فتشدد على قلق عائلات الجنود أمام احتمال الحرب الطويلة الأمد أو توسع النزاع مما يؤثر على عمليات المناوبة بين أفراد الجيش. هذا بالإضافة إلى أن احتمال انخفاض عدد قوات الجيش ممكنا وصرح العديد من الخبراء أن الانتشار العسكري واسع جدا والأمور تقترب من "أزمة مؤسسية". ويذهب راي كلوز بعيدا، وقد كان مسؤولا عن مكتب وكالة الاستخبارات المركزية في السعودية، بقوله: "إن الاستراتيجية الأمريكية الشاملة في العراق والمبنية على افتراضات وتوصيات من عصبة المحافظين الجدد في واشنطن، تقود في النهاية إلى كارثة كان المراقبون المطلعون يتوقعون حدوثها في نهاية المطاف". ومن بين الإشارات الدالة على الخلافات المؤسسية، توالي مسئولي وكالة الاستخبارات المركزية في بغداد، حيث تعاقب خلال عام واحد ثلاثة مدراء، وقد تم استبدال الثاني لأنه نقل بموضوعية صورة عن تصميم مجموعات المقاومة العراقية!.
أما وزارة الخارجية التي تهمش دورها بعد الانقلاب المؤسسي لصالح البنتاغون إثر 11 أيلول/سبتمبر 2001 ، فالمعروف أن العاملين فيها يتنازعهم الإحباط والذهول والغضب. كما أن التكلفة البشرية والمالية للاحتلال تثير عددا من الإشكاليات تغذي مناخ الشك والقلق، فحسب لانطوني كوردسمان من "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" فإن "التحالف": "اختار عمدا وبشكل ملفت تبخيس الكلفة البشرية الفعلية للمعارك"، من خلال التهوين الإعلامي من خسائر "الحلفاء" و"التعتيم المنهجي على الخسائر العراقية".
وفي المحصلة، فإن المستنقع العراقي دفع نحو "تفتيت" الهيمنة الإيديولوجية التي كانت الإدارة تمارسها، وتستغلها في اعتمادها على "الحماسة القتالية للأمريكيين"، وهذا بغرض تنفيذ سياستها في تغيير التوجه الاستراتيجي وتأمين الفوز في انتخابات العام 2004. كما كان البيت الأبيض يراهن على الخوف الناتج من 11 سبتمبر 2001 والغضب الذي ولده هذا الخوف من أجل تعبئة المواطنين خلف دولة الأمن القومي وتأمين تماسك النخب وتخفيف التناقضات داخل اللعبة الديموقراطية الأمريكية.
وقد أدت صناعة الهلع والخوف التي تم تطعيمها بشبح التلويح بخطر "الإرهاب النووي" إلى فتح الطريق أمام تمركز استثنائي للسلطة التنفيذية وتهميش السلطات المضادة وبروز "طيش" الإجراءات الرسمية، وخرق الحريات المدنية، ليتحول الخوف إلى حالة من الغضب القومي تغذيها الحكومة وموجهة في الداخل كما في الخارج ضد كل من يجرؤ على معارضة الدولة، حتى بدا أن الإدارة الأمريكية نجحت في صياغة وفاق وطني مدعومة من الرأي العام الواقع تحت صدمة الاعتداءات، ولكن هذا الوفاق يتكسر اليوم في المدن العراقية والجبال الأفغانية.
وقبل عام كان التحالف الجمهوري المتجذر في الجنوب وولايات الغرب يتعزز، ولم يكن واردا في ذهن أحد إمكانية أن يخسر جورج بوش الانتخابات الرئاسية في العام 2004، غير أن الوضع تغير اليوم مع انطلاق قاعدة الحزب الجمهوري في التعبير عن غضبها بعد أن حرمت عام 2000 من "الانتصار" الرئاسي بسبب ممارسات مؤسسية قديمة تتمثل في الانتخاب غير المباشر.
ويبقى مستقبل المشروع الإمبراطوري لإدارة بوش معلقا بنتائج انتخابات العام 2004، وفي حال فوز الديموقراطيين يمكن أن نشهد محاولة لتهيئة الأجواء والظروف لاحتواء انتشار الأزمة.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر