أوهام الهيمنة والمأزق الأمريكي في العراق

2005-2-22 | عبدالله صالح أوهام الهيمنة والمأزق الأمريكي في العراق
لم تكن صور التعذيب التى مارسها جنود الاحتلال فى العراق مجرد فضيحة أخلاقية للولايات المتحدة ، وتعبيراً عن قيم وممارسات فاسدة استقرت في وجدان المجتمع الأمريكى وانطبعت على سلوكه، بل كانت تعبيراً فجاً عن الهيمنة الأمريكية التى تسعى للتحكم فى مصائر الحكومات والشعوب، وتطبيقاً عملياً للسياسة الجديدة للإدارة الأمريكية التى يسيطر عليها المحافظون الجدد، والتي تسعى لاستعراض القوة الأمريكية، في حربها ضد ما تسميه بالإرهاب والتي بدأتها بغزو أفغانستان، ثم كانت العراق هي المحطة التالية للولايات المتحدة، ومدخلها إلى الشرق الأوسط الكبير، الذي تسعى من خلاله الولايات المتحدة إلى تطويق "الإرهاب" من ناحية وإعادة تشكيل الأنظمة في المنطقة العربية، بالقضاء على الأنظمة السلطوية وإعادة بناء ديمقراطيات جديدة على الطراز الأوروبي.
        وقد انطلقت السياسة الأمريكية في المنطقة من عدة افتراضات خاطئة، أولها أن العرب لا يحترمون إلا الأقوياء، وأن الطريقة المثلى للتعامل معهم هي إجبارهم على الخضوع والإذعان وثاني هذه الافتراضات أن الغضب من الولايات المتحدة وكراهية الشعوب لها يمكن التغاضى عنه وإهماله، بالنظر إلى أن ميراث الغضب والكراهية يكمن فى الثقافة العربية والإسلامية التي تقوم على الحقد على القوة العظمى في العالم، وهو حقد الضعيف الفاشل من القوي الناجح. وثالث هذه الافتراضات، وهو افتراض قديم ما زال قائماً ، أن الرأي العام العربى ليس له شأن لأن الأنظمة العربية "السلطوية تتجاهله.
        ولكن أحلام الإدارة الأمريكية بإعادة تشكيل المنطقة، تحطمت على صخرة المقاومة العراقية العنيدة، التي كبدت القوات الأمريكية خسائر مادية وبشرية هائلة، بصورة بدت معها الولايات المتحدة وكأنها سقطت في مستنقع جديد، فيما وصفه البعض بأنه فيتنام جديدة، بالنظر إلى أوجه التشابه بين الحالتين، فقد اتخذت الولايات المتحدة قرار الحرب ضد هذين البلدين، على الرغم من أن أيا منهما لم يعلن الحرب على الولايات المتحدة، ولم يشكل تهديداً أمنياً مباشراً لها ولمصالحها الحيوية. وفى الحالتين كان الهدف الأمريكى أكبر وأبعد من هذين البلدين، إذ أراد الأمريكيون عبر خوضهم الحرب الفيتنامية تقليص النفوذ الشيوعي في جنوب شرق آسيا، وسعوا من خلال الحرب على العراق، وكما أشرنا، إلى إعادة بناء المنطقة على أسس جديدة أكثر ملائمة لمصالح الولايات المتحدة.
        لكن مقال جون جراي في جريدة الاندبندنت البريطانية (19/5/2004)أشار إلى أن ما يحدث في العراق أسوأ بكثير مما قامت به الولايات المتحدة في فيتنام، وأن تداعياته لن تقتصر على الولايات المتحدة، بل ستشمل العالم بأسره، بالنظر إلى الأهمية الاقتصادية والجيوستراتيجية للعراق فى منطقة الشرق الأوسط، وإمكاناتها النفطية التي تجعل منها لاعباً أساسياً فى سوق النفط العالمي. و"جون جراي" هو أستاذ الفكر الأوربي فى كلية لندن للاقتصاد ومؤلف الكتاب الشهير "الفجر الكاذب" الذي يقدم فيه رؤيته عن تنظيم القاعدة.          وعلى خلاف ما توقعته إدارة بوش من أن القضاء على صدام حسين ونظامه التسلطي، سيدفع العراقيين لأخذ الأمريكان بالأحضان، ويرحبون بإقامة نظام ديمقراطي موال للولايات المتحدة، بما يؤمن إمدادات النفط الولايات المتحدة والغرب. فقد أدى الاحتلال الأمريكي للعراق إلى فوضى عارمة في البلاد، وخروج الأمور عن السيطرة، كما أدى الفشل المستمر للقوات الأمريكية فى مواجهة المقاومة العراقية، إلى تصاعد هائل فى أسعار النفط الخام حيث تعدى سعر برميل الخام حاجز الأربعين دولاراً للمرة الأولى.
        ويكشف مقال جراي عن أن الحرب في العراق فقدت شرعيتها قبل أن تبدأ، وأنه إذا كانت القوات الأمريكية قد استطاعت في البداية تحقيق نجاح رمزي بالقضاء على نظام صدام حسين، فقد فتحت على نفسها أبواب الجحيم، حيث كان عليها أن تواجه حرباً غير نظامية من جانب المقاومة العراقية بمختلف فصائلها، وهي حرب لم تتأهل القوات الأمريكية لخوضها، ومن ثم جاءت الخسائر المتوالية لهذه القوات فى العتاد والبشر، مما فرض عليها تصعيداً فى استخدم القوة بشكل طال أعداداً كبيرة من المدنيين..أكثر من هذا، فقد تورطت القوات الأمريكية في قصف المدن الشيعية والعتبات المقدسة، مما أثار حمية المقاتلين الشيعة، وأدى لتصاعد المواجهة فى أكثر من مدينة شيعية، وسقوط العديد من القتلى الأمريكيين، على نحو أثار الرأي العام الأمريكي، ودفعه للتساؤل عن جدوى استمرار الحرب فى العراق.
        ثم جاءت فضيحة تعذيب الجنود الأمريكان للمسجونين في سجن أبو غريب لتزيد من ورطة الولايات المتحدة في العراق، ولم تكن تلك الممارسات كما يزعم البعض مستمدة من أخلاق الجنود الأمريكان وميراثهم الدموي الذي أباح لهم القيام بهذه الفظائع أخلاقية، ولكن أعمال التعذيب هذه كما يراها جون جراي، هي تعبير عملي عن رؤية الإدارة الأمريكية للقوة الأمريكية وكيفية ممارستها في مواجهة ما يهددها من أخطار، في فترة ما بعد أحداث سبتمبر، حيث اعتبرت الولايات المتحدة نفسها في حالة حرب، في مواجهة قوى "إرهابية" مناهضة للحضارة الغربية.
        وفي هذا السياق، كانت القوات الأمريكية تتعامل مع العراقيين على أنهم مواطنين من الدرجة الثانية، أو أنهم أقل من البشر، ورغم ذلك فإن ماقامت به هذه القوات من فظائع وانتهاكات جسيمة لحقوق الانسان فى سجن أبو غريب، كانت مرصودة من جانب المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، وعلى رأسها منظمة العفو الدولية والصليب الأحمر، ولكن هناك اعتبارت سياسية تمنع نشر تقاريرها، حيث أن نشر هذه التقارير سيدفع إلى حرمانها من جانب الدول المعنية من الدخول لرصد أحوال المعتقلات والسجون، وانتهاكات حقوق الإنسان داخلها، هذا فضلاً عن القيود المفروضة من جانب المواثيق الدولية، والتي تحظر نشر هذه التقارير ورغم ذلك يجري بين الحين والآخر تسريب بعض منها.
        لقد أصبحت عمليات التعذيب تتم بصورة روتينية فى العراق منذ العام الماضي، كما في الشيشان، وكما حدث قبل ذلك فى الجزائر إبان حربها ضد الاحتلال الفرنسي، والتي كان خلالها أي شخص معرض للسقوط كضحية للتعذيب، ولكن التعذيب فى العراق على يد القوات الأمريكية كان له طابع مختلف عما قامت به روسيا فى الشيشان أو فرنسا فى الجزائر، فالولايات المتحدة ركزت فى عمليات تعذيب المسجونين في سجن أبو غريب على الإيلام النفسي للضحايا وجرح كرامتهم، أكثر من التعذيب البدني، حيث أجبر المسجونين على التعري وارتداء ملابس النساء وممارسة الفجور أمام بعضهم البعض، ورغم أن هذه الممارسات تمت بتواطوء من جانب القيادات الأمريكية وبأوامر منها كما كشفت شهادات الجنود، فإن هذا ينفي المسئولية الأخلاقية والقانونية المشتركة لهؤلاء جميعاً عن هذه الانتهاكات التى تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الانسانى الدولي. ولهذا فقد عملت الولايات المتحدة عل تأمين نفسها مبكراً وحماية جنودها ومسئوليها من التعرض للملاحقة الجنائية عما ارتكبوه من جرائم حرب، فلم تنضم للاتفاقية المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية، كما قامت بالتعاقد مع بعض الشركات الخاصة وجنود المرتزقة للقيام بالمسئوليات الأمنية في سجن أبوغريب ومعسكرات الإعتقال في أفغانستان وجوانتانامو، لأن هؤلاء غير خاضعين للقوانين العسكرين، ولا يمكن بالتالي محاكمتهم بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
        وخلال مشاهدتهم لشريط فيديو يتضمن ممارسات التعذيب الوحشية التى يقوم بها الجنود الأمريكان فى العراق ، وصف عدد من رجال الكونجرس هذه التصرفات بأنها "غير أمريكية".وهذه مغالطة كبرى ، فالولايات المتحدة لها باع طويل فى هذا المجال ، حتى داخل السجون الأمريكية ذاتها.ويكفى أن نشير الى كتاب صدر أخيراً فى أمريكا بعنوان "بوابات المظالم" ويكشف الكتاب الأزمة التى تعانيها السجون الأمريكية ، وخاصة سجون النساء ، ويشير الى سوء المعاملة الذى تتعرض له 180 ألف سجينة فى أنحاء أمريكا ، والمتمثلة أساساً فى عمليات التحرش والاعتداء الجنسى والاغتصاب.ويسرد الكتاب حالات انتهاك مروعة لحقوق المساجين فى كافة الولايات الأمريكية.
        وهناك تجربة ستانفورد التى أجريت عام 1971 في الولايات المتحدة على عدد من الطلبة المتطوعين لمدة خمسة عشر يوماً، وتم الاتفاق على منحهم مكافأة مالية، على أن يقوم بعضهم بدور المساجين والبعض الآخر بدور السجانين، وطلب من الأخيرين القيام بعمليات تعذيب قاسية لزملائهم المسجونين، وكانت التجربة تستهدف قياس مدى قدرة الطلبة على تقمص الأدوار، وحلال ثلاثة أيام من بدء التجربة، لوحظ أن الطلبة الذين قاموا بدور السجانين قد أفرطوا فى استخدام وسائل العنف والتعذيب وخاصة الوسائل التى تسبب إيلاماً نفسياً للضحايا وامتهاناً لكرامتهم، حتى إن معظم المتطوعين ممن يقومون بدور المساجين أعربوا عن رغبتهم في عدم استكمال التجربة، إلا أن طلبهم قوبل بالرفض. ورغم الطابع الأكاديمي لهذه التجربة، فإنها تكشف تجذر القيم والممارسات العنيفة والوحشية في المجتمع الأمريكي منذ عدة عقود.
        ولا شك أن نشر صور فضائح التعذيب التي مارسها المحتلون الأمريكان قد وضع الإدارة الأمريكية فى مأزق، أصبحت معه غير قادرة على تزييف حقيقة صورتها ، أمام العالم بصفة عامة، وأمام العراق والعالم العربي والإسلامي بصفة خاصة، بعدما ارتكبته من انتهاكات أخلاقية مشينة في حق العراقيين، ولاشك أن هذه الانتهاكات ستترك أثراً سلبياً مدمراً على الحالة النفسية للعراقيين، وأثراً سلبياً أكبر على إمكانات قبولهم للاحتلال العراقى بعدما تكشف وجهه البغيض، فضلاً عن التأثيرات الأخرى للفضيحة الأمريكية على الشعوب العربية والمسلمة، والتى شكلت لها هذه الانتهاكات جرحاً غائراً لن يندمل سريعاً.
        إن الولايات المتحدة لن تتحمل حربا ممتدة في العراق، ولكن تكلفة الخروج السريع ستكون عالية. وهذا ما يبدو أنه على وشك الحدوث عقب إعلان حالات التعذيب، فالاستمرار في هذه السياسة لم يعد ممكناً، ليس فقط بسبب الرأي العام الأمريكي الذي كان له رد فعل قوى ضد مشاهد التعذيب في العراق، كما هو الحال في بريطانيا ودول أوربية أخرى، فالعراق وشعبه أصبح ينظر اليهم الآن بمزيج من الحيرة والكراهية، وبمزاج من اليأس بشأن الحرب الدائرة. وفي الولايات المتحدة، هناك ضغوط على بوش لكي ينسحب ويعلن أن مهمته فى العراق قد انتهت. واذا اختار الانسحاب المفاجىء، فإنه سوف يعاني من هزيمة كاملة فى العراق.
        ويرى جراي أن بريطانيا رغم تورطها فى الحرب العرقية مع الولايات المتحدة، فإنها بريئة من أعمال التعذيب التى جرت في العراق، لأنها لا تشارك الأمريكيين في نظرتهم الاستعلائية تجاه العراقيين، ولا يؤمنون الحرب الدائرة هناك بمثابة صراع حضاري أو حرب صليبية وفقاً لرؤية المحفظين الجدد، وأن رئيس الوزرء البريطاني توني بلير وافق على المشاركة فى الحرب العراقية من أجل أن يكون فى صف الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى المهيمنة الآن على النظام الدولي. ولكن تبرير جون جراي الواهي لتبرئة ا لجنود البريطانيين ، لا يعفيهم من المسئولية الأخلاقية والقانونية عما ارتكبوه من جرائم تعذيب.. وأما عن تداعيات الحرب في العراق على القوة الأمريكية فلا يمكن التنبؤ به الآن، وربما أحد التداعيات الواضحة بما فيه الكفاية، هي أن العالم يشهد نهاية الليبرالية الاستعمارية، ولا عزاء للشعب العراقى.
        ولاشك أن المستفيد الرئيسي من عمليات التعذيب في العراق على المستوى الإقليمي هي إيران التي تستطيع توظيفها بما يخدم مصالحها، اعتماداً على القوى الموالية لها فى العراق، سواء في جانب المقاومة أو داخل مجلس الحكم الانتقالي. أما على المستوى الكلي، فإن المستفيد الأكبر هو تنظيم القاعدة الذي أصبح الآن يشكل تهديداً أكثر خطورة، وسوف يفسر الممارسات الأمريكية ضد العراقيين باعتبارها هجمة صليبية وحشية على الديار المسلمة وحرمات المسلمين، يصبح معها "الجهاد" ضد الأمريكان وأعوانهم فريضة، والقصاص واجب مقدس.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر