أزمة إدارة التوازنات!

2005-2-22 | خالد حسن أزمة إدارة  التوازنات!
من الواضح أن الولايات المتحدة قد دخلت مرحلة جديدة في حملتها على العراق اضطربت فيها صلاتها بالشيعة، بينما تحاول "استدراك" علاقتها بالسنة. ويبدو أن لهذا "التحول" أثرا دوليا أيضا، فهو من جهة يؤثر على الطموحات الإيرانية، ومن جهة أخرى يمنح بعض القوة للموقع الضعيف للسعودية بتجفيف مصادر تهديد إضافية في الأجزاء الاستراتيجية في شرق المملكة والتي يمكن أن تهدد تدفق النفط. وفي حين يرى بعض المحللين أن واشنطن –بهذا التحول- تصنع وضعا حيويا ونشطا، فإن إدارة هذا الوضع أعقد وأصعب مما قد يتصور. .
ولعل أبرز ملامح المرحلة الجديدة (التي تحاول مخابر التحليل الأمريكية تسويقها) في نظر المراقبين هي "التسوية" التي توصلت إليها بالتفاوض في الفلوجة في أبريل الماضي وتشكيل الحكومة العراقية المؤقتة.
وبعدما اتسمت العلاقة بين أمريكا والسيستاني بالشد والجذب، برزت إستراتيجية جديدة، تحاول أمريكا من خلالها الحفاظ على العلاقات المتوازنة مع كل من السنة والشيعة، مع الميل –في الفترة الأخيرة- قليلا نحو السنيين!. وبعدما أن كان من الممكن أن يشكل السيستاني، حسب الدوائر الأمنية الأمريكية، محور السياسة الأمريكية في العراق، تحول إلى منافس للخيارات الأمريكية.
وليس صدفة أن يتزامن هذا مع "تحطيم" السي آي إيه لعميلها البارز أحمد شلبي، وكذا عدم منح أي وظائف هامة لمؤيدي السيستاني في الحكومة العراقية الجديدة.
ولأن الولايات المتحدة اعترفت في السابق أنها لن تكون قادرة أن تهزم المقاومة السنية في حرب العصابات بدون الاعتماد على تثبيت الوضع في الجنوب، وأنه ليس لديها القوة الكافية المتاحة في أي من مناطق التوتر في العراق لقمع انتفاضتي الشيعة والسنة، كما أنها فقدت الثقة في الزعامات الشيعة (أو هكذا يبدو)، فإنها اضطرت –تحت ضغط المقاومة العنيفة- أن تتحرك باتجاه إنهاء ما أسمته بـ"مكافحة التمرد".
وتتطلب هذه العملية السياسية –من الأمريكان- نوعا من الاعتراف بعناصر حزب البعث وجهاز الاستخبارات السابق (وحتى المقاتلين التابعين له) كقوة سياسية هامة في العراق, وذلك لاستخدام تلك العلاقة كعامل ضغط للتحكم في الشيعة، وبحسب التحليلات الأمريكية، فإن ذلك ما حدث في الفلوجة وهو ما يحدث –بعناية- في الحكومة المؤقتة الحالية، ومن المتوقع أن تستغرق هذه الخطة الصيف كله.
ويبدو أن الولايات المتحدة قد أعادت رسم سياستها في العراق لكسب السيطرة على الوضع العراقي. إذ، وبدلا من السماح للشيعة أن يكونوا الطرف الأبرز أو اللاعب الأقوى والمحوري في اللعبة ذات الأطراف الثلاثة، حاولت فرض نفسها باعتبارها الطرف الأقوى في اللعبة. وفجأة، وفي الوقت الذي اكتظت فيه ساحة المعارك بالأطراف المقاتلة، انسابت السياسة بشكل غير عادي وتدفقت على طول الشأن العراقي وعرضه، وكادت أن تغطي على دخان المعارك.
ومن الواضح أن يترتب عن إعادة رسم الدور الأمريكي في العراق، نتائج دولية هامة. فبعد أن وصلت العلاقة الأمريكية مع إيران إلى ذروتها أثناء زلزال بام في ديسمبر 2003، حيث عرضت الولايات المتحدة المعونة، ووافق الإيرانيون، حاولت إيران – من خلال رؤية الوضع في العراق والعلاقة الأمريكية بالشيعة، وإدراكها أن الولايات المتحدة في حاجة للمساعدة الإيرانية ضد القاعدة- أن ترسم علاقتها بالأمريكيين وفقا لمفرداتها. بينما وضعت الولايات المتحدة علاقتها بإيران من يناير حتى مارس تحت الاختبار، قبلت بأهميتها، لكنها قلقة بشكل متزايد من حساباتها.
في أبريل, كان لدى واشنطن اعتبار مهم آخر: الوضع المضطرب في السعودية، حيث إن السبب الرئيس لهذا التدهور هو الولايات المتحدة نفسها. وقد أجبرت النظام السعودي على اتخاذ إجراءات صارمة ضد عناصر القاعدة والتيار الجهادي عموما في المملكة, وجاء الرد عنيفا من المسلحين السعوديين. وأظهرت الولايات المتحدة قلقها المتزايد بأمن شحنات النفط من السعودية أكثر من قلقها بما تتعرض له الصناعة البترولية في العراق من تهديد.
. وإذا تعطل تدفق النفط السعودي، فإن الاقتصاد العالمي سيشهد اضطرابا واختلالا، لهذا ازداد الضغط الأمريكي على السعودية، وفقا للمعادلة التالية: الاستجابة للضغوط والتورط في متاهات "الحرب الأهلية" كضريبة للموافقة على الضغوط، أو مواجهة خيار آخر: سقوط البيت السعودي، وما لم يكن مقبولا هو أخذ النفط السعودي خارج السوق. وبالتأكيد، ليس واردا أن يتوقف السعوديون عن شحن النفط اختياريا، ولم يكن ذلك أبدا هاجس واشنطن، لكن للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، أصبح تعطيل إمدادات النفط السعودي بسبب نزاع داخلي أو قوة خارجية واردا.
وبالنسبة للإيرانيين، فإن لديهم عددا من المصالح القائمة على الاعتماد المتبادل، أولا، يريدون عراقا مؤيدا لإيران أو على الأقل حياديا لضمان أمن حدودها من جانب العراق، لهذا، يتحركون في اتجاه سيطرة الشيعة على الحكم العراقي. ثانيا، يهتمون بضبط توازن القوى في العالم الإسلامي بين السنة والشيعة، وتحديدا بينهم وبين السعودية. وأخيرا، يتطلعون -على المدى البعيد- لأن يصبحوا القوة المهيمنة في منطقة الخليج. وقد شكلت علاقتهم بالولايات المتحدة في العراق الأساس لكل هذا.
ويواجه الحكم السعودي، الذي يتعرض بالفعل للضغط الأمريكي -والآن يجد نفسه محاصرا بين واشنطن والتيار الجهادي- تحديا آخر. ذلك أنه إذا استمرت السياسة الأمريكية في العراق في المسار نفسه فإن قوة إيران والشيعة ستندفع على امتداد المنطقة. علما أن السعوديين واجهوا تحديا من الشيعة بعد ثورة الخميني مباشرة في إيران، ورغم عنفوان ما واجهوه، إلا أنهم كانوا يعتمدون على المساندة الكاملة للولايات المتحدة. بينما هم الآن في وضع أكثر تعقيد، يحتمل فيه أن تلتزم الولايات المتحدة الحياد في أحسن الأحوال. وإذا استولى الشيعة على الحكم في العراق، وارتفعت أسهم إيران في المنطقة، فإن وضع الشيعة في السعودية قد يتعزز بما يشكل تهديدا على الحكام في الرياض.
ومن وجهة صناع القرار السعوديون، فإنهم قد يتمكنون من "احتواء" التيار الجهادي المسلح أو على الأقل امتصاص ضرباته –بشكل أو بآخر-، لكن مواجهة مجموعات العنف المسلح والشيعة في نفس الوقت ستكون شبه مستحيلة. والوفاق بين الأمريكي الإيراني والعراقي الشيعي خلال المرحلة السابقة، أقلق السعودية وأثار مخاوفها وهواجسها. وفي حين شهدت العلاقات الإيرانية الأمريكية توترا بشكل متزايد أثناء الشتاء الماضي، عزز السعوديون تعاونهم مع الولايات المتحدة، وأوضحوا للأمريكان أنهم كانوا مهددين بفقدان توازنهم خاصة مع تزايد الضغوط عليهم.
لذلك تميز "التحول" في السياسة الأمريكية بمستويين: الأول، كان داخليا في العراق. وارتبط الثاني بالمخاوف المتزايدة بشأن ضمان أمن شحنات النفط من السعودية في حال تنامي الحضور والدور الشيعي في المنطقة. وفي المحصلة، فإن واشنطن لا تهتم كثيرا باستمرار أو سقوط الحكم السعودي إلا بالدرجة التي تتأثر فيها إمدادات النفط!

تم غلق التعليقات على هذا الخبر