آخر الأخبار

مراكز دراسات الشرق الأوسط تحت المجهر(1)

2005-2-22 | أميمة عبداللطيف مراكز دراسات الشرق الأوسط تحت المجهر(1)
صاحب نشأة الحركة الاسلامية في الفترة من بعد الحرب العالمية الثانية حتي نهاية عصر الشاه في عام 1979 نوعا من الجهل الأكاديمي التام في الغرب بماهية هذه الحركات وأهدافها وتوجهاتها، غير أنه خلال الحقبتين الماضيتين استبدلت هذه العتمة بـ "ثروة" من النظريات والكتابات والأبحاث الأكاديمية حول ما اصطلح علي تسميته بالإسلام السياسي وبدأ المنظرون تقسيم الجماعات الإسلامية أو الكتاب الإسلاميين ما بين حداثيين وإصلاحيين وأصوليين وراديكاليين ومعتدلين ورجعيين وتقدميين. غير أن هذه المعرفة التي تراكمت منذ العام 1981 وحتي 2001 لم تفلح في تغيير ثوابت السياسة الأمريكية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، فمعادلة المصلحة القومية الأمريكية استندت إلى ثلاثة أركان: توفير الأمن للكيان الإسرائيلي، ضمان استمرار تدفق النفط بسعر معقول ومنع الاتحاد السوفيتي من أن تطأ قدمه المنطقة. هذه الثروة من الكتابات والأبحاث تعرضت للنقد الشديد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر علي يد مجموعة ممن ينتمون إلي ما اصطلح علي تسميته بجماعة المحافظين الجدد، والذين دشنوا ماهو أشبه بالحملة الإعلامية المكثفة التي هدفت بالأساس إلى التشكيك بمصداقية ونزاهة الغالبية من الأكاديميين الأمريكيين الذين تبنوا موقفا غير منحاز فيما يتعلق بدراسات الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما في موضوعين أساسيين: الحرب الأمريكية ضد "الإرهاب" والحرب ضد العراق والموقف الأمريكي من الصراع في فلسطين. أحد أشد أنصار إسرائيل وهو مارتن كرامر مدير تحرير دورية الشرق الاوسط كوارترلي الربع سنوية والرئيس السابق لمركز موشي ديان لدراسات الشرق الأوسط وإلافريقية بجامعة تل أبيب كتب منتقدا بشكل شديد دراسات الشرق الأوسط في أمريكا والغرب عموما, وسمي كرامر أكاديميين بعينهم علي اعتبار أنهم كانوا سببا في تضليل الرأي العام الأمريكي والغربي بشأن التقليل مما أسماه "التهديد الإسلامي الذي يتعرض له الغرب" وقد ضمن كرامر أطروحته تلك في كتاب صدر العام الماضي بعنوان (الأبراج العاجية فوق الرمال: فشل الدراسات الشرق أوسطية في أمريكا) وقد اعتبر الكثيرون أن الكتاب بمثابة تصفية حسابات شخصية بين كرامر المتحيز دوما لإسرائيل وبين أكاديميين رفضوا المساهمة في التكريس لفكرة الخطر الإسلامي مثل جون أسبوزيتو وإيفون حداد. كرامر يقول إن تلك الدراسات قد استبعدت "الإرهاب" كخيار إسلامي، وباعتراف بعض الأكاديميين فإنهم أضاعوا فرصة التعرف علي الاتجاهات التي أدت إلي حدوث 11 سبتمبر. وكرامر يسخر من وجهة النظر القائلة بأن التأييد الأمريكي لإسرائيل هو الذي قاد إلي تلك الكارثة فيقول كرامر إن "الأكاديميين الأمريكيين مهووسون بفلسطين ولا يرون سواها شيئا"!!
هذه الحملة الإعلامية المستعرة التي استمرت لما يزيد عن العامين يبدو أنها أتت أكلها، حيث قامت المجموعة، التي تضم كرامر ودانيال بايبس الذي يشرف علي موقع كامبس ووتش (مراقبة الحرم الجامعي) ورئيس منظمة منتدى الشرق الأوسط وهو صهيوني كاره لكل ماهو عربي وإسلامي، بالدفع في اتجاه توسيع الدور الرقابي للكونجرس علي المعونات الفيدرالية لأقسام دراسات الشرق الأوسط والمناطق الأخرى والتي تبلغ 95 مليون دولار. وقد استمع الكونجرس مؤخرا لمجموعة شهادات من قبل عدد من الأكاديميين والشخصيات العامة الذين اعتبروا بأن مراكز دراسات الشرق الأوسط تهدف في النهاية إلي تعريض الأمن القومي الأمريكي للخطر وتهدد سياسة أمريكا الخارجية، وطالبوا بوقف المعونات الفيدرالية التي تقدم لتلك المراكز. ويدرس الكونجرس الآن مشروع قانون الدراسات الدولية في التعليم العالي وهو بمثابة مشروع يهدف لإعادة النظر في نظام الدعم الفيدرالي لبرامج دراسات المناطق وعلي وجه التحديد برامج دراسات الشرق الأوسط.
وقد انتقد الكثيرون التشريع لأنه ينص في أحد مواده علي إنشاء هيئة استشارية من شأنها أن تقرر ما إذا كان الدعم يجب أن يذهب لدراسات الشرق الأوسط وأن تتأكد من أن البرامج الأكاديمية تعكس مختلف الأراء. ويخشي العديد من الأكاديميين المختصين بشئون الشرق الأوسط أن يكون معظم أعضاء هذه اللجنة البالغ عددهم سبعة، مناصرين لإسرائيل ومنتمين لحركة المحافظين الجدد. وفي حديث لي مع جون إسبوزيتو مدير مركز التفاهم المسيحي الإسلامي بجامعة جورج تاون قال بأن المشكلة الحقيقية تكمن في أن لا أحد يسأل عن خلفية الأفراد الذين يطالبون بقطع المعونة الفيدرالية عن مراكز دراسات الشرق الأوسط. ويتساءل إسبوزيتو ماذا عن كرامر نفسه الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية وقضي معظم عمره المهني في مركز موشي ديان بجامعة تل أبيب، ولكن إذا نظرت إلي السجل المهني لأولئك الأفراد مثل بايبس وكرامر ستجد أن أحدا منهم لا يملك الجرأة علي توجيه انتقاد لممارسات حكومة شارون علي سبيل المثال, ويعتبر إسبوزيتو أن هؤلاء لا يدافعون عن المصالح العليا الأمريكية بقدر دفاعهم عن مصلحة إسرائيل، وأن هؤلاء أصبحوا أيدلوجيين ولا يجب النظر إليهم علي أنهم أكاديميين يتمتعون بالنزاهة العلمية وإنما تحولوا إلي قوة داعمة لعصبة المحافظين الجدد بالأساس.   
وربما تجلى الوجه الإيجابي لهذه الهجمة علي مراكز دراسات الشرق الأوسط في الإقبال اللافت لدراسة تاريخ وأداب ولغات العرب في الأسابيع التي أعقبت هجمات سبتمبر، وبدأ بموافقة الكونجرس علي تقديم مبالغ إضافية بلغت ما يعادل العشرين مليون دولار لأقسام دراسات المناطق وأقسام اللغات، وخصصت معظم الأموال لأقسام دراسات الشرق الأوسط وآسيا التي بلغت سبعة عشر مركزا في الجامعات الأمريكية بعد أن كانت لا تتعدى الأربعة عشر مركزا في عام 2001. كما أن المنح المخصصة لطلبة أقسام دراسات الشرق الأوسط زادت بنسبة 250 في المائة، وهذه الأرقام منسوبة لأحد مستشاري منظمة التحالف من أجل التعليم الدولي، وتتنافس الجامعات الأمريكية على تعيين الأكاديميين المتخصصين في دراسات الشرق الأوسط. بل إن المديرة التنفيذية لمنظمة دراسات الشرق الأوسط والتي تحاضر في الأدب العربي في جامعة أريزونا ذكرت في حديث لصحيفة "واشنطن بوست" هذا الأسبوع أن عدد الطلاب الذين التحقوا بالفصل الدراسي قد تضاعف بعد أحداث سبتبمر.   

تم غلق التعليقات على هذا الخبر