مراكز الفكر الأمريكي (3) راند: نموذج للتفاعل مع المؤسسة العسكرية

2005-2-22 | أميمة عبداللطيف مراكز الفكر الأمريكي (3) راند: نموذج للتفاعل مع المؤسسة العسكرية
تعد راند من مراكز الفكر القليلة التي تتعامل مع القضايا ذات الطبيعة العسكرية والمخابراتية غالبا ما تستعين بها المؤسسة العسكرية الأمريكية لمساعدة الجيش في كيفية مواجهة التحدي الذي تمثله قضايا مثل "الإرهاب" والأمن القومي. ويعترف نائب المدير التنفيذي لراند "مايكل ريتش" بأن خبرة راند في دراسة قضايا "الإرهاب" والتي تصل إلى قرابة 30 عاما، يتم الاستعانة بها من قبل صانعي القرارات وذلك من أجل تطوير منهج شامل لمواجهة الهجمات "الإرهابية". وهذا التصريح يعني، فيما يعنيه، أن بعضا من مؤسسات الفكر قد تخطت دورها من مجرد مراكز تزود صانع القرار بالمعلومات والتحليل المنهجي إلى لاعب فاعل في عملية صنع القرار ذاته، بل وربما قد يصل الأمر لأن تكون اللاعب الأكثر تأثيرا بما لديها من النفوذ الذي يتعزز مع المعرفة والخبرة.
والعلاقة بين مراكز الفكر ووزارة الدفاع الأمريكية ليست بالأمر الجديد، إذ لطالما اعتمدت وزارة الدفاع بشقيها المدني والعسكري العمل بالتنسيق مع مراكز الفكر فيما يتعلق بعدد من الموضوعات الهامة من التكنولوجيات العسكرية الحديثة للتخطيط العسكري والعمليات العسكرية، وكيف يمكن حماية المصالح الأمريكية من الأخطار المتلاحقة. ولقد تأسست راند في العام 1948 بتمويل خاص وكمؤسسة لا تهدف للربح، والآن تقريبا نصف أبحاث راند تركز على موضوعات الأمن القومي، بينما بقية الأبحاث تركز علي موضوعات السياسة المحلية. وتتجلى العلاقة المتداخلة بين راند ووزارة الدفاع من خلال إشراف راند علي إدارة ثلاثة مراكز أبحاث تقوم بتمويلها وزارة الدفاع، وتهدف إلى القيام بموضوعات بحثية حسب احتياجات الوزارة، كما أن راند اشتركت مع القوات الجوية بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة في العديد من برامج الأبحاث حول التسليح الجوي، وقامت بعض برامج الأبحاث تلك بتحليل الإستراتيجية الروسية ونظم الفكر والجهاز العسكري. بل إن القوا ت الجوية كلفت راند القيام بإجراء أبحاث حول الاقتصاد السوفيتي والبرامج العلمية والتكنولوجية، وقد أنجزت راند عملا متميزا آنذاك، مما دفع بوازرة الدفاع والقوات الجوية لأن تتطلب منها القيام بأبحاث حول الصين وأوروبا الشرقية واليابان وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأوروبا الغربية.
وقد زودت أبحاث راند ليس فقط المؤسسة العسكرية، بل معظم أجهزة الحكومة الأمريكية بثروة من الأبحاث المستقلة. وأصبحت لراند عملاء في كل الحكومة الفيدرالية الذين يلجئون إليها للحصول علي معلومات وتحليلات حول مختلف الموضوعات. وكل من مراكز الأبحاث التي تديرها راند لوزارة الدفاع، مثل FFRDC وهو برنامج القوات الجوية ومركز أرويو الدفاعي    Army Arroyo Centreومعهد أبحاث الدفاع الوطني National Defense Research   Institute (NDRI)، مراكز تخدم بالأساس وزارة الدفاع وهيئة الأركان والوكالات الدفاعية الأخرى، وتعني بمحاولة البحث في تبني إستراتيجيات جديدة ومراجعة العقيدة الدفاعية وتطبيق تكنولوجيات جديدة وغيرها من الموضوعات التي تعني بالدعم اللوجيستي والتدريب والقوي العاملة. وتقوم راند بالاتفاق مع المؤسسة العسكرية بتحديد جدول أعمال الأبحاث وهي نتاج نقاشات مطولة بين الباحثين براند والقيادات العسكرية والمدنية وذلك من أجل تقديم البرنامج البحثي السنوي. وبمجرد أن يتم الاتفاق علي الموضوعات التي سيتم تناولها، تقوم راند بتجميع الباحثين الذين سيوكل إليهم بالعمل ويكونون عادة تحت إشراف أحد كبار الباحثين براند.
وتقود راند حاليا بإجراء أبحاث مفصلة عن الموضوعات الأمنية في مناطق بعينها، مثل الشرق الأوسط وجنوب شرق أسيا والخليج العربي. ليس هذا فحسب، بل إن إحدى الدراسات التي قام بها "مايكل ريتش" عن راند تكشف عن أن راند تقوم الآن بعمل أبحاث لصالح حكومات عديدة لم تسمها الدراسة بالاسم. ولراند وجود مكثف في أوربا من خلال ثلاث مكاتب وبرامج بحثية في كل من مجالات الدفاع والسياسة الخارجية. وتكشف الدراسة أيضا عن أن موضوع توسيع حلف الناتو، كان موضوع بحث مكثف قامت راند بدراسته بتأني قبل أن يتم الشروع في القيام به. ومع تدشين الرئيس بوش لحربه على "الإرهاب"، تطلب الأمر بطبيعة الحال اللجوء لمراكز البحث لمحاولة فهم ما يحدث، ورصد مواطن الضعف في الولايات المتحدة، ويقول ريتش بأن راند تلعب دورا أساسيا في تحسين السياسات الحكومية وعملية اتخاذ القرار في هذا الناحية. وبعد 11 سبتمبر قامت مراكز البحث التي تشرف عليها راند بتعديل جدول أعمالها البحثي.
خلاصة الأمر إذن أنه يجب النظر بكثير من الحذر للدراسات التي تقدمها مراكز البحث تلك، فالشراكة الوثيقة بين مراكز البحث وبين الحكومة الفيدرالية قد جرد هذه المراكز من ادعاءاتها بالحياد واللاحزبية. وقد وضعت بعض من هذه المراكز مقدراتها البحثية في خدمة الحكومة الفيدرالية وأجندتها السياسية، لذلك لا يكون مستبعدا أن الكثير من الأبحاث التي تقدمها قد لا تخرج عن كونها بالونات اختبار أو محاولة لفرض رؤية ما عن الواقع، وتخدم بالأساس جدول أعمال السياسة الأمريكية.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر