مراكز الفكر الأمريكي (2): سماسرة الأفكار

2005-2-22 | أميمة عبداللطيف مراكز الفكر الأمريكي (2): سماسرة الأفكار
معهد بروكينجز: دراسة حالة
في دراسة مهمة قام بها "ستروب تالبوت" مدير معهد بروكينجز أشار فيها إلى الطريقة التي تعمل بها مراكز الفكر في الولايات المتحدة وقدم مثالا على ذلك معهد بروكينجز. في أول الدراسة يحدد تالبوت هدف المعهد وغيره من مراكز الفكر الأخرى بأنها "تزود مجتمع السياسيين بالتحليل والنتائج التي يمكن أن تستخدم كنواة لتطوير سياسات جديدة أو تعديلها أو مراجعة للسياسات القائمة". إن أحد أهم التحديات التي تواجه مراكز البحث هو تحديد بدقة، وفي مرحلة مبكرة من مراحل العمل، "الموضوعات الهامة التي سوف تواجهها أمتنا والعالم في المستقبل وأن نعمل على تسليط الضوء عليها أمام صانعي السياسات والرأي العام".
إن المواد الخام التي تعتمد عليها مراكز الفكر هي الأفكار. وهذه المراكز التي يمكن أن نطلق عليها مؤسسات بحثية تعني بالسياسيات العامة هي تقوم بتقييم واختبار مدى صحة الأفكار التي تشكل أساس السياسات، كما أنها تقوم بالعمل على تطوير أفكار يمكن علي أساسها صياغة سياسات مستقبلية. مراكز الفكر إذن يصدق عليها وصف "جيمس آلن سميث" الذي قدم العديد من المؤلفات عنها بأنها "سماسرة الأفكار".
يعد معهد بروكينجز أحد أهم وأقدم مراكز الفكر، تأسس في عام 1916 باسم معهد السياسات الحكومية من قبل عالم اللغويات "روبرت بروكينجز" الذي وجد أن الحكومة يمكن أن تستفيد من فكرة دمج الأبحاث الاقتصادية والإدارة. وكان بروكينجز يركز في البداية علي السياسات الاجتماعية والمحلية ولم يتم إضافة الموضوعات المتعلقة بالعلاقات الدولية إلا بعد الحرب العالمية الثانية.
المعهد مقسم إلى ثلاثة أقسام بحثية: دراسات السياسة الخارجية ثم الدراسات الاقتصادية والدراسات الحكومية، ولكن تالبوت يقول بأن الخطوط في واقع الأمر تكاد تكون متداخلة، لأن المعهد كثيرا ما يتناول موضوعات تشمل النواحي الثلاث في آن واحد. كما أن الهيكل التنظيمي للمعهد بضم العديد من المراكز البحثية، مقسمة جغرافيا أو حسب الموضوع، مثل مركز دراسات الشرق الأوسط ومركز السياسات التعليمية.
غير أنه على ما يبدو، فإن وظيفة المعهد قد تغيرت بشكل جذري عما كان يفكر به مؤسس المعهد روبرت بروكينجز الذي قال ذات مرة "إن أنشطة بروكينجز لابد وأن تركز على تقديم الأفكار بدون أي غطاء أيدلوجي"، لأن المتتبع لأبحاث المركز سيجد أن ثمة توجهات أيدلوجية تحكم الطريقة التي تقدم بها الأبحاث وحتى طبيعة الموضوعات التي يتم اختيارها والأفكار التي تقدم لصانعي السياسات والرأي العام. ولا تخلو رؤية تالبوت من هذا الأمر بطبيعة الحال، إذ يعتبر أنه على مر السنوات كانت "الأفكار التي تخرج من بروكينجز تلعب دورا هاما وأساسي في التعبئة من أجل الحرب العالمية الأولى والثانية وإنشاء عملية الميزانية للحكومة الفيدرالية ونظام الخدمات المدنية، كما أنه لعب دورا هاما في تطوير ما أصطلح علي تسميته بـ"خطة مارشال"، ليس هذا فحسب وإنما كان بروكينجز أيضا هو من أوحى بتبني سياسة العقوبات وذلك للتأثير على الدول (المارقة)، وكان وراء تأسيس مجلس الأمن القومي الأمريكي وتشكيلات الدفاع والسياسة الخارجية والالتزام الأمريكي بمساعدة الدول الفقيرة، وكذلك تطور وصياغة سياسة الولايات المتحدة تجاه روسيا بعد انهيار الآحاد السوفيتي".

ويشير تالبوت إلي أن أحداث سبتمبر كان لها تأثير ما على إحداث نوع من النقلة النوعية في الاهتمامات البحثية لبروكينجز.
ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر أصبحت الأبحاث أكثر تركيزا علي إنتاج أفكار وتحليلات من شأنها أن تؤدي لتطوير بل وإعادة مراجعة العلاقات بين الغرب والعالم الأسلامي وكيفية إحداث التوازن بين اليقظة ضد "الإرهاب" وبين حماية الحريات المدنية، وكذا الصراع العربي الإسرائيلي والحاجة لتبني أساليب الدبلوماسية التقليدية مع الأخذ في الإعتبار موضوع ظهور لاعبين خارج حدود الدول القومية، وكذا النقاش حول الضربات الوقائية لإجهاض التهديدات من "إرهابيين" والدول التي تساندهم وكذا تطوير إستراتيجية عالمية لعالم ما بعد الحرب الباردة ومستقبل عدم التسلح وقضية أنظمة الصواريخ الدفاعية.
ويوضح تالبوت كيف أن دور مراكز الفكر قد صار مركزيا وهاما لأنها أصبحت المصدر الرئيس للمعلومات والخبرات لصانعي السياسات بل والصحفيين أيضا، ذلك أن تقاريرهم وتحليلاتهم يتم الإعتماد عليها بشكل أساسي لإرشاد أعضاء الكونجرس في رسم السياسات التشريعية وللصحفيين في كتابة تقاريرهم.
وفي بحث أجري مؤخرا بين أعضاء الكونجرس والشيوخ وأيضا بين الصحفيين الذين يقومون بتغطية أخبار الكونجرس، اعتبر حوالي 90% من الذي استطلعت آرائهم أن مراكز الفكر "ذات نفوذ عظيم" في الحياة السياسية الأمريكية الحالية، وكان أحد أهم نتائج الدراسة التي أجراها أندرو ريتش هي أن معهد بروكينجز اعتبر أكثر المراكز مصداقية من بين ثلاثين مركزا تم اختيارهم في البحث.
ويقول تالبوت إن بروكينجز عادة ما يشار إليه باعتباره "جامعة بدون طلاب" والمعهد يتضمن حوالي 75 زميلا بعضهم مندوب من جامعات وأبحاثهم عادة ما يتم مراجعتها أكاديميا.
بعض الباحثين ببروكينجز يلقبون بـ "ممارس أكاديمي" وهو لقب عادة ما يطلق على الباحثين الذين يقبولون بوظائف في الحكومة، حيث يكون بإمكانهم أن يختبروا نظرياتهم وما توصولوا إليه من إستنتاجات على أرض الواقع، ويطلق اللقب أيضا علي أولئك المسئولين السابقين الذين قدموا لبروكينجز بعد أن قضوا فترة في الوظائف العامة. وفي بروكينجز هناك أكثر من 12 باحث خدموا في وزارة الخارجية ومجلس الأمن الأن القومي فمارتن إنديك مدير مركز سبان لدراسات الشرق الأوسط كان يشغل منصب مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الوشط وخدم فترتين كسفير لأمريكا في إسرائيل.
ويعترف تالبوت بأنه ليست كل مراكز البحث تلتزم بالقواعد الأكاديمية أو أنها "مستقلة وغير حزبية" في تحليلاتها السياسية. ذلك أن بعض مراكز الفكر تعد مسيسة، وبعضها الآخر يتبنى أجندة سياسية أو منهجا حزبيا واضحا بل وتقوم بالضغط علي صانعي السياسات ويقول بأن بروكينجز معروف بتوجهه الوسطية.
ولكي يقوم المعهد بنشر التحليلات السياسية والتوصيات من خلال نشر الكتب والتقارير، وحينما كان هناك إدراك بأن صناع السياسات قد لايكون لديهم الوقت لقراءة التقارير المطولة تم العمل على نشر ملخصات سياسية في شكل أبحاث وأوراق بحثية. وعادة ما يقوم باحثو بروكينجز بنقل تحليلاتهم واستنتاجاتهم مباشرة لصانعي السياسيات من خلال الشهادات أمام الكونجرس والإستشارات الخاصة والمقابلات مع أعضاء الكونجرس والأعضاء التنيفيذين والندوات وغيرها من المناسبات العامة.
وهناك إدراك من مراكز الفكر بأن دورة التأثير لابد وأن تتم من خلال أن صانعي السياسات يتأثرون بالرأي العام والرأي العام يتشكل من خلال التغطية الصحفية، وبالتالي فإن صانعي السياسات ومستشاريهم والرأي العام يتعرفون ويحصلون على معرفتهم بالقضايا السياسية من خلال التغطية الإعلامية، وبالتالي ليس من المستغرب أن نعرف أن معظم هؤلاء الباحثين يقضون معظم وقتهم ومجهودهم لتقديم وشرح أفكارهم من خلال وسائل الإعلام وكتابة مقالات الرأي. وللتدليل على إدراك معهد بروكينجز لأهمية وسائل الإعلام في نقل أفكار وآراء الباحثين للرأي العام، قام العام الماضي بإنشاء إستديو خاص ليتمكن باحثوه من إجراء المقابلات الصحفية. كما أن بروكينجز ينشر ما يعرف بـ"دليل وسائل الإعلام" لمساعدة الصحفيين لمعرفة المختصين في النواحي المختلفة.
وميزانية بروكينجز البحثية تبلغ قيمتها حوالي 40 مليون دولار، وتأتي الأموال في معظمها من المنحة التي تركها مؤسس المعهد، كما أن هناك هبات ومنح وتبرعات من منظمات وشركات وأفراد، وهناك العائد المادي لمعهد بروكينجز للصحافة والذي يقوم بنشر حوالي 50 كتابا سنويا...يتبع   


تم غلق التعليقات على هذا الخبر