مستقبل السياسة العربية: مساحات الحركة والتغيير -2- مقاربة في أولويات العمل السياسي الإسلامي

2005-2-22 | محمد سليمان مستقبل السياسة العربية: مساحات الحركة والتغيير -2- مقاربة في أولويات العمل السياسي الإسلامي
-2-
مسارات الحركة والتغيير في السياسة العربية:
إذا رصدنا الحالة السياسية العربية الراهنة وجدنا أننا - فعلا – أمام مرحلة انتقالية وعلى مفترق طرق رئيسي، وإزاء تشكل خيارات جديدة. بيد أن هذه الرؤية تدفع إلى مناقشة حالة التدافع بين الشروط والعناصر الجديدة التي تعمل على تغيير واستبدال الواقع الحالي وبين الشروط والعناصر القديمة التي تعمل على التخفيف من حدة الضغوط وإعادة بناء تكيف الحالة السياسية مع المتغيرات، لكن بالإبقاء على سماتها الرئيسية والنخب الحاكمة الحالية .
        تبدو في مقدمة العوامل الجديدة الدافعة باتجاه التغيير السياسي زوال الشروط التاريخية التي كانت تشكل رافعة للسياسة العربية، وأبرز ذلك انهيار التحالفات الدولية السابقة التي كانت تستند النظم العربية إليها في تثبيت مشروعيتها العملية؛ فلقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى تلاشي السند الدولي للنظم الاشتراكية – القومية، وأدت المتغيرات الجديدة ( ما بعد أيلول ) إلى انهيار التحالف بين الولايات المتحدة والنظم المحافظة، بل وتحول هذا التحالف إلى النقيض من خلال تغير السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وانتقالها من استراتيجية الاحتواء إلى استراتيجية التغيير والإصلاح السياسي والاقتصادي. وأصبح النظام الدولي الجديد عاملا دافعا باتجاه تغيير النظم السياسية العربية، بعد أن كان من شروط استقرارها وبقائها سابقا. وغني عن البيان أن النظم التي تفتقد إلى الشرعية السياسية الشعبية تستمد مقومات قوتها الفعلية من التحالفات والتوازنات التي تنشئها، والخلل بهذه التوازانات سيصيب هذه النظم بهزات عنيفة، ويضع علامات استفهام كبرى حول شرعيتها العملية .
        وأدى تطور دور الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الاتصال والشركات والمؤسسات الدولية الاقتصادية، إلى ثورة في نظريات علم السياسة ذاته، وأثّر ذلك على كثير من المفاهيم السياسية، فظهرت مفاهيم جديدة تتلاءم مع التطور في النظريات السياسية؛ كمفاهيم: أفول السيادة، والدولة ذات العلامة التجارية، والحكومة الافتراضية، المجتمع المدني العالمي ( حركات السلام الأخضر، الحركة ضد الحرب، مناهضة العولمة )، وشهد العالم تحولات في مصادر القوة والسلطة ..الخ . كل هذه وتلك من المتغيرات الجديدة انعكست بشكل كبير على السياسة العربية، والتي كانت قد وُجِدتْ في إطار شروط تاريخية تقوم على هيمنة الدولة على وسائل الإعلام، الحد من المشاركة السياسية، تعزيز مفهوم السيادة ، إقصاء المعارضة والفاعلين الداخليين باستثناء مؤيدي النظام، ولم تعد أكثر النظم تسلطية قادرة على منع ثورة المفاهيم والأدوات السياسية الجديدة من اختراق حدودها ومناكفتها في الداخل، وإجبارها على فتح المجال لها، سواء بشكل كبير في بعض الدول أو بشكل محدود في دول أخرى، لكنه أخذ في النمو فيها .
        تفترض المفاهيم السياسية الجديدة قدرة الشعب على التعبير عن رأيه ومواقفه السياسية، ومحاسبة الحكومة، والمشاركة في صنع الحدث من خلال مؤسسات غير رسمية ( وسائل الاتصال الجماهيري، مؤسسات المجتمع المدني)، بينما السياسة العربية الرسمية تقوم على إقصاء الشعب والمعارضة عن الممارسة السياسية العملية والحقيقية. وبالتالي نحن أمام تغير في أبرز سمات الحالة السابقة، ومن المؤشرات الواضحة على بدء هذا التغير وفعاليته: مسارعة كثير من النظم العربية إلى عقد منتديات ومؤتمرات الإصلاح السياسي وتقديم العرائض والوثائق، وكل هذا وذاك محاولة للتحايل على التغير القادم أو على الأقل التحكم به، فلا يشب عن الطوق فيهدد النخب الحالية في السلطة .
        وعلى الرغم من بقاء التحالفات الداخلية قائمة في كثير من الدول العربية، إلاّ أن هذه التحالفات تتعرض إلى حالة من التصدع والضعف، بشكل كبير ، لأسباب متعددة منها أن هذه التحالفات قامت مع فئات أو أقليات داخل المجتمعات العربية، تقوم في كثير من الدول على دور أقلية عرقية أو طائفية أو دينية أو طبقية محصورة في الهيمنة على موارد البلاد المالية والسياسية. وليس مع أغلبية القاعدة الشعبية ذاتها، والوعي الشعبي العربي اليوم بات - في مرحلة جديدة - يطالب فيها بالإصلاح السياسي ومحاسبة النخبة وتوسيع قاعدة الحكم والمشاركة الشعبية، وهذه كلها تؤثر بشكل كبير على التحالفات الداخلية القائمة .
          كما أن قاعدة التحالفات السابقة قامت - في الأغلب الأعم - على مفهوم الدولة الريعية التي تقيم المشروعات الاقتصادية وتتحكم في الموارد المالية بالمنح والحرمان، وتسيطر على حركة السوق..الخ ، وهذا المفهوم ذاته ودور الدولة الاقتصادي بدأ بالتغير حتى في الدول غير الليبرالية تحت ضغط الظروف الاقتصادية المتدهورة والأزمات الخانقة ( كأزمة البطالة والتضخم والحرمان النسبي في كثير من الدول العربية ) . إن التحولات الاقتصادية الجارية – والتي تتخذ في كثير من الدول العربية طابع الخصخصة البنيوية – تحمل أبعادا سياسية واجتماعية، وتتضمن تغيرا وتبدلا في مصادر الشرعية الداخلية من خلال تغيير قاعدة التحالفات، وهو الأمر الذي يؤدي – كذلك - إلى تغيير في طبيعة وسمات الحالة السياسية السابقة .
        لكن إذا كانت العوامل والشروط السابقة تدفع باتجاه تغيير سياسي في العالم العربي، فلماذا نجد أن السياسة الرسمية العربية ما زالت قادرة على امتصاص كثير من الهزات الكبرى؟، بمعنى آخر: ما هي عوامل البقاء والاستمرار التي تبقي السياسة العربية إلى الآن – على الأقل – قادرة على مقاومة التغيير ومواجهة المشكلات البنيوية التي تتعرض لها ؟ ..
من عوامل القوة والبقاء في السياسة العربية اليوم وجود قاعدة من التحالفات الداخلية تشكل رافعة لهذه حالة. فعلى الرغم من الهزات التي تعرضت لها هذه التحالفات، إلاّ أنها ما تزال قائمة ، وتمتلك في كثير من الدول العربية موارد القوة والتأثير ، خاصة الموارد الاقتصادية والقوة الأمنية والعسكرية ، التي تقطع الطريق على محاولات التغيير الشعبي .. وهذا يقودنا إلى عامل آخر وهو سيف الأمن الذي تضرب به هذه النظم وتجهض من خلاله أية محاولات حقيقية للتغيير، ومن المعروف أن أغلب النظم العربية تتمتع بقدرات أمنية داخلية كبيرة ، وبحس أمني دقيق يستشعر الخطر عن بعد ، ومرفوع دوما في وجه تيارات المعارضة .
        ومن العوامل المبقية على الحالة الراهنة غياب البرنامج العملي البديل لسياسات النظم الحالية وتوجهاتها، واتسام المعارضة العربية بأنها – غالبا – ذات طابع خطابي يقوم على الحشد الشعبي بعيدا عن حسابات السياسة وموازينها ، وبالتالي تتسم المطالب الشعبية والتحركات الجماهيرية بطابع السطحية وردات الأفعال والمطالب غير الواقعية، وهذا وذاك يقود فعليا إلى انسداد أفق التغيير النابع من الداخل طالما أن القوى والحركات المعارضة غير قادرة على تقديم الحلول العملية المنطقية للمشكلات الكبرى التي تعيشها المجتمعات العربية ومن ذلك الأزمات السياسية : الاندماج الوطني، مفهوم المواطنة، الأقليات، التعددية وتداول السلطة. والأزمات الاقتصادية: البطالة والفقر والعلاقة مع المؤسسات الدولية الدائنة..، والأزمات الثقافية المرتبطة بالتعامل مع العصر وثقافته، ودور الدين في المجتمع والسياسة، وإشكاليات الهوية والفلسفة الاجتماعية في النظر إلى الكون والوجود والمجتمعات ..الخ .
        يرتبط بالملحوظة السابقة غياب تقاليد العمل السياسي العربي العلني المعارض، وضعف التراكم الفكري في مجال نظريات الإصلاح والتغيير السياسي، وتخبط كثير من الأحزاب وحركات الإصلاح العربية في التعامل مع السلطة، والخلل كما يرجع إلى ضعف الثقافة السياسية لأحزاب وتيارات المعارضة الفاعلة وأحدد هنا الأمر بالاتجاه الإسلامي، فإنه ينبع كذلك من السياسة الرسمية العربية ذاتها التي تقوم على إقصاء أحزاب المعارضة وتنظر للمنتقدين والمخالفين بعين الشك والريبة. ويرتبط بهذا العامل وجود مشكلة ثقافية في علاقة الناس بالسياسة وهي مشكلة ذات طابع بنيوي متراكم عبر التاريخ، إذ أنّ مساويء السياسة وتكاليفها الباهظة، والثورات الفاشلة أدت إلى وجود ثقافة شعبية سلبية تجاه العمل السياسي والتغيير الإيجابي ، منعت من وجود فقه سياسي إسلامي راسخ لدى النخبة والعامة يقوم على تأصيل دور الأمة في الدفاع عن حقوقها ، وتصديها لانحراف السلطة ، وواجبات المواطنة والمسؤولية المدنية والأخلاقية ..الخ.
        يضاف إلى ما سبق : أنه وعلى الرغم من تفكك التحالف بين النظم العربية والنظام الدولي ، والتغير في مسار العلاقة ، إلاّ أن هناك مصالح مشتركة ما زالت تحمي هذه النظم وأبرزها القراءة المشتركة لكلا الطرفين لمصادر التهديد والمتمثلة حاليا – وفق هذه القراءة – بالحركات الإسلامية وبالتحديد الإحرابية [ الجهادية ] ، وبالتالي فإن هناك معضلة حقيقية في السياسة الأمريكية الحالية – الدافعة باتجاه التغيير – وتتمثل في أن البديل عن النظم الموجودة هي حركات إسلامية معادية للولايات المتحدة والغرب، وتحمل مشروعا قيميا يستند إلى منظومة مختلفة عن المنظومة الليبرالية الغربية . من هنا يذهب تجاه من المفكرين والساسة الأمريكيين إلى الإبقاء على دعم هذه النظم حاليا واستمرارها – مع الضغط عليها – ريثما يتوافر بديل سياسي أفضل من البديل الحالي.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر