مستقبل السياسة العربية: مساحات الحركة والتغيير (5) مقاربة في أولويات العمل السياسي الإسلامي

2005-2-22 | محمد سليمان مستقبل السياسة العربية: مساحات الحركة والتغيير (5) مقاربة في أولويات العمل السياسي الإسلامي
-5-
دليل العمل الإسلامي للمرحلة القادمة
        بناء على كل ما سبق، نجد أن بناء دليل العمل السياسي الإسلامي للمرحلة القادمة يجب أن يأخذ بالاعتبار الأبعاد الفكرية والنظرية بمقدار ما يأخذ الأبعاد العملية، وهنا فإن الأطر المقترحة لهذه الأولويات، تتمثل في:
1- الإطار النظري المرتبط بصياغة الخطاب السياسي الإسلامي، إذ لم تعد كثير من المفاهيم التي قام عليها العمل السياسي الإسلامي في المرحلة السابقة صالحة للمرحلة القادمة، وأهم ما في ذلك تحول مصادر القوة والسلطة في المجتمع من مجال الحكومة ومؤسساتها إلى مجال المجتمع المدني والقطاع الأهلي والعمل التنموي المجتمعي أو الخاص، وهو أمر مرتبط بشكل أساسي بتغير مفهوم الدولة ذاته أو الوزن النسبي لمقومات الدولة. كذلك الأمر ظهور مشكلات خطيرة متعلقة بالاندماج الوطني والتكامل القومي، وإدارة الصراعات الداخلية، والتعايش السلمي في الداخل، ومسألة المواطنة والحقوق العامة .. الخ. وكل الأمور السابقة تتطلب تجديد الخطاب السياسي الإسلامي ومفاهيمه وقضاياه والانتقال من تمحور هذا الخطاب حول البعد التحريضي لمفهوم الحاكمية والذي يزيد من حالة التأزم الداخلي إلى دور الدين في بناء التنمية السياسية وترشيد سلوك الفاعلين في الحياة السياسية، وذلك من خلال تعزيز المسؤولية المدنية والأخلاقية، وترسيخ مفهوم المواطنة الذي يؤدي إلى التكامل والاندماج الوطني في مواجهة النزعات العرقية والطائفية والقبلية، بناء على قاعدة وحدة الدين والأمة والمصير.
ولابد هنا من الاعتراف أننا جميعا شركاء في تحمل مسؤولية التجديد السياسي، وبالتالي على الخطاب الإسلامي استنفار المسلمين جميعا للمشاركة في عملية الإصلاح المطلوبة، ورفض منطق الكسل والتواكل السياسي الذي يحمل النظم السياسية مسؤولية الحالة بينما يكتفي الجميع بمنطق المتفرج، والعمل على بث شعور المواطن المسلم بمسؤوليته الشرعية والأخلاقية في التنمية ورفض الفساد السياسي والعمل على الإصلاح من خلال وسائل متعددة واليات متنوعة.
كما أن الخطاب الإسلامي المطلوب للمرحلة القادمة لا بد أن يتسم بالرؤى العملية لحل المشكلات الكبرى التي تعاني المجتمعات المسلمة اليوم منها على مختلف المستويات وهذا يتطلب خطوة ملحة اليوم وهي تشكيل مجموعات فكرية تتكون من خبراء ومتخصصين يقدمون دراسات لهذه المشكلات وللحلول الإسلامية العملية لها، بالاعتماد على قواعد من البيانات والمعلومات والأرقام، وهنا تكمن الحاجة إلى دور مراكز الأبحاث والدراسات التي ترشد الخطاب الإسلامي من خلال
"صناعة الأفكار"، والتي تنقل إلى حيز التنفيذ من خلال خطوات مدروسة وحسابات عملية مبنية على قراءة دقيقة للنتائج المتوقعة، ويتم من خلال ذلك أيضا تحديد وسائل تنفيذ الأفكار، في كيفية الضغط والتأثير على الحكومات والنخب العربية للمشاركة بتبني هذه الأفكار، طبيعة المادة التي تبث في وسائل الإعلام الإسلامي، ويمكن أن تمرر لوسائل إعلام أخرى أو من خلال أدوات الاتصال السياسي والجماهيري وهي كثيرة ومتعددة اليوم، وكل ذلك بهدف إيصال رسائل معينة للشرائح المستهدفة من هذه الأفكار.
إن أهمية البعد التنظيري أو الفكري في العمل الإسلامي تكمن في إعادة الاعتبار إلى "سلطة المعرفة" في هذا العمل وانتقاله من الارتجال والعفوية وردات الفعل إلى مرحلة العمل المدروس المؤثر العقلاني الذي يدرك تماما دوائر الحركة ومساراتها والأرضيات التي ينتقل بينها وأهدافه، بمعنى: امتلاك ثقافة المشروع النظري الذي يسبق العمل الحركي ويوجهه ويرشده، وهذه بلا شك مسؤولية النخبة العربية في صناعة الإصلاح والتغيير المطلوب، ومجهودهم بمثابة المعمل أو المطبخ الذي تتم فيه صناعة الأحداث ووضع الخطط. وهذا الأسلوب هو السائد في الولايات المتحدة من خلال دور بنوك التفكير والنخب السياسية والمفكرة.
2- إطار المجتمع المدني والعمل التنموي؛ فمن أولويات العمل الإسلامي في المرحلة القادمة تعزيز مشاركته ومساهمته في العمل المدني ، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني في الحياة العامة، والعمل المدني يعتبر بمثابة الرصيد الكبير للنشاط الإسلامي في المرحلة القادمة، والذي يفتح المجال له للتأثير على الحيز العام والخاص في المجتمعات من خلال أدوات متعددة كالإعلام ومراكز حقوق الإنسان، وجمعيات العمل التنموي.
هنا تكمن الحاجة إلى انتقال الحركات الإسلامية من حالة التنظيم الهرمي المبدد للطاقات إلى حالة العمل الشبكي المجتمعي، فأبرز المشكلات التي تعاني منها كثير من الحركات الإسلامية اليوم هي تكديس طاقات وإمكانيات الشباب ، داخل هذه الحركات ، فالمطلوب تفجير هذه الطاقات ودفع الشباب إلى المساهمة في مختلف المؤسسات المجتمعية والأعمال التطوعية، والانعتاق من عقلية الأحزاب والتنظيمات إلى عقلية العمل النهضوي العام والنشاط المجتمعي المفتوح من خلال بناء شبكات من مؤسسات ومراكز المجتمع المدني التي تعمل على تنمية وتطوير المجتمع ، وقيامه بتحمل مسؤولياته الحضارية والأخلاقية. والحالة العراقية كانت مؤشرا واضحا لخطورة غياب مؤسسات المجتمع المدني أو تحولها إلى صدى لفساد السلطة واستبدادها.
إن مؤسسات المجتمع المدني وآلياته وأدواته من أبرز العوامل التي يمكن استثمارها لتحقيق مقاصد العمل السياسي الإسلامي، والوصول إلى التجديد السياسي المنشود، ورفع فعالية المجتمع والأمة وانتقالها إلى دائرة الفعل المجتمعي والتاريخي بدلا من حالة "الشهادة السلبية" الحالية على الأحداث التي تعصف بها.
3- إطار العمل الإسلامي العالمي، فمواجهة التحديات والأخطار تستدعي اليوم قيام هيئات أو مؤسسات على مستوى العالم الإسلامي، تنسق فيما بينها وتتناقش حول القضايا والمشكلات الكبرى، وتحدد الخطوات العملية لدعم المجتمعات المسلمة في أزمات معينة، وإذا كان هناك عدة مؤسسات موجودة اليوم تحمل الصبغة العالمية فإنها عمليا ما زالت غير مفعلة وتفتقد لمنطق العمل المؤسسي، وبناء الأدوات والآليات العملية، وهي خطوة باتت ملحة بشكل كبير، من أجل الوصول إلى تكامل الجهود وتنسيقها وتبادل الخبرات وبناء جسور من الصلة كمقدمة لإعادة التواصل الاجتماعي والثقافي بين المسلمين، وتفهم المشكلات التي تعاني منها بعض المجتمعات أو الأقليات المسلمة، وهذا بدوره يرفد العمل الإسلامي بروافد جديدة من الخبرة النظرية والعملية .
وانطلاقا مما سبق لا بد من تحديد أولويات العمل الإسلامي العالمي، وتبرز هنا حالات رئيسية كالعراق وفلسطين والشيشان وغيرها، فلا بد في هذه الحالات من عقد مؤتمرات وجلسات تفكير ونقاش وتبادل خبرات، وتحديد مستويات الدعم اللازم لهذه المجتمعات والبدء بالتنفيذ العملي لذلك .
4- إطار مواجهة المشروع الأمريكي من خلال منطق المواجهة الشمولية التي تقوم على إدراك أن هذا المشروع متعدد الأبعاد، وأنه يتأسس على مصدرين من مصادر القوة: القوة العسكرية والسياسية [ القوة الصلبة ]، والقوة الثقافية والاقتصادية [ القوة الرخوة ]، الأمر الذي يتطلب تعريف هذا المشروع وإدراكه وقراءته وتفكيك مواطن القوة والضعف فيه، وبناء إستراتيجية عملية وتصور شامل لمواجهته داخليا وخارجيا، وهذا يستدعي كذلك مد جسور التواصل والتعاون مع القوى الأخرى الرافضة لهذا المشروع داخل الغرب وخارجه، ومن ذلك حركات كثيرة ومؤسسات مجتمع مدني متعددة ، كحركة مناهضة الحر العالمية .. الخ .
وأخيرا ..
إن هناك الكثير من المسؤوليات وشبكة الأعمال الضرورية الملحة التي تنتظر العمل السياسي الإسلامي في المرحلة القادمة، لكن لا بد من البدء ببناء تصور فكري ومعرفي يسترشد به العمل الإسلامي فيدخل المستقبل القريب ويواجه التحديات المختلفة وهو يمتلك دليل عمليا ومخططا واضحا، فلا يقع في حلقة ردات الفعل والارتجال والعفوية والخطوات الانفعالية، التي تستنزف الجهد والوقت وتهدر الإمكانيات.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر