مستقبل السياسة العربية: مساحات الحركة والتغيير (4) مقاربة في أولويات العمل السياسي الإسلامي

2005-2-22 | محمد سليمان مستقبل السياسة العربية: مساحات الحركة والتغيير (4) مقاربة في أولويات العمل السياسي الإسلامي
-4-
محددات العمل السياسي الإسلامي
كانت دراسة الحالة الراهنة للسياسة العربية، ومساراتها المستقبلية مقدمة ضرورية للولوج إلى مناقشة العمل الإسلامي في المرحلة القادمة، وذلك لأن هذه الدراسة تقدم لنا توضيحا لطبيعة الأرضية السياسية التي يقف عليها العمل الإسلامي اليوم، وإدراكا لطبيعة المرحلة السياسية والقواعد التي تقوم عليها، وشروط الفعل السياسي المؤثر فيها. وبالتالي يمكن بناء تصور لمسار العمل الإسلامي المستقبلي والآليات التي سيعتمد عليها والخيارات التي أمامه.
في ضوء القراءة السابقة فإن هناك تحديات رئيسة أمام العمل السياسي الإسلامي. يتمثل أبرزها في :
- ضرورة بناء خطاب سياسي إسلامي يتجاوز حالة الخطابة والارتجال والحلول العامة المنجزة المثالية إلى خطاب عقلاني يقدم بدائل عملية منطقية يمكن تطبيقها لمواجهة المشكلات الكبرى التي تعصف بالمجتمعات الحكومات المسلمة على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية.
- المشروع الأمريكي المتحالف مع الكيان الصهيوني، والذي يسعى إلى فرض أجندته على السياسة العربية مستقبلا، وهنا نجد أننا أمام مشروعين يدفعان باتجاه التغيير السياسي في المرحلة القادمة في المنطقة العربية: المشروع الأمريكي الذي يهدف إلى تعزيز اختراقه للحياة السياسية، وضرب الأمن العربي من الداخل. والمشروع الشعبي الذي تتصدره الحركات الإسلامية.
- التحديان السابقان يقودان إلى التحدي الثالث وهو تحدي التعامل مع النظم العربية الحالية، والتي تعاني من ضغوط شديدة ومأزق وجودي بنيوي، فهل تساهم الحركات الإسلامية في استثمار الموقف وتدفع باتجاه الخلاص الفوري من هذه النظم سواء بأدوات الجهاد المدني السلمي أو بأدوات العمل المسلح؟، أم أنها تعمل على دعم هذه النظم والدفاع عنها والتعاون معها في رفض مشروع التغيير الأمريكي، على اعتبار أنه تحد خارجي ينبغي أن تتوحد الجبهة السياسية الداخلية لمواجهته؟، أم أن هناك طريقا ثالثاً يقوم على خيار الإصلاح التدريجي المبني على تقديرات عقلانية متوازية مع نهوض الحالة الاجتماعية العامة لتكون قادرة على مواجهة الأخطار والتحديات؟ ..
قبل مناقشة مقترحات أولويات العمل السياسي الإسلامي، لا بد من الإشارة إلى بعض المحددات التي تضع إطارا عاما لهذه الأولويات، وتساعد على ترشيدها ..
- أن التغيير السياسي الجذري للنظم الحاكمة ليس في صالح العمل السياسي الإسلامي اليوم ؛ وذلك لأن العمل الإسلامي لا يمتلك بعد تصورا مدروسا لطبيعة المشكلات التي تواجه المجتمعات والحلول العملية لها ، وما زال بحاجة إلى جهود أكبر في الميدان الاجتماعي لتعميق وترسيخ المفاهيم السياسية الشرعية الصحيحة لدى أغلبية المجتمعات العربية المسلمة ، كما أن الظروف الدولية تشكل اليوم تشكل شروطا
- أن الحالة السياسية العربية هي انعكاس للوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه؛ فالمشكلات السياسية التي نعاني منها تتعانق مع المشكلات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. ومسار الإصلاح لا بد أن ينطلق من رؤية متكاملة تأخذ كافة الأبعاد ولا تركز على جزء دون جزء.
- أن الإصلاح أو التغيير السياسي لا يرتبط بالضرورة بتغيير السلطة أو النظم الحاكمة، وإنما قد يتسلل بشكل قوي ومتدرج من خلال نوافذ العمل السياسي العام، ومؤسسات المجتمع المدني، ولا يقتصر على الجانب السياسي إنما لا بد من امتداده إلى مجال الإصلاح الثقافي والاقتصادي والاجتماعي .. الخ .
في ضوء المحددات السابقة يمكن أن نصل إلى مقدمة رئيسة لمقترحات العمل الإسلامي: وهي أن التغيير السياسي قادم لا محالة إلى المنطقة العربية، وأنّ هناك إرهصات لحالة سياسية عربية جديدة، كما أن هناك مصادر تهديد خارجية خطيرة متمثلة بتحالف اليمين الأمريكي والليكود الصهيوني، وبالتالي هدف العمل السياسي الإسلامي في المرحلة القادمة هو ترشيد التغيير السياسي من خلال التحكم في عوامل التغيير ومساراته واتجاهاته، ويتم ذلك من خلال منطق الإصلاح العام التدريجي وفق مراحل تبدأ بالمجتمع المدني وآليات العمل اللاسلطوية وتنتهي بإصلاحات بنيوية داخل السلطة ، لكن وفق تصور متكامل للإصلاح وأهدافه ومراحله. وأحد المداخل الممكنة لهذا الهدف ما يطلق عليه اليوم المدخل [ الكوربوراتي ] أو المجتمعي، والذي يعتمد على تعاون كل من الدولة والمجتمع المدني في إدارة شؤون الحياة العامة، ويمكن من خلال ذلك تجنب الصدام الداخلي والتمهيد للمرحلة السياسية القادمة.
وهذا يقود إلى ضرورة الانتقال من مفهوم التغيير السياسي إلى مفهوم التجديد السياسي العام القائم على ضرورة تجنب حصر المشكلة في النظم السياسية القائمة، والاعتراف بحاجة أطراف الحياة السياسية العربية – بما فيها المعارضة – إلى تجديد خطابها وأدواتها ومؤسساتها، لتتلاءم مع المرحلة الجديدة، وتتجنب الانزلاق إلى مواجهات داخلية تستنزف الموارد والإمكانيات الأمر الذي يحقق مقاصد المشروع الأمريكي من نقل ساحة الصراع وتفجيره داخل المجتمعات العربية ذاتها.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر