مستقبل السياسة العربية: مساحات الحركة والتغيير (3) مقاربة في أولويات العمل السياسي الإسلامي

2005-2-22 | محمد سليمان مستقبل السياسة العربية: مساحات الحركة والتغيير (3) مقاربة في أولويات العمل السياسي الإسلامي
-3-
الاتجاهات والاحتمالات:
من خلال الرصد والتحليل السابق لحالة التدافع بين عوامل وشروط التغيير وبين عوامل الإبقاء على الحالة الراهنة، يبرز سؤال محوري وهو: كيف يمكن قراءة اتجاهات السياسة العربية في المرحلة القادمة واحتمالاتها الرئيسة ؟..
يمكننا الاقتراب من الاحتمالات أو المسارات المتوقعة للسياسة العربية في المرحلة القادمة والمرتبطة بالإضافة للقراءة السابقة بعوامل أخرى كالحرب الدائرة في العراق ومستقبل المشروع الأمريكي، والقضية الفلسطينية، وأبرز المسارات المتوقعة هي:
1- التحاق النظام العربي – في أغلبه – بالسياسة الأمريكية، واندماجه في المشروع الأمريكي، الأمر الذي يتطلب من هذا النظام التخلي عن كثير من سماته السابقة، ومن ذلك امتيازات النخب الحاكمة، والأوضاع الاقتصادية والسياسية، وقبوله بالتبعية الكاملة للولايات المتحدة، من خلال إعادة الهيكلة ليس فقط لنظامه الاقتصادي بل والسياسي أيضا، ويصبح هناك توحد ضد مصادر التهديد والمتمثلة بالإرهاب [ الأصولي ]، ويعاد وفقا لهذا المسار بناء مؤسسات النظم الداخلية ومؤسسات النظام العربي كالجامعة العربية لتتلاءم مع المرحلة الجديدة.
وهنا ستتمثل السمة العامة للسياسة العربية بالقبول بالتوجهات الليبرالية على المستويين السياسي والاقتصادي مع حدود تتلاءم مع ظروف كل دولة واعتبارات الأمن فيها طبعا بالاتفاق مع الولايات المتحدة ، أما المستوى الاجتماعي والثقافي فتتباين تطبيقات النظم لهذه الإصلاحات المطلوبة وفقا لطبيعة مجتمعاتها ومراحل تقبلها لذلك.
ومن العوامل المؤثرة على هذا المسار الحرب في العراق ومدى نجاح الولايات المتحدة في بناء النموذج المطلوب أو على الأقل "تسكين العنف والمقاومة" هناك من خلال حلول سياسية توافقية. إلاّ أنّ قدرات النظم العربية تختلف في هذا المسار، فهناك نظم يمكن أن تندمج بصعوبة أقل من نظم أخرى، وهناك نظم من الصعب جدا تصور اندماجها دون إجراء عمليات جراحية بنيوية فيها، تمثل انقلابا اختياريا للتكيف مع المرحلة الجديدة.
2- تغيير سياسي بنيوي في الحالة السياسية العربية، ويرتبط هذا المسار بتطور الأوضاع الحالية بخط بياني تصاعدي إلى الدرجة التي لا تعود فيها الشروط والعوامل القديمة قادرة على الصمود أمام رياح التغيير، وبالتالي تحدث عملية التغيير السياسي والتي قد تأخذ طابعا سليما وقد تأخذ طابعا عنيفا، ومن الصعوبة بمكان هنا تصور اتجاه التغيير ومساراته. وربما تعمل الولايات المتحدة على دعم هذا التغيير، حتى لو أتى بأحزاب إسلامية في بعض الدول، تعارض الولايات المتحدة، وذلك سعيا لإجهاض هذه الحركات وبيان عدم قدرتها على توفير الحلول السياسية والاقتصادية العملية للمشكلات التي تعاني منها المجتمعات المسلمة اليوم، وبالتالي تنصرف الجماهير عنها، وتتحول إلى مقارعتها، والمطالبة ببديل آخر، مما يسحب البساط من تحت هذه الحركات واستنزاف رصيدها الاجتماعي. وربما نجد في النموذج الإيراني – بنسخته الشيعية – اليوم مؤشرا وحالة دراسة يعتمد عليها الخبراء والدارسون الأمريكان - في تقرير إمكانية قيام حكومة إسلامية عربية راديكالية في إحدى الدول، ثم تفشل، وتؤدي إلى تفريغ الظاهرة الإسلامية من الشحنة الشعبية الاجتماعية التي تمتلكها اليوم، وتشكل من خلالها مصدر إزعاج للمصالح الأمريكية والغربية - ، فإيران "الإسلامية" قد وصلت اليوم إلى طريق مسدود، وحالة خطيرة على الصعيد السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي، وظهر الخيار الإسلامي هناك سببا في تدهور الأوضاع، وتجد غالبية الشباب وخاصة طلاب الجامعات يتبنون اليوم اتجاهات علمانية ضد المتشددين، ويدعمون تيار الإصلاح والتيارات اليسارية التي تدعو إلى الفصل بين الدين والسياسة والتخلي عن مبدأ ولاية الفقيه.
لا مندوحة من الإشارة هنا إلى أن التقارير الأمريكية التي توقعت التغيير السياسي امتنعت عن تحديد طبيعته، على الرغم أنها تنبأت بوجود فعالية أكبر للحركات الإسلامية في بعض الدول في المرحلة القادمة، بينما ستشهد إيران تحررا سياسيا وحالة أقرب إلى الليبرالية والتوجهات الغربية، دون أن تحدد تلك التقارير كذلك مصادر التغيير المتوقع. كما جعلت التقارير الأمريكية من الضغوط الديمغرافية والفرص الاقتصادية مفتاحا رئيسيا لفهم مستقبل الشرق الأوسط وتدهور الحالة السياسية العربية من خلال عجزها عن توفير فرص عمل للشباب وهم الفئة الغالبة على التركيبة السكانية في معظم المجتمعات العربية. وبالتالي حددت المداخل السابقة لحصول التغيير دون تحديد اتجاهه ومساراته.
تجدر الإشارة أنه في موازاة المسارين المتوقعين للسياسة العربية - والذين قد يتوازيان عمليا في المرحلة القادمة من خلال انطباق كل منهما على حالات سياسية عربية معينة- فإنه سيكون هناك دور متزايد للمؤسسات المدنية العربية في التأثير على الحياة السياسية وكذلك لوسائل الإعلام، والتي قد تدفع إلى وجود فرصة حقيقية لزيادة مساحة الحريات والمساءلة الشعبية للنخب الحاكمة، وربما في توسيع دائرة صنع القرار والمشاركة الشعبية، ولعل هذا يقودنا إلى المحور الأخير من نقاشنا..

تم غلق التعليقات على هذا الخبر